في العلاقة بين الديني والديمقراطي   
الأحد 14/11/1425 هـ - الموافق 26/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 14:37 (مكة المكرمة)، 11:37 (غرينتش)
 
 
الديمقراطية الجوهرية
ثمة اتجاه غالب على دوائر البحث الأكاديمي ورجال السياسة والإعلام في الغرب يميل إلى صبغ الديمقراطية بقيم ثقافية ومعيارية صارمة المعالم والحدود قوامها رافعتا  العلمانية والليبرالية، وهذا ما يعبر عنه غالبا في أدبيات السياسيين والمثقفين بمقولة الثقافة السياسية الديمقراطية، التي يقصدون بها غالبا القيم السياسية الليبرالية ذات المنابت المسيحية المعلمنة على نحو ما صاغه مفكرو الأنوار.
 
وهكذا تكف الديمقراطية عن أن تكون مجرد أداة للحكم وإدارة للشأن العام، لتصبح منظومة أيدولوجية كبرى لا تختلف كثيرا عن الأيدولوجيات الشمولية التي غمرت العصر الحديث مثل الاشتراكية والشيوعية وربما الفاشية والنازية، ولتصبح قوة مقارعة للأديان والعقائد.
 
ما يدعم هذه الوجهة في النظر والتحليل هي المؤثرات الهائلة التي خلفتها الثورة الفرنسية التي راهنت على إحلال ما أسمته قيم الجمهورية أو ما يعرف بالدين الطبيعي محل ثقافة الكنيسة الكاثوليكية لملء الفراغ المؤسسي الذي خلفته الكنيسة بعد امتصاص الكثير من عناصرها وطقوسها.
 
"
الديمقراطية أضحت تستخدم بصورة احتكارية واستبعادية بما يشبه الطوائف والنحل التي تحرص على إقامة العوازل وتحصين الحدود
"
هذه القراءة تلقى رواجا سواء في أوساط الأكاديميين أو الإعلاميين والسياسيين الغربيين بحكم انسجامها مع الإرث الاستشراقي الثقيل  الذي يقوم في صورته العامة على حفر الخنادق بين الثقافات والحضارات من جهة، ثم على  تأكيد التميز الجوهري للثقافة الغربية قياسا على بقية الثقافات العالمية سواء أكان ذلك بسبب جذورها الفكرية الصلبة التي تعود إلى "المعجزة اليونانية" على ما يقولون، أم بسبب جذورها الروحية والأخلاقية الممتدة في الإرث اليهودي المسيحي، أم بسبب الجمع التوليفي بين هذين العاملين على نحو ما يذكر عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر في معرض  تساؤله عن دواعي نشأة النظام الرأسمالي الحديث في الفضاء الأوروبي  -وتحديدا في الشق البروتستانتي منه- دون غيره من حضارات العالم الأخرى.
 
ورغم أن هذا الخطاب الاستشراقي اضطر للتراجع تحت مطارق النقد التاريخي ثم توجهات المدرسة التأويلية الرافضة للعبة المفاصلة والمفاضلة بين الثقافات، إلى جانب أدبيات ما بعد الاستعمار التي عملت على فضح آليات السيطرة والقوة المتوارية خلف النصوص الاستشراقية على نحو ما برز في كتابات إدوارد سعيد وبعض رموز اليسار الأوروبي والأميركي..
 
رغم ذلك فإن الخطاب الاستشراقي بدأ يسترد أنفاسه ويستعيد مواقعه المفقودة هذه المرة في جو من الاحتفالية بانتصار القيم الليبرالية –خصوصا في نسختها الأميركية- على حساب النموذج الشيوعي الغارب.
 
فقد غدا أمرا مألوفا بعد سقوط المعسكر الشيوعي ثم أجداث 11 سبتمبر/ أيلول، دمغ الثقافة العربية الإسلامية والمسلمين  بالجمود والتعصب ثم بالممانعة عن ابتلاع قيم الحداثة السياسية.
 
كتب الباحث الأميركي فرنيس فوكوياما عشية أحداث 11  سبتمبر/ أيلول على صفحات جريدة ذي غارديان البريطانية متسائلا: لماذا كل هذا الدفق الإرهابي المنبعث من المجتمعات الإسلامية دون غيرها من مواقع أخرى من العالم؟ ولماذا بقيت هذه المنطقة من العالم قلعة عصية عن تمدد القيم الليبرالية العلمانية؟
 
والجواب عند فوكوياما واضح وضوح السؤال رغم معرفته المحدودة بتاريخ المنطقة وأوضاع المجتمعات الإسلامية ومشكلاتها الراهنة التي لا أظنها تتجاوز حدود بعض المقالات الصحفية السيارة التي يتلقفها مع وجباته السريعة في أحد المطاعم الأميركية.
 
الجواب إذا عنده هو أن هناك مشكلات مزمنة في دين المسلمين وعقائدهم تعد المسؤول الأكبر عن  تفريخ الإرهاب والإرهابيين، وإذا كان العلاج ممكنا فلابد أن يبدأ بإصلاح ثقافة المسلمين ومراجعة عقائدهم الصلبة التي تحث على القتل والتقرب إلى الله بزهق أرواح الأبرياء.
 
"
العالم يسير بصورة متصاعدة نحو التخلص من مرتكزاته الدينية المتعالية لصالح نظرة مادية دهرية عمادها عقلانية الرؤية
"
لكن فوكوياما في معرض رده على منتقديه وجد في مقولة هنتنغتون حول صراع الحضارات وما أسماه "بالحدود الدموية للإسلام" جوابا كافيا وشافيا لتفسير حادثة 11 سبتمبر/ أيلول بديلا عن مقولة نهاية التاريخ، إذ هو يبشر قراءه بأن النموذج الليبرالي المعلمن مازال بخير وعافية ولابد له أن يغمر العالم في نهاية المطاف ويقهر ما بقي من "مواقع الصد والممانعة في العالم الإسلامي".
 
وهذا يذكر بحتميات النظريات الرؤيوية المسيحية المنذرة بنهاية العالم بعد عودة المسيح وانتصاب الصليب. فبعد سقوط المعسكر الشيوعي وزعزعة الأيدولوجيات الشمولية استنفذ التاريخ كل مختزناته ولم تبق سوى بعض الأصوات الاحتجاجية ذات الأصول الإثنية أو التوجهات الأصولية التي لا تقوى على مغالبة مصيدة التاريخ الأميركية.
 
أما المستشرق العجوز برنارد لويس فقد وجد ضالته في أحداث 11 سبتمبر/ أيلول ليجدد القول إن الديمقراطية ستظل نبتة غريبة وذابلة في أرض المسلمين بسبب ثقافتهم السياسية التي تحل فيها قيم الطاعة محل الحرية والمؤمن بدل المواطن والأمة محل الفردية الذاتية، والتشديد على أن مبعث الداء العضال الذي يعانيه المسلمون إنما يعود إلى ممانعتهم عن قبول قيم الحداثة والعصر وتشبثهم بنظرة استعلائية وانغلاقية على أنفسهم وعن العالم من حولهم.
 
أما على الصعيد العربي فقد نحتت بعض النخب الفكرية والسياسية منحى التشديد على ما تسميه بالثقافة السياسية الديمقراطية تلقفا لما جرى ويجري على ألسنة وأقلام النخب الغربية، وذلك لغايتين اثنتين:
 
أولاهما احتكار جملة من القيم السياسية والفكرية بحسبانها أس البنيان الديمقراطي مع حجبها عن الآخرين.
 
وثانيتهما تأسيس مشروعية استبعاد قوى سياسية واجتماعية معينة بعد تصنيفها خارج دائرة "القوى الديمقراطية" ووصمها بخصال قدحية ومنفرة.
 
وفي هذا الإطار يمكننا أن نفهم خيار تصنيف الساحة السياسية والثقافية إلى ما يشبه الخنادق الحربية المتقابلة بين ما يسمى بالأصوليين والديمقراطيين، أو بين الإسلاميين وما يصنف تجاوزا بقوى المجتمع المدني، فكلمة الديمقراطيين أضحت تستخدم بصورة احتكارية واستبعادية بما يشبه الطوائف والنحل التي تحرص على إقامة العوازل وتحصين الحدود.
 
"
العلماني يقدَّم باعتباره رديفا للتسامح والانفتاح وعقلنة الفضاء العام، كما يقدم الدين صنوا للانغلاق والضيق بالمغاير في الملة والعقيدة
"
الديمقراطية والعلمانية
ساهمت نظريات العلمنة التي بدأت تفرض نفسها بصورة متزايدة منذ القرن التاسع عشر سواء في الأوساط الأكاديمية أو في الخطاب السياسي وحتى الشعبي الغربي، في ترويج مقولة الديمقراطية العلمانية. وهذه النظرية يمكن تلخيصها بشيء من التبسيط في العناصر الثلاثة التالية:
 
1- العالم يسير بصورة متصاعدة نحو التخلص من مرتكزاته الدينية المتعالية لصالح نظرة مادية دهرية عمادها عقلانية الرؤية، وحداثة السوق الرأسمالية، وبيرقراطية الدولة. وقد كان لأيدولوجيا التقدم التي بدأت تفرض نفسها منذ القرن التاسع عشر دور مهم  في ترسيخ هذه الرؤية ومد العلمانيين بإسناد نظري قوي لتأكيد الطابع الخطي والمتلاحق لحركة العلمنة.
 
فالعلمانية على ما يقول أصحاب هذه النظرية هي علامة من علامات النضج الذي أدركه الإنسان الحديث خلافا للأسلاف المسكونين بهواجس الرهبة والوجل من القوى السحرية والغيبية، وهي تبعا لذلك قرينة العصر الحديث.
 
2- الانتصار الحتمي والقاهر للدنيوي على حساب الديني وقيم هذا العالم على حساب العالم الآخر، ولذلك لا تتردد أدبيات العلمانيين في التذكير بالأدوار المتقدمة التي لعبتها المسلكيات الدينية في نشأة الحداثة الاقتصادية والسياسية، إلا أن هذا العالم على ما يقولون لابد أن يفرض منطقه الإكراهي والصارم ويهزم القيم والمنظورات وكذا المسلكيات الدينية.
 
ويبقى المجال الوحيد الذي يمكن أن يشتغل فيه الدين هو مجال الخيال الروحي والقوى المحطمة من المجتمع الهاربة من قسوة الآلة الرأسمالية الصارمة على ما يقول ماكس فيبر أحد أهم منظري الحداثة في القرن الماضي، بل إن هذا المجال ذاته لم يعد حكرا على الدين بعد أن بدأت تنازعه فيه قطاعات الفنون والمتع والجسدية على ما يقول عالم الاجتماع الألماني.
 
3- أما في الجانب السياسي وهذا ما يعنينا بدرجة أولى هنا، فإن العلماني يقدم باعتباره رديفا للتسامح والانفتاح وعقلنة الفضاء العام، كما يقدم الدين صنوا للانغلاق والضيق بالمغاير في الملة والعقيدة، ولذلك لم يتردد الباحث البريطاني فراد هليداي مثلا في القول: لا ديمقراطية دون علمانية.
 
أما الفيلسوف والحقوقي الأميركي جون رولز فقد جعل من العلمانية رافعة ضرورية من روافع النظام الديمقراطي القائم على ما أسماه "بالوفاقات المعقدة"، في حين شدد زميله ريتشارد رورتي -أحد أهم أرباب ما يعرف بالمدرسة البراغماتية الجديدة في الولايات المتحدة- على العلمانية لتأسيس الفضاء العام بديلا عن الدين، واصفا إياه بأنه قوة "كابحة للحوار" Conversation Stopper.

"
مما يثبت هشاشة الربط بين العلماني والديمقراطي ما نراه واقعا من اشتغال الديمقراطية ضمن بيئات ثقافية وحضارية متباينة وفي إطار مرجعيات متنوعة
"
زوايا مغيبة
ودون الخوض في تفاصيل نظريات العلمنة وهناتها البينة وخاصة ما يتعلق بادعاءاتها الشمولية والوثوقية التي لا تصدقها العودة المتزايدة لمظاهر الدين بما في ذلك في بعض المجتمعات الغربية الصناعية، يكفي أن نتأمل مجريات الفكرة الديمقراطية وتطبيقاتها المتعرجة في مختلف مناحي الساحة العالمية.
 
فمما يثبت هشاشة الربط بين العلماني والديمقراطي ما نراه واقعا من اشتغال الديمقراطية ضمن بيئات ثقافية وحضارية متباينة، وفي إطار مرجعيات متنوعة بما في ذلك ضمن الفضاء الأوروبي الأطلسي الذي يعد الموطن الأصلي لولادة المشروع الديمقراطي بعد أن تبنت الطرح الديمقراطي الأحزاب الدينية المسيحية، تماما مثل الأحزاب الدهرية على السواء، كما أن هناك شعوبا أخرى ذات مرجعيات ثقافية ودينية مغايرة تبنت الفكرة الديمقراطية وعملت على استنباتها ومواءمتها مع مواريثها التاريخية وخبراتها التاريخية المحلية، كما هو شأن اليابان وتايلند وسريلانكا ذات الخلفيات البوذية، وكما هو شأن الهند التي تعد واحدة من أكبر الديمقراطيات بخلفيتها الهندوسية-الإسلامية المركبة.
 
أما في العالم الإسلامي فقد أخذت بالفكرة الديمقراطية بعض الأحزاب الإسلامية مثل حزب العدالة والتنمية في تركيا ونظيره في المغرب، وحزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن وحركة النهضة في تونس، وحزب الإصلاح في اليمن والإخوان المسلمون في مصر وحركة مجتمع السلم وحزب الإصلاح والنهضة في الجزائر وغيرها.
 
كما تبنتها سابقا الأحزاب الوطنية الاستقلالية ذات التوجهات الإسلامية وجعلت منها عاملا دافعا لمقاومة قوى الاستعمار، مثل حزب الاستقلال في المغرب، والوفد في مصر والحزب الدستوري بقيادة الثعالبي في تونس سابقا، كما تبنتها اليوم الكثير من الأحزاب ذات الجذور القومية والشيوعية.
 
وليس هنالك ما يثبت أن أحزاب "النادي الديمقراطي" أو تلك التي تنعت نفسها بالقوى الديمقراطية بأنها أكثر ديمقراطية من غيرها لمجرد كونها سمت نفسها ديمقراطية.
 
وما يؤكد تهافت الاقتران الاعتباطي بين العلمانية والديمقراطية في العالم العربي الفسيح أنه لا توجد عندنا تجربة علمانية واحدة يمكن الاطمئنان إليها ووصفها بالمدنية الديمقراطية. بل إن واقع الحال يشهد أن الحكومات الأكثر لائكية وعلمنة هي الأكثر استبدادا وتسلطا ومفاصلة عن المجتمع، وفي مقدمة ذلك تونس والجزائر وسوريا والعراق واليمن الجنوبي سابقا، وإلى حد ما مصر.
 
أما الدول المنعوتة بالدينية والمحافظة مثل المغرب واليمن والأردن والبحرين والكويت فهي وإن لم ترتق إلى مصاف الديمقراطية فإن الثابت في كل ذلك أنها أقل استبدادا وتعديا على حريات الناس وحقوقهم من أخواتها الموصوفة بالحداثة والعلمانية.
 
العلمانية -كما هو شأن الدين أو الأديان- تخضع لملابسات التجربة التاريخية الحية وحاجيات الشعوب ومختزناتها الفكرية والرمزية، إذ يمكن للدين أن يلتقي مع الاستبداد في ظروف وأوضاع معينة، ويمكنه أن يكون قوة مقارعة له في أوضاع مغايرة. كما يمكن للعلمانية أن تتلبس بالاستبداد والإكراه في مواطن وظروف محددة، وخلافا لذلك تصبح  قرينة الانفتاح والسماحة والاعتدال في أوضاع ومجتمعات أخرى. بل إن الدين الواحد والعلمانية الواحدة يمكنها أن تخضع لحركة تجاذب واستقطاب بين قوى سياسية واجتماعية مختلفة، وأن تخضع لفاعليات تأويلية متباينة.
_________
كاتب تونسي
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة