تشابه التأسيس الطائفي في لبنان والعراق   
الأربعاء 23/5/1434 هـ - الموافق 3/4/2013 م (آخر تحديث) الساعة 8:26 (مكة المكرمة)، 5:26 (غرينتش)

 
بحثت في عدة مكتبات ببيروت عن جذور ومراحل التنازع الطائفي بلبنان، المفاجأة أن هناك ندرة غير متوقعة للمصادر العلمية التي توثق وتبحث في هذه القضية الخطيرة، أما غالبية الكتب فهي عبارة عن مذكرات سياسيين، يتحدثون فيها -كل من وجهة نظره- عن أحداث لبنان خلال الخمسين سنة الماضية.

والبعض يذهب بمذكراته إلى إعلان الدولة اللبنانية من قبل الجنرال الفرنسي غورو عام 1920م، مرورا بالاستقلال عام 1943م ، والغالبية العظمى من المذكرات والخواطر والدراسات تتحدث عن الحرب الأهلية (1975- 1989م) دون الخوض في الجذور الأولى للتأسيس الطائفي الذي يمتد إلى عام 1840م.

أما الكتاب الوحيد الذي عثرت عليه ويبحث في جذور محنة لبنان، فكان بعنوان "لبنان والطائف" للدكتور عارف العابد، صدر عام 2001 م، كما أنني لم أعثر على كتاب واحد في العراق يبحث في خطورة التأسيس للحكم الطائفي في هذا البلد، وكل ما تتداوله بعض وسائل الإعلام العراقية عبارة عن انتقادات لـ"المحاصصة الطائفية" يطلقها المشاركون في هذه المحاصصة، وفي الوقت نفسه يحرصون جميعا على تكريس هذا النهج، من خلال إصرار الجميع على المشاركة في العملية السياسية المحاصصاتية.

والسؤال المطروح، هل هناك حرص من قبل السياسيين في لبنان على بقاء المكتبة اللبنانية خاوية في موضوعة التأسيس الطائفي ومراحله، حتى يتنعم السياسيون بالسلطة ويحترق اللبنانيون بنيران النزاعات والخلافات، وهل يجري العمل بذات الأسلوب في العراق؟

في هذه المقاربة، نحاول الكشف عن تشابه التأسيس للحكم الطائفي في كل من لبنان والعراق، وتداعيات ذلك، وهل يغرق العراق في أمواج  المحاصصة كما تغرق لبنان اليوم؟

أفضى الصدام والعنف والقتال في لبنان عام 1860م إلى نظام "المتصرفية"، ليؤسس لنظام حكم تقسيمي ما زال مستمرا حتى الآن، يلقي بظلال شديدة القتامة على لبنان

محطات متشابهة
إذا كان التأسيس الأول للطائفية في لبنان، قد بدأ بـ"نظام القائمقاميتين" على خلفية (الفتنة الأولى) عام 1840م، فإن البذرة الأولى للتأسيس الطائفي في العراق تمثلت بمجلس الحكم الانتقالي، الذي تم تأسيسه من قبل قوات الاحتلال الأميركية في الثاني عشر من يوليو/تموز عام 2003 بإشراف مباشر من قبل الحاكم الأميركي للعراق السفير بول بريمر. وبينما استغرق اندلاع العنف الطائفي بلبنان عشرين عاما بعد نظام القائمقاميتين، ليندلع من جديد عام 1860م، فإن شرارة العنف الطائفي في العراق قد اشتعلت مطلع عام 2006م أي بعد أقل من عامين من عمر الاحتلال الأميركي.

وأفضى الصدام والعنف والقتال في لبنان عام 1860م إلى نظام "المتصرفية"، ليؤسس لنظام حكم تقسيمي ما زال مستمرا حتى الآن، يلقي بظلال شديدة القتامة على لبنان، أما العراق فقد دخل في نفق التقسيم الطائفي بطريقة مدروسة مؤسس لها، عندما تم اعتماد الدستور الجديد في (15/10/2005) الذي تناسل في غالبية مواده -خاصة المتعلقة بتقاسم الحكم بين "الأكراد والشيعة والسنة"- مع قانون إدارة الدولة، الذي تم إقراره في 8 مارس/آذار 2004، وسرعان ما انتقل الأمر من دستور على ورق (دستور 2005) إلى تثبيت مرتكزاته على أرض الواقع في انتخابات (15/12/2005) التي جرت بعد شهرين من الاستفتاء على الدستور، وجرت الانتخابات في ظل وجود قوات احتلال أجنبية، يقدر عددها بأكثر من أربعمائة ألف جندي وضابط ورجل أمن ومخابرات.

سقطت لبنان في هوة الحرب الطائفية عام 1975م، ولم تتوقف سيول الدماء إلا عام 1989 حسب اتفاق الطائف الشهير، وظل هذا البلد يتربع على بحر من القلق والاضطراب. ويتفق الخبراء والسياسيون أن لبنان لم يعد مؤثرا في الأوضاع الإقليمية والدولية منذ أن سار فيه قطار التقاسم الطائفي، مما أفضى إلى التناحر والتصادم في أحيان كثيرة.

وقع لبنان تحت مطرقة تبعية الحاكم فيه لقوى خارجية منذ القرن التاسع عشر، عندما كان المشروع الغربي الأوروبي يحاول إحداث فراغات في المنطقة، تمهد له الدخول فيها بغرض إضعاف السلطنة العثمانية، ومنذ ذلك الوقت برزت قوتان كبيرتان تهيمنان على الساحة اللبنانية، الأولى بريطانيا التي وقفت إلى جانب الدروز، والثانية فرنسا التي وقفت إلى جانب الموارنة. وتؤكد الوثائق أن فرنسا قد عملت كل ما في وسعها لتسليح الموارنة وتحريضهم، وفعل الإنجليز ذات الأمر مع الدروز، وبذلك نقلوا الصراع الدائر حينذاك بين الإمبراطوريات الكبرى(العثمانية والفرنسية والبريطانية) إلى الأرض اللبنانية وشعبها.

مشكلة الشعوب أنها غالبا ما تبتلع الطعم، وتحصر تفكيرها في حدود النزاع والثأرية الآنية، وتوظف كل طاقاتها وإمكاناتها في الصراع الداخلي، دون أن تمحص أهداف ومرامي الدول أو الجهات التي تقدم الدعم لطرف ضد طرف آخر، وهذا ما حصل في لبنان منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى الآن.

التقسيم الجغرافي
في العراق قد لا يختلف الحال كثيرا عن لبنان، إلا أنه لا يمتد إلى سنوات طويلة كما هو الحال في لبنان، فقد جرى التأسيس لتقسيم العراق منذ مؤتمر لندن، الذي عقده أقطاب "المعارضة العراقية" في 14 ديسمبر/كانون أول عام 2002، أي قبيل الغزو الأميركي بثلاثة أشهر، وكان برعاية أميركية كاملة، وأشرف عليه ورعاه السفير زلماي خليل زاد، الذي عمل لاحقا سفير أميركا في العراق (2005-2007)، وأخطر ما تم الاتفاق عليه في ذلك المؤتمر نظام الحكم الفدرالي بعد الغزو، الذي يقسم العراق إلى حكم كردي في شمالي العراق وسني في غربه ووسطه وشيعي في الجنوب، مخالفا بذلك ما هو متعارف عليه في الفدراليات في العالم، التي يقول عنها أستاذ الدستور الدولي الدكتور منذر الشاوي، إن الفدرالية تأتي بعد الكونفدرالية، ويضرب على ذلك ثلاثة أمثلة (سويسرا وألمانيا والولايات المتحدة) ولا يمكن أن تحصل فدرالية قبل مرورها بالكونفدرالية (كتاب مفهوم الدولة)، ولم يحصل في تجارب الفدراليات أن يتم تقسيم بلد موحد تحت مسمى "الفدرالية"، وقد تم في وقت مبكر اعتماد النظام الفدرالي في العراق من خلال قانون إدارة الدولة المؤقت، الذي تمت صياغته خلال فترة مجلس الحكم (تم الإعلان عنه في 16نوفمبر/تشرين ثاني 2003 وأقره مجلس الحكم بتاريخ 8 مارس/آذار 2004) وانتقلت المواد الخاصة بالفدرالية إلى دستور (15/10/2005) كاملة.

نجد تأسيسا مشابها في لبنان، حيث تم تقسيم المناطق على أساس طائفي، وجاء اقتراح التقسيم من الأمير ميترنخ رئيس وزراء النمسا، على أن يقسم لبنان إلى منطقتين إداريتين، شمالية يتولى إدارتها قائمقام ماروني وجنوبية يتولاها درزي، ودعمت كل من فرنسا وبريطانيا ذلك، وفي (1/1/1943) عُين حيدر أبي اللمع قائمقام على النصارى وأحمد أرسلان على الدروز، وكان هذا التقسيم الجغرافي الأول للبنان، واعتبر طريق بيروت-دمشق الفاصل بين شطري لبنان، شمالي قطنه النصارى وجنوبي سكنه الدروز.

لكن التكريس السياسي للتقسيم بعد جغرافية عام 1843، ترسخ بعد مذابح عام 1860م، وبداية تطبيق نظام "المتصرفية"، ففي التاسع من يونيو/حزيران عام 1861م تم الاتفاق على ما عُرف بـ(النظام الأساسي لجبل لبنان) وأصبح لاحقا( نظام المتصرفية)، وتم تقسيم لبنان إلى 6 أقضية و40 ناحية، يحكم المتصرفية مسيحي يعاونه مجلس يتألف من 12 عضوا، يمثلون بالتساوي الطوائف اللبنانية الست(دروز، روم أرثودكس، روم كاثوليك، موارنة، والسنة، والشيعة)، وانتقل الحال إلى تكريس أكثر لحكم "المحاصصة" عام 1864، وأصبح التقسيم (5 موارنه 3 دروز 2 أرثودكس 1 كاثوليك 1 سنة و1 شيعة)، وأصبح يحكم كل قضاء حاكم من المذهب الأكثر عددا، ومثل ذلك في النواحي، وزحف الأمر إلى القضاء أيضا، إذ تم تشكيل مجلس محاكمة كبير يتألف من 6 حكام، ينتخبهم المتصرف من أبناء الطوائف الست في الجبل) – المصدر لبنان والطائف – د عارف العايد
في العراق، بدأ تقاسم المناصب في مجلس الحكم الانتقالي على أساس العرق والطائفة، في سابقة لم تشهدها الدولة العراقية على الإطلاق، ولم يقتصر الأمر على أعضاء المجلس الـ(25)، بل شمل الوزارات والمستشارين والمدرين العامين، وصولا إلى مدير الناحية ومساعديه، والسفراء وأعضاء البعثات الدبلوماسية، وهو تأسيس وتكريس للـ"محاصصة الطائفية "على طريق تكريس التقسيم الجغرافي للعراق .

جميع الأحزاب الطائفية "الإسلامية" والقوى التي دخلت الحكم بعد الغزو الأميركي عام 2003تحرص على تقسيم العراق إلى فدراليات، لأن استمرارها في السلطة مقرون بتفتيت البنية المجتمعية

وهذا ما يطفو حاليا على السطح من خلال دعوات من قبل أقطاب العملية السياسية لتقسيم البلاد تحت مسمى الفدرالية والأقاليم، وتدفع الأحزاب الكردية نحو هذا الأمر، ليتحقق لها ما حرصت على تثبيته في دستور عام 2005، وقبل ذلك في قانون إدارة الدولة، كما أن جميع الأحزاب الطائفية "الإسلامية" والقوى التي دخلت الحكم بعد الغزو الأميركي عام 2003، تحرص على تقسيم العراق إلى فدراليات، لأن استمرارها في السلطة مقرون -بصورة رئيسية- بتفتيت البنية المجتمعية ونشوب الصراعات والنزاعات على أساس الهوية الطائفية، التي تلغي -بطبيعة الحال- الهوية الوطنية.

كما أن هناك مصلحة لدول إقليمية ببقاء العراق بلدا ضعيفا، فإيران تريد أن تجعل من العراق ممرا لمشروعها العقائدي الرامي إلى تشييع المنطقة، وهو أمر لا تخفيه زعامات جمهورية إيران الإسلامية منذ وصول الإمام آية الله الخميني للسلطة في فبراير/شباط عام 1979م وحتى الآن. ودون التصريح بذلك، فإن الزعامات التركية تسعى لتوسيع نشاطاتها التجارية والاستثمارية في العراق، حيث تنتشر حاليا مئات الشركات التركية في شمال العراق تحديدا وفي مناطقه الأخرى، وبدون شك فإن عراقا ممزقا وضعيفا لن يكون قادرا على بناء مؤسسات حقيقية تنهض بمشروع تنموي شامل ودقيق في البلد، مما يجعل العراق بـ"أقاليمه" بحاجة دائمة للشركات الخارجية، كما أن "ولاية " إيران تستمر بيسر وسهولة. وعلى الصعيد الخارجي، فإننا يجب أن لا ننسى حرص الولايات المتحدة على إبقاء العراق ضعيفا واهنا لتضمن أمن إسرائيل، وكان الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن قد أكد مرات عديدة في خطبه القول، إننا ذهبنا إلى العراق لتأمين "دولة إسرائيل" .

دول تتأثر دون أن تؤثر
حذر المفكر اللبناني جورج نقاش في وقت مبكر من خطورة المنحى الذي تسير فيه لبنان بسبب التقاسم الطائفي للسلطات، وما يعكسه من توتر دائم بقوله (إن سلبيتين لا تصنعان أمة) أما العراق فقد أصبح يرزح تحت سلبيات كثيرة ومتداخلة ومتشعبة، مما يهدد بصورة فعلية هوية العراق -أولا- وتماسكه ووحدته.

يفسر الدكتور عارف العابد تخلخل وتدهور الأوضاع في لبنان بالقول(عندما وقف الطرف الحاكم مع مشروع القوة الخارجية، كانت النتيجة اهتزاز صيغة التعايش في لبنان). وفي كلا البلدين -لبنان والعراق- يتلاشى تأثيرهما في المحيط الإقليمي والدولي، وأصبح البلدان متأثرين إلى أقصى حد بما يدور في المنطقة والعالم، دون أن يكون لهما أي تأثير.

وبعد أن كان يُحسب للعراق ألف حساب – كما يقولون- على الأقل منذ منتصف القرن الماضي، فقد أصبح اليوم أداة طيعة بيد العديد من الدول الكبرى والإقليمية، وتحول من دولة مؤسسات قوية ورصينة إلى أرض هشة ضعيفة واهنة، تصول وتجول فيها مخابرات أكثر دول العام، ويسعى لنهش خيرات وثروات العراق الكثيرون، ولا يتردد كل من له مشاريعه المختلفة في العراق في العمل على تثبيتها وترسيخها، مستفيدا من الخراب الذي حلّ بهذا البلد.

لم يعد العراق قادرا على التأثير في محيطه، بل أصبح متأثرا سلبا بما يجري حوله إلى أبعد حد، ذلك بعد أن أعدم الأميركيون أهم مرتكزات القوة فيه، وهو الجيش العراقي

لم يعد العراق قادرا على التأثير في محيطه، بل أصبح متأثرا سلبا بما يجري حوله إلى أبعد حد، ذلك بعد أن أعدم الأميركيون أهم مرتكزات القوة فيه، حيث تم حلّ الجيش العراقي فور تسلم بريمر السلطة في العراق، وبين ليلة وضحاها اختفى جيش العراق وكبار ضباطه وأكاديمياته العسكرية العريقة، وتم الشطب على هذا الجيش، الذي تأسس في بداية الدولة العراقية في السادس من نوفمبر/كانون الثاني عام 1921م، وبينما كان الفوج الأول الذي تشكل في ذلك الوقت يحمل اسم الإمام (موسى الكاظم)، فقد أطلق الأميركيون تسميات غريبة ذات دلالات متوحشة، فكان التشكيل الأول (لواء الذئب) و(لواء العقرب) الذي تحولت مهمته من الدفاع عن العراق والعراقيين إلى مطاردة العراقيين، الذين يُشتبه بمقاومتهم  لقوات الاحتلال الأميركية، أو دعمهم للمقاومين، وحتى الذين ينظرون شزرا لقوات الاحتلال، ولم تسجل مهمة واحدة للجيش الجديد الذي أسسه الأميركيون في الدفاع عن العراق على الإطلاق، في حين تنشر وزارة الدفاع يوميا بيانات موثقة عن اعتقال العشرات من العراقيين، وهناك آلاف الشهادات عن تعرض عشرات الآلاف من العراقيين المعتقلين لدى قوات الجيش العراقي إلى التعذيب والانتهاكات الخطيرة، كما لفظ الكثيرون أنفاسهم تحت التعذيب.

كما أن تكريس المحاصصة الطائفية لن يتم بدون تمويه واسع لعدد نفوس السكان، لكي تبقى القوالب التي رسمتها الدول والقوى الخارجية دون تغيير وغير قابلة للنقاش، وتبقى الزعامات ذاتها تتوارث السلطات، لهذا نجد أن لبنان لم يجر فيه إحصاء للسكان منذ عام 1932م، أي قبل الاستقلال بأحد عشر عاما (الاستقلال عام 1943)، كذلك الحال في العراق، إذ لم تجر السلطات الحاكمة أي إحصاء سكاني خلال العشر سنوات المنصرمة، وكان آخر إحصاء قد جرى عام 1987.

إن الخطورة على مستقبل العراق من المشتركات الكثيرة في التجربة اللبنانية المؤلمة، والخطورة على لبنان في الإبقاء على هذا المثال المأساوي في تقاسم السلطات وتقديم هوية الطائفة على حساب هوية الوطن.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة