انفصال الجنوب.. بحرب التحرير لا ميدان التحرير   
الثلاثاء 1432/4/25 هـ - الموافق 29/3/2011 م (آخر تحديث) الساعة 22:57 (مكة المكرمة)، 19:57 (غرينتش)
عبد الله علي إبراهيم


ربما خفف على الشماليين السودانيين من صدمة إعلان نتيجة استفتاء الجنوب في 8 فبراير/شباط بنسبة الانفصالية المغالية أنه وقع في ظل التطورات الثورية المتلاحقة في مصر، الكنانة، التي انتهت بتنحي حسني مبارك عن الرئاسة في 11 فبراير/شباط.

هذا من الناحية النفسية، أما من الناحية السياسية فالمفارقة هامة، فبينما حقق المصريون "التحرير" من نظام مبارك بقوة الشعب نجد أن الحركة الشعبية حققت تحرير الجنوب بقوة السلاح.

"
لو قبلت الحركة الشعبية الديمقراطية المستعادة من نظام نميري في 1985 وتواثقوا عندها، كما دعتهم القوى المدنية الشمالية، لربما لم يحتاجوا حتى إلى حرب التحرير التي ساقتهم إلى الانفصال في خاتمة المطاف
"
وقد أخذت عليهم طيلة العقدين الماضيين لجوؤهم للسلاح بغير ضرورة ملجئة، فلو تقبلوا الديمقراطية المستعادة من نظام نميري في 1985 (استعادة هم شركاء فيها بقوة السلاح) وتواثقوا عندها، كما دعتهم القوى المدنية الشمالية، لربما لم يحتاجوا حتى إلى حرب التحرير التي ساقتهم إلى الانفصال في خاتمة المطاف.

لم أدخر وسعا في مؤاخذة الحركة الشعبية لاستنادها لطلب حقها بـ"القوة" لا "بقوة". وهو مجاز استفدته من دفاع للشيخ علي عبد الرحمن زعيم حزب الشعب الديمقراطي (برعاية السيد محمد عثمان الميرغني زعيم الطريقة الختمية).

فقد دعا الحزب جماهيره لمقاطعة انتخابات 1965 لاستبعاد الحكومة الجنوب منها لاضطراب الأحوال فيه، ونهض جمهور الحزب بالمهمة وترتب على ذلك قتل بعض المواطنين. وحين وقف الشيخ أمام المحكمة متهما بالدعوة لمقاومة الانتخابات ومترتباتها قال "لقد دعوتهم لمقاطعتها بقوة لا بالقوة". وهي تفرقة عبقرية تمثلت أوضح ما تمثلت في "ميدان تحرير مصر" وفي "حرب تحرير" الحركة الشعبية.

كنت بنقدي للحركة الشعبية إنما أقصد تنبيه الشماليين الكثر من أعضائها إلى مخاطر اتباعهم الحركة في خطة حرب التحرير الجنوبية، فقد كانت قوة السلاح هي عقيدة الفئة الغالبة من القوميين الجنوبيين منذ "تمرد" الفرقة الجنوبية في 1955 ثم حركة الأنانيا الانفصالية في الستينيات حتى صلح أديس أبابا مع نظام نميري في 1972 ثم عودتهم إلى الغابة من وراء العقيد قرنق في 1983، حتى صلح نيفاشا في 2005.

بينما كانت عقيدة الحركة الجماهيرية الشمالية الراسخة هي قوة الشعب التي تجلت في ثورتين في 1964 و1985 عمل المناضلون لها بتؤدة وصبر في المجتمع المدني حتى انفصل بالكلية عن الطغم الحاكمة وتركها عارية من الحول وفي العراء.

ولكن صار لتكتيك بـ"القوة" جاذبيته بين اليساريين الشماليين، خاصة بعد خيبة ظنهم في انتفاضة 1985 ووراثة الحركة الإسلامية "الكيزان" لها رغم أنهم مالؤوا الرئيس نميري منذ 1987 حتى قبيل وقوع الانتفاضة بأسابيع.

وملابسات "استيلاء" الكيزان على الانتفاضة وعثرات النظام البرلماني الذي أعقبها حتى 1989 معقدة يطول شرحها. ويأسا من كل ذلك في البادي أخذ هؤلاء اليساريون يتسللون زرافات ووحدانا إلى إثيوبيا للالتحاق بالحركة الشعبية والحرب في صفوفها.

وجسد هذه الهجرة من "بقوة" إلى "القوة" الأستاذ ياسر عرمان نائب أمين الحركة الشعبية وزعيم قطاع الشمال فيها، فقد ترك ساحة الحزب الشيوعي بعد احتجاج على بؤس تعاطي الحزب مع جراءة الحركة الشعبية التي قعقع سلاحها. ووصف الحزب ياسرا بـ"البرجوازي الصغير" الذي لم يطق صبرا على وعثاء العمل الصبور الدؤوب (وهذه عبارة الشيوعيين الثابتة) بين الجماهير ... بـ"قوة".

مما يستغرب المرء له كيف لم يره (الانفصال) شماليو الحركة قادما في عبارة إنجليزية دارجة، فما جنحت الحركة الشعبية، التي اندفعوا إليها بعزائمهم لبناء سودان جديد موحد، حتى انفعلوا بخيبة الأمل واللوم.. قال وليد حامد الشيوعي السابق (الأحداث 5 أكتوبر) "أنا أناضل عشرين عاما في الحركة التي انضممت إليها يافعا، وأرى المشروع الذي ضحيت من أجله يذبح أمامي، وكأنني أرى شخصا يذبح ابني.. هذه هي المشاعر التي تنتابني اليوم".

وأنحى جماعة منهم باللائمة صراحة على الحركة الشعبية بتهميش قطاعهم الشمالي فيها عمدا وانفرادها بقرار الانفصال. وتميز في هذا الضرب من الكتابات الدكتور محمد الواثق الذي التحق بالحركة في النصف الثاني من الثمانينيات من فوق تجربة نقابية قصيرة حافلة وسط أساتذة جامعة الخرطوم في انتفاضة 1985.

ووصف كتاباته (الأحداث 12 يوليو/تموز 2010" بالتشديد "على خيبة ظن الشماليين من أعضاء الحركة، وكل مناصريها في الشمال، الذين علقوا آمالهم في قيادة الحركة لعملية التغيير والدفع بالأوضاع الناجمة عن اتفاقية السلام". ونعى على قطاع الشمال بؤس حضوره في الأداء القيادي للحركة. وهو حضور وصفه بأنه كجزء من تمثيلية لا تمثيلا حقيقيا، وزاد بأنه كان "تمثيلا مظهريا" "ومجرد زينة وديكور"

وجاء الواثق بسببه لإهمال الحركة للشماليين مفاده عطلهم عن السلاح الذي هو لغة الحركة الرسمية، فالحركة التي وصفها بأنها سيدت العقلية العسكرية، سيئة الظن في الشماليين فيها الذين لم يشتركوا بفعالية في نسخة النضال العسكري من عملية التحرير، عدا قلة تعد على أصابع اليد.

فاستقلت الحركة القطاع لغيابه عن الخدمة العسكرية فبخسوهم حظهم في المواقع القيادية في التنظيم والدولة، وهذا ما لم يقع لشماليين جغرافيين آخرين في منطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق، فلأن جماعات من تلك المناطق المتاخمة للجنوب شاركت في الكفاح المسلح تمتع قادتها بمواقع مميزة في الحركة ونال الإقليمان حق المشورة الشعبية في اتفاقية السلام الشامل، وهو حق قصر عن استفتاء الجنوب، ولكنه كفل حق النظر من جديد لعلاقتهما مع حكومة الخرطوم.

وسبق لي مرارا التنبيه إلى هذا المأزق الشمالي في الحركة، فالحركة، العسكرية حتى النخاع، لم تكن مكانا ليمارس شماليوها خبراتهم في طلب الحق بـ"قوة" بتنظيم الجماهير وتربيتها في طريق الانتفاضة. فمن تميز منهم في الحركة مثل ياسر عرمان ومنصور خالد نال سبقه في حيز دبلوماسيتها مع أحزاب الشمال المعارضة أو في الدوائر العربية والغربية.

ولا أدري كيف فات على شماليي الحركة بؤس مؤهلهم للقيادة في الحركة حتى "ضحى الغد". فقوميو الجنوب موقنون بأن الفيصل في تسنم مراكز القيادة هو "بيض الصحائف" لا سودها.

ففي اجتماع في منتصف التسعينيات سعى لاصلاح ما بين العقيد جون قرنق والمنشقين عنه في 1991 ذكر العقيد اسم منصور خالد في سياق ما. وما أن اتيحت الفرصة لريك مشار، زعيم المنشقين ونائب رئيس حكومة الجنوب الحالية، حتى قال:

-كم عدد الجنود الذين بوسع منصور تجنيدهم للحركة.

في إشارة صريحة لأصل منصور في الشمال الذي لا أمل في أن يجيش قبائله لمؤازرة الحركة.

ومن أدل الدلائل على تغاضي الحركة عن كل خبرة غير العسكرية سحبها لمرشحها لرئاسة الجمهورية زعيم قطاع الشمال ياسر عرمان، في انتخابات 2010 في ملابسات غامضة حتى تاريخه.

"
يلوم د. الواثق(من أبناء الحركة الشماليين) الحركة على تنصلها عن المنافسة لرئاسة الجمهورية، لأنها الفرصة النادرة التي سنحت لقطاع الشمال لكي يسفر عن مواهبه الجماهيرية بعد أن فاته سبق زمالة السلاح
"
ويلوم د. الواثق الحركة على تنصلها عن المنافسة لرئاسة الجمهورية، لأنها الفرصة النادرة التي سنحت لقطاع الشمال لكي يسفر عن مواهبه الجماهيرية بعد أن فاته سبق زمالة السلاح.

قال الواثق إن الحركة قاطعت انتخابات الرئاسة عندما "لاحت الفرصة للشماليين لتحقيق نصر في الانتخابات يفرض وجودهم في قيادة الحركة، ويضمن مقاعدهم على المستويين التشريعي والتنفيذي" وقال إن أسباب ذلك التنصل عميقة لا يمثل ما أفصح عنه إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد، بينما ظلت الدوافع الحقيقية حبيسة في صدور قيادة "القطاع".

ولما خرج القطاع من حرب التحرير والانتخابات بلا حمص أضحى، في قول الواثق، كمن "يعرض برَّه الزفة"، فلا سلاح حملوا ولا أصوات حصدوا"! وفي عبارة أخرى قال الواثق إن قطاع الشمال الذي فاته التسلح بقاعدة عسكرية أو أرض محررة جرى حرمانه من التسلح باصوات الناخبين.

وخلافا لمن لاذوا بالصمت حيال سحب الحركة لمرشحها للرئاسة أو من أولوا انسحابه تحسبا لتزوير الحكومة للانتخابات، نجد الواثق يصف الانسحاب بأنه جاء "صادما ومحبطا ومخيبا للظن". وعزا ذلك إلى التمثيل الديكوري للقطاع بالحركة الذي جعل دور قادته يقتصر "على مباركة القرارات وفرضها من أعلى إلى أسفل على القواعد، وكأنها "تعليمات"، بدون أي حوارات عميقة أو نقاشات جادة.

وتساءل إن كان وجود الشماليين في قيادة الحركة ما هو إلا مجرد زينة وديكور، في شكل تمثيل رمزي". وقال "بما أن الأسباب التي قدمتها الحركة لسحب المرشح لم تكن مقنعة أو شافية فلربما صدقت الرواية القائلة إن ذلك السحب تم بـ"الصفقة" بين الحركة والمؤتمر الوطني.

ولم أقف على قلة قيمة قطاع الشمال حقا إلا بعد أن قرأت لوم الحركة المضاد له.. قال الفريق جيمس واني نائب رئيس الحركة لجريدة الأحداث إن انسحاب ياسر "قفل نفس" الحركة، فالحركة كانت تنتظر التغيير في الخرطوم على يد ياسر الرئيس. بل قال إنه "زعلان" من خروج ياسر من المنافسة، وقال إن قرار الانسحاب كان قراره هو لا الحركة. بل عاتب ياسرا قائلا "لو كان حدثنا أنه لن يواصل المشوار لاخترنا غيره ليقف في الحلبة حتى النهاية". وقال "كان رأي ياسر أن الانتخابات ستزور في حين حثهم واني على دخولها مهما كان الأمر".

لم يكن غياب شماليي الحركة عن ميدان العمليات، كما قال الواثق، سببا لاستضعافهم في ميزان مواقع القيادة وحسب بل لعزلتهم عن منابر التربية السياسية فيها أيضا.

فقد تحيرت لسبب ذكره جنوبيون واقفون في الصف للتصويت للانفصال في الاستفتاء الأخير، قال أحدهم للتلفزيون إنه مع الانفصال لأن والده مات في الحرب وأنه سيستكمل تضحيته بالتصويت للانفصال. وقال محارب واقف للمذيع إنه قاتل لانفصال الجنوب لا لوحدة السودان. وقالت الفنانة مارى بيو، التي ألبت بغنائها للانفصال، إن أباها مات يقاتل لفصل الجنوب". وتساءلت في نفسي كيف لم ير قطاع الشمال هذه العاطفة الانفصالية بين جمهرة الجنوبيين ووثقوا بلا برهان في مانفستو الحركة عن الوحدة والسودان الجديد.

"
لاحظ الشماليون عامة بعد قدوم قوات من الحركة الشعبية إلى إريتريا أن الخطاب التعبوي في معسكراتها كان انفصاليا لا يمت بصلة لأفكار زعيمهم قرنق الوحدوية
"
ولم أجد تفسيرا لهذه العاطفة الانفصالية إلا في كلمة لفيصل محمد صالح (الأخبار 2 أغسطس/آب 2010) كشفت عن الهوة بين منطوق مانفستو الحركة عن الوحدة وبين توكل جمهرة الجنوبيين على الانفصال. فقال إنه تلاحظ للشماليين عامة بعد قدوم قوات من الحركة الشعبية إلى إريتريا أن الخطاب التعبوي في معسكراتها كان انفصاليا لا يمت لصلة لما نعتقده من أفكار زعيمهم قرنق الوحدوية.

وقال إنه سمع ذلك الخطاب دائرا حول مفردات نمطية يستهجن بها الجنوبيون الشماليين. وأجاب قادة الحركة حين سئلوا عن البون بين المانفستو وخطاب التعبئة العامة للجند بقولهم "إن الجنوبيين يأتون إلى صفوف الحركة الشعبية لأسباب مختلفة، ومعظمهم يأتي بالضغينة التقليدية للجنوب على الشمال، لذلك فإن خطاب الاستقطاب والتجنيد يقوم على كل عوامل الجذب المفترضة.

لكنهم أضافوا أنه وبعد تجنيد الفرد داخل الجيش الشعبي فإنه يخضع لدراسات فكرية وسياسية وتعبوية لتلقين فكرة وخطاب السودان الجديد، ونقله من مقاتل جنوبي ضد الشمال، لمقاتل من أجل السودان الجديد الذي لا يخص منطقة جغرافية بعينها في السودان." وواضح أن نقش الكبر كالنقش في الحجر.

أجد نفسي شديد التعاطف مع استدراك الواثق بوجوب أن يترفع قطاع الشمال على خيبة ظنه في الحركة الشعبية لنقضها عهد الوحدة وأن يعرض عن شماتة خصومه فيه بمواصلة النضال من أجل دولة المواطنة والوحدة التي في ذمته.

ويبدو أن هذه الوجهة في تحويل "السليبات إلى إيجابيات وأصول" في قول الواثق هي الخطة التي تواضع عليها القطاع بعد الاجتماع الأخير في النصف الثاني من فبراير/شباط الماضي للمكتب السياسي للحركة الشعبية. ولن يكون سبيل القطاع إلى تجديد المسيرة هو لوم الحركة على لؤمها معهم ولا مراكمة اللعنات على المؤتمر الوطني ولا التفجع.

وعليه أن يتقبل راضيا الاعتراف بحطئه التكتيكي الفظ حين طلب سودانه الجديد بـ"القوة" متبعا سنة القوميين الجنوبيين بينما كانت فرصه ليطلبه بـ"قوة"، وهي خبرته الأصل التي اكتسبها في الشغل وسط المجتمع المدني، أفضل ضمانة وتحققا كما حدث في مأثرتي ثورة 1964 وانتفاضة 1985.

لقد تبرأ القطاع من خبرته وتعلق بغيرها وهجر جمهوره إلى غيره وعاد بخفي حنين. فحتى الجنوبيون ممن تمرسوا في العمل بـ"قوة" بداخل السودان وجدوا صعوبة في بيئة الحركة الشعبية التي طلبت الحق بـ"قوة".

وسبق لي اجتهاد فحواه أن انقسام لام أكول ومشار عن الحركة في 1991 ربما كان مظهرا من مظاهر تباين بيئات مقاومة القوميين الجنوبيين، بيئة ثوار الغابة وبئية نقابيي الصحراء أي داخل السودان.

ووجدت مصداقا لذلك في قول مشار لدبورا سكروجنز مولفة "حرب إيما" إنه لم يرتح للعقيد قرنق في أول لقاء جمعهما في الخرطوم قبل بدء الكفاح المسلح في الخرطوم، فقد كان قرنق غابيا بصورة صادمت سليقة مشار النقابية الصحراوية.

وأوسع أبواب تفريط شماليي الحركة في خبرتهم هي الكف عن نقد الحركة الشعبية باعتبار متفق عليه في مثل هذه الأحوال، وهو أنه لا يعلو صوت فوق صوت البندقية-المعركة.

فقد أخذت على الدكتور عشاري تسخيفه لكتاب "جراح الحرب" في مقالات نشرها في "سودان تايمز" في آخر الثمانينيات لجراءة الكتاب في نقد الحركة بقوة وتفهم. وعتبت على منصور خالد تذنيب لام أكول ومشار في كتابه رواية عن العقيد قرنق "نداء من أجل الديمقراطية" لخروجهم على قرنق في 1991 تذنيبا لم يبارح فيه حرفا من أدب التخوين اليساري.

بل لم ينبس القطاع ببنت شفة وسلفا كير يجعل من يوم مذبحة توريت 1955 عيدا لمحاربي الجنوب القدامي، وهي مذبحة ضحاياها مدنيون شماليون (255 بينهم 16 امرأة و20 طفلا) حتى آخر امرأة وطفل.

ثم صمتوا عن محنة التجار الشماليين في الجنوب الصعبة مع حكومته الجديدة حتى صارت مادة إثارة في جريدة الانتباهة الشمالية الانفصالية. ولم يهب القطاع لحماية شعب الأمبرور الفلاني البداة الذين دخلوا الجنوب من غرب أفريقيا طلباً للكلأ فتعرضوا لإجراءات حكومية جنوبية متعسفة. ولا سألوا عن القائد تلفون كوكو الزعيم بين شعب النوبة وفي الحركة الشعبية المعتقل لأكثر من عام بالجنوب وتناصرت جماعات كثيرة في المجتمع المدني تطالب بإطلاق سراحه أو محاكمته.

ولم يزد القطاع عن قوله إن هاتفا عسكريا بين أيد عسكرية وإجراءات لم تكتمل. بل استغربت لتفنن هؤلاء الشماليين في صناعة الزعيم صناعة كرهوها في بيئتهم القديمة.

"
أوسع أبواب تفريط شماليي الحركة في خبرتهم هي الكف عن نقد الحركة الشعبية باعتبار متفق عليه في مثل هذه الأحوال، وهو أنه لا يعلو صوت فوق صوت المعركة
"
فقرأت مؤخرا لياسر عرمان يقول إنهم اقترحوا على سلفا كير عقد اجتماع المكتب السياسي الأخير للحركة الشعبية في السودان الواحد بقرية قرنق. وزاد بأن سلفا بكى لأنه لم يتخيل أن اجتماعهم الأخير قد دنا وسيتفرق الشمل. وزاد ياسر "كان أمرا مؤثرا، فسلفا كير بطبيعته حينما يبكي يبكي بصدق".

وصفت قطاع الشمال مرة بأنهم "خلعاء" عن الشمال، فقال الواثق "بل حلفاء" للحركة الشعبية. وعلى قطاع الشمال، في متاهة العقدين من رحلته السدى مع الحركة الشعبية، ليحول السلبيات، كما طلب الواثق، إلى رصيد أن يتمعن بدقة ومسوؤلية كيف انتهي إلى "مجرد زينة وديكور" في حلف استثمر فيه عمرا وخيرة وشوقا. لقد رحلوا عنا، أو خلعوا أنفسهم عنا نحن معشر الشماليين، لسوءتنا "العربسلامية"، كما يصفون الشماليين قاطبة، حيال الجنوب. وطمعوا في تحريرنا من أدوائنا بحرب التحرير بـ"القوة". ولكنها كانت كما لا يخفى رحلة ضريرة وقفزة شهمة ولكنها في الظلام. أرادوا بمغاضبتهم لنا أن يكونوا مثل ذي النون أسقمه قومه. فركب البحر، فالتقمه الحوت، أي مصهر التجربة، فصبر واستبسل وافتدى فأنجاه الله. ولكن حوت قطاع الشمال كان غير حوت يونس.

كان كحوت سندباد، ظنه أهل السفينة جزيرة فنزلوها واستوقدوا النار يريدون الدفء والطعام. فلما نفدت النار من طبقة الغبار التي بنت على جسد الحوت تملل وتحرك تحركا رج الركاب فأسرعوا، نجا من نجا وهلك من هلك.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة