أوروبا وشلل الهجرة   
الاثنين 1436/11/16 هـ - الموافق 31/8/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:08 (مكة المكرمة)، 14:08 (غرينتش)
يوشكا فيشر


لقرون عديدة، كانت أوروبا قارة مبتلاة بالحروب، والمجاعات، والفقر. وكان الحرمان الاقتصادي والاجتماعي يدفع الملايين من الأوروبيين إلى الهجرة. وقد أبحروا عبر المحيط الأطلسي إلى أميركا الشمالية والجنوبية، وإلى أماكن نائية مثل أستراليا، للهروب من البؤس والسعي إلى حياة أفضل لأنفسهم وأطفالهم.

وكانوا جميعهم -بلغة المناقشة الدائرة حاليا حول الهجرة واللاجئين- "مهاجرين لأسباب اقتصادية". وخلال سنوات القرن العشرين، أصبح الاضطهاد العنصري، والقمع السياسي، وويلات حربين عالميتين، من الأسباب الغالبة للهروب.

واليوم، أصبح الاتحاد الأوروبي بين أكثر مناطق العالم الاقتصادية ثراء. ولعقود من الزمن، كان المنتمون إلى الغالبية العظمى من الأوروبيين يعيشون في دول ديمقراطية مسالمة تحترم حقوقهم الأساسية. وتحول بؤس أوروبا وهجرتها إلى ذكرى بعيدة (إن لم يكن النسيان قد طوى هذه الذكرى تماما).

هناك ثلاثة أسباب واضحة للهجرة الحالية إلى أوروبا: استمرار الضائقة الاقتصادية في غرب البلقان، والاضطرابات في الشرق الأوسط الكبير، والحروب الأهلية والصراعات في أفريقيا. واشتداد أو توسع الحرب في شرقي أوكرانيا من شأنه أن يضيف سريعا سببا رابعا للفرار إلى أوروبا

بيد أن العديد من الأوروبيين يشعرون بأنهم باتوا مهددين مرة أخرى، ليس من قِبَل روسيا التي تمارس ضغوطا عدوانية على جاراتها، بل بفِعل اللاجئين والمهاجرين، أفقر الفقراء.

وفي حين غرق المئات من لاجئي القوارب في البحر الأبيض المتوسط هذا الصيف، تتعالى أصوات في مختلف أركان أوروبا تقريبا، وبعد ستة وعشرين عاما من سقوط الستار الحديدي، بالعزل والترحيل الجماعي وبناء جدران وأسوار جديدة. وفي مختلف أنحاء أوروبا تتفشى مشاعر كراهية الأجانب والعنصرية الصريحة، والنزعات القومية، حتى أن أحزاب اليمين المتطرف بدأت تكسب الأرض.

وما هذه إلا بداية الأزمة، لأن الظروف التي تحرض الناس على الفرار من أوطانهم سوف تزداد سوءا. ويبدو أن الاتحاد الأوروبي، الذي تتمتع أكثر بلدانه بأكبر وأفضل نظم الرفاهة الاجتماعية تجهيزا، أربكته هذه الأزمة سياسيا، وأخلاقيا وإداريا.

ويساعد هذا الشلل في خلق تهديد كبير للاتحاد الأوروبي. فلا أحد يعتقد جادا أن الدول الأعضاء -وخاصة إيطاليا واليونان، البلدين الأكثر تضررا- قادرة على التغلب بمفردها على التحديات البعيدة الأمد التي تفرضها الهجرة على نطاق واسع. ولكن العديد من الدول الأعضاء ترفض تنظيم أي جهد أوروبي مشترك، وهو الموقف الذي يهدد بالتعجيل بتآكل التضامن داخل الاتحاد الأوروبي وتعزيز الاتجاه الحالي نحو التفكك.

هناك ثلاثة أسباب واضحة للهجرة الحالية إلى أوروبا: استمرار الضائقة الاقتصادية في غرب البلقان، والاضطرابات في الشرق الأوسط الكبير، والحروب الأهلية والصراعات في أفريقيا. واشتداد أو توسع الحرب في شرقي أوكرانيا من شأنه أن يضيف سريعا سببا رابعا للفرار إلى أوروبا.

بعبارة أخرى، كل الهجرة التي تواجهها أوروبا حاليا تمتد جذورها إلى أزمات خطيرة في المناطق المجاورة لها. ورغم هذا فإن الاتحاد الأوروبي لا يستطيع أن يفعل الكثير لمعالجة أي من هذه الأزمات. ومن الواضح أن الاتحاد الأوروبي لا بد أن يعمل بشكل كبير على تعزيز سياسته الخارجية الأمنية المشتركة، بما في ذلك سياسة الجوار الأوروبي، من أجل معالجة أسباب الهجرة في المنبع بشكل أكثر فعالية.

ولعل الفشل الأشد وضوحا من رفض البلدان الأعضاء مساندة مثل هذه الإصلاحات يتمثل في فشلها في التحرك، لأسباب ليس أقلها أنها خلقت فراغ الشرعية الذي يملأه الآن الشعبويون الكارهون للأجانب.

الواقع أن أوروبا، نظرا لضعف سياستها الخارجية، لا تستطيع أن تخلف أكثر من تأثير بسيط على الحروب والصراعات التي تعصف بأفريقيا والشرق الأوسط (ولو أن نفوذها -مهما كان صغيرا- لا بد أن يستخدم ويطور).

غير أن غرب البلقان تشكل قصة مختلفة. فقد أصبحت كرواتيا بالفعل عضوا في الاتحاد الأوروبي، وبدأت صربيا والجبل الأسود مفاوضات العضوية، وأصبحت ألبانيا ومقدونيا مرشحتين للانضمام، وباتت البوسنة والهرسك وكوسوفو من الدول المرشحة المحتملة. وهنا، يتمتع الاتحاد الأوروبي بقدر كبير من النفوذ.

وتظل الأسباب وراء عدم مشاركة الاتحاد الأوروبي بشكل أكثر نشاطا في غرب البلقان -وهي المنطقة حيث يمكنه أن يحدث كل الفارق من خلال دعم التحديث الاقتصادي والإداري ومشاريع البنية الأساسية لربط المنطقة بالمراكز الصناعية في الاتحاد- سرا تتكتم عليه المفوضية الأوروبية والبلدان الأعضاء.

إن أزمة اللاجئين هذا الصيف تسلط الضوء على مشكلة بنيوية أخرى -وأكبر كثيرا- في أوروبا: المشكلة الديموغرافية. ففي ظل الشيخوخة السكانية والانكماش السكاني، تحتاج القارة بشدة إلى الهجرة. ورغم هذا فإن كثيرين في أوروبا يعارضون الهجرة بقوة، لأنها تعني أيضا التغيير الاجتماعي

غير أن النتيجة العبثية هي أن المواطنين من البلدان المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي يخضعون لإجراءات اللجوء، وذلك بسبب عدم وجود إمكانية لهجرتهم القانونية إلى الاتحاد الأوروبي.

ويشكل الغجر حالة خاصة، فالغجر يمثلون أقلية كبيرة في غرب البلقان وكثيرا ما يواجه أفرادها تمييزا بالغ القسوة، وهي مشكلة تشمل أوروبا بالكامل. فقد عانى الغجر بشكل غير متناسب على الإطلاق بعد انهيار الشيوعية في عام 1989، حيث اضطروا إلى حد كبير إلى العمل في وظائف صناعية لا تتطلب مهارات وهي أول الوظائف التي يتم الاستغناء عنها.

والواقع أن العديد منهم -من المواطنين الحاليين أو المحتملين في الاتحاد الأوروبي- ارتدوا إلى الفقر المدقع. ويشكل استمرار التمييز ضدهم فضيحة تشمل أوروبا بالكامل، ولا بد أن يسارع الاتحاد الأوروبي، وبلدانه الأعضاء والبلدان المرشحة لعضويته، إلى التصدي لهذه القضية.

إن أزمة اللاجئين هذا الصيف تسلط الضوء على مشكلة بنيوية أخرى -وأكبر كثيرا- في أوروبا: المشكلة الديموغرافية. فـفي ظل الشيخوخة السكانية والانكماش السكاني، تحتاج القارة بشدة إلى الهجرة. ورغم هذا فـإن كثيرين في أوروبا يعارضون الهجرة بقوة، لأنها تعني أيضا التغيير الاجتماعي.

في الأمد البعيد، سوف يكون لزاما على صناع السياسات أن يشرحوا لأبناء شعوبهم لماذا لا يمكنهم الحصول على الازدهار الاقتصادي، ومستوى مرتفع من الضمان الاجتماعي، ولماذا في مجتمعاتهم يفرض أصحاب المعاشات عبئا متزايدا على النشطين اقتصاديا؟

من المؤكد أن قوة العمل في أوروبا لا بد أن تنمو، وهذا ليس سوى أحد الأسباب التي ينبغي أن تحمل الأوروبيين على التوقف عن التعامل مع المهاجرين باعتبارهم تهديدا والبدء في النظر إليهم بوصفهم فرصة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة