تونس.. عام بعد أول انتخابات حرة   
الثلاثاء 1433/12/14 هـ - الموافق 30/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 19:33 (مكة المكرمة)، 16:33 (غرينتش)
عادل لطيفي

 

النقاش حول الشرعية الانتخابية
الواقع التونسي بين الثورة والنظام القديم

مرت سنة على أول انتخابات حرة ونزيهة في تاريخ تونس بعد الاستقلال، وعلى أول اختيار شعبي للسلطة في كنف الحرية والتعددية، وعلى هذا التفويض الشعبي للمجلس التأسيسي، وهي مدة كافية للقيام بقراءة نقدية للواقع الذي أفرزه ذلك الموعد التاريخي، في ظل زيادة الاحتقان السياسي والتوتر الاجتماعي. ما هي سمات الوضع الجديد؟ وما هي الآفاق بعد موعد الثالث والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول هذه السنة؟

النقاش حول الشرعية الانتخابية
يمثل موضوع استمرارية الشرعية الانتخابية من عدمه بعد الثالث والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول الحالي المادة الأولى للتجاذب السياسي في تونس هذه الأيام. وهو يتمحور حول هل يتم اعتبار مدة عمل المجلس الوطني التأسيسي سنة فقط أم هي مفتوحة لأن المجلس سيد نفسه؟ وكي نعين القارئ العربي على فهم هذا الإشكال بمختلف جوانبه، لا بد من مده ببعض المعطيات.

لقد تمت الدعوة لانتخاب المجلس الوطني التأسيسي عن طريق قرار جمهوري من طرف رئاسة الجمهورية السابقة، وورد فيه -من بين ما ورد- تحديد مدة عمل المجلس بسنة واحدة. وتعتمد أحزاب المعارضة على هذه النقطة بالذات لتقول إن الشرعية الانتخابية تنتهي في الثالث والعشرين من شهر أكتوبر/تشرين الأول الحالي. ونضيف إلى ذلك أن مختلف الأحزاب الممثلة حاليا في المجلس الوطني التأسيسي -بما فيها حركة النهضة- كانت قد اتفقت قبل موعد الانتخابات سنة 2011 على ألا تتجاوز مدة عمل المجلس سنة. نستثني من ذلك حزب الرئيس وهو المؤتمر من أجل الجمهورية الذي لم يوقع على الاتفاق.

الاتفاقات السياسية بين الأحزاب في البلدان ذات العراقة في الممارسة الديمقراطية ملزمة أخلاقيا وليس قانونيا، لأن العمل السياسي مبني قبل كل شيء على المصداقية تجاه المجتمع

على هذا الأساس نجد موقفين اليوم في تونس من هذه المسألة. موقف المعارضة الذي يرى أنه بالاعتماد على القرار الجمهوري الداعي للانتخابات تنتهي الشرعية الانتخابية. ثم تضيف إلى هذا السند القانوني ذلك الالتزام الأخلاقي الذي قطعته الأحزاب على نفسها، والذي يضع على عاتق الترويكا مسؤولية أخلاقية وسياسية لإنهاء عمل المجلس كما اتفق عليه. ومن هذا المنطلق ترى أحزاب المعارضة أنه يجب المرور من الشرعية الانتخابية إلى الشرعية التوافقية التي تفرضها طبيعة المرحلة الانتقالية.

ومن جانبها ترى أحزاب الترويكا الحاكمة -وعلى رأسها حركة النهضة- أنه من وجهة نظر قانونية، فإن القرار الجمهوري الذي دعا إلى تحديد مدة العمل بسنة يلغى قانونا بمجرد قيام المجلس التأسيسي الذي يعد سيد نفسه. أما الاتفاق الممضى بين مختلف الأطراف قبل الانتخابات فتقول حركة النهضة -بنوع من التملق الساذج- إنه اتفاق أخلاقي وليست له صبغة قانونية. لماذا أقول التملق؟ لقد نسي هؤلاء أن العمل السياسي هو أخلاقيات أولا تمليها مبادئ وأفكار الأحزاب فيما يخص إدارة الشأن العام، ثم هي ثانيا عمل في سياق أطر قانونية.

فالتقليل من قيمة الاتفاق الأخلاقي دليل ليس على قلة الخبرة السياسية بل وعلى محدودية الثقافة السياسية أصلا. فنحن نعلم أن الاتفاقات السياسية بين الأحزاب في البلدان ذات العراقة في الممارسة الديمقراطية ملزمة أخلاقيا وليس قانونيا، لأن العمل السياسي مبني قبل كل شيء على المصداقية تجاه المجتمع وتجاه الناخب. لقد بدأ وضع الشك ينتصب منذ بداية عمل المجلس لتحضير القانون المؤقت للسلطات، أو الدستور المؤقت، حين رفضت أحزاب الترويكا تحديد مدة عمل المجلس الوطني التأسيسي، مما زاد في خشية خصومها السياسيين.

إن ما زاد في تأكيد شك المعارضة وجزء كبير من الرأي العام التونسي في انعدام آفاق المرحلة الانتقالية الشرعية هو ضعف الأداء الحكومي، وخاصة في بعض الوزارات. نذكر من بين ذلك وزارة التعليم العالي التي برز وزيرها بشبه غياب تام عن الساحة، بالرغم من المشاكل المتراكمة مع بداية السنة الجامعية. لقد ترك المشاكل الحقيقية للطلبة -مثل مشاكل السكن ومشكل الأمن في الكليات ومشكل المنحة- ليركز على مسألة النقاب التي لا تهم سوى حالات معدودة تعد على الأصابع.

قد نضيف إلى هذا الأداء الحكومي مسألة أخرى متعلقة بثقافة الحكم وبثقافة الديمقراطية في حد ذاتها. فتصريحات بعض الوزراء والمسؤولين من حركة النهضة لم تحترم المنطق الديمقراطي وساهمت في بث الشك لدى الساحة السياسية. من ذلك ما صرح به وزير الخارجية رفيق عبد السلام عندما قال إن النهضة ستظل في الحكم سنوات. ومثل هذا التصريح لا ينطبق على مرحلة انتقالية، كما أنه يعكس عدم ترسخ فكرة التداول على السلطة كأساس للديمقراطية. ومن بين التصريحات التي ذهبت في هذا الاتجاه القول أحيانا إنه ليس هناك بديل عن الترويكا. وهي مقولات تذكر التونسيين بما كان يقوله النظام السابق.

هذه إذن العناوين البارزة للتجاذب السياسي اليوم. لكن وراء هذا النقاش القانوني أو السياسي حول استمرارية الشرعية الانتخابية من عدمها يعكس -على مستوى المجتمع والبلاد ككل- واقعا ساهم بشكل كبير في إذكاء الصراع. 

الواقع التونسي بين الثورة والنظام القديم
لهذا الاحتقان السياسي وخوف المعارضة عدة أسباب مرتبطة أساسا بحالة الركود التي تشهدها البلاد على مستويات عدة. يتعلق الأمر الأول ببطء البناء الديمقراطي. وفي هذا السياق نقول إن الأغلبية في المجلس التأسيسي والحكومة المنبثقة عنها لم تحقق إنجازا ذا وزن.

منذ تشكيل الحكومة الحالية وبعد مرور الأشهر الأولى، بدا نسق التغيير بطيئا جدا، سواء من حيث الأداء الحكومي أو من حيث أداء المجلس التأسيسي

وربما أذهب أبعد من ذلك إن قلت إن كل القرارات الثورية التي شهدتها تونس بعد الثورة قد تم اتخاذها في فترة الحكومتين الانتقاليتين السابقتين، وذلك بعد ضغط الشارع والقوى السياسية وقوى المجتمع المدني. ومن بينها حل حزب التجمع الحاكم سابقا، وتجميد العمل بالدستور القديم، وحل المجلس النيابي القديم، وإعداد إطار قانوني لاستقلال الإعلام واستقلال القضاء.

لكن منذ تشكيل الحكومة الحالية وبعد مرور الأشهر الأولى، بدا نسق التغيير بطيئا جدا، سواء من حيث الأداء الحكومي أو من حيث أداء المجلس التأسيسي. ففي مجال العدالة الانتقالية لم يحقق أي إنجاز ملموس ما عدا تعدد المشاورات واللقاءات، مما عطل ملف المحاسبة وجعل ملف الفساد عرضة للتلاعب وللابتزاز السياسي.

وعلى مستوى القضاء بدت الوضعية أكثر سوءا، حيث لم تقبل الحكومة بإيجاد هيكل قضائي مؤقت مستقل عن سلطة الإشراف. حتى إن نواب النهضة تمسكوا بعدم إدراج كلمة "مستقلة" في المشروع الذي قدم للمجلس التأسيسي. وما زاد الوضع تعقيدا هو اتجاه وزير العدل -القيادي في حركة النهضة- إلى التعامل مع أطراف كانت في السابق قد خدمت زين العابدين بن علي وهم موجودون في نقابة القضاة.

مقابل ذلك تحاول الوزارة تهميش دور جمعية القضاة التي وقفت في وجه الرئيس المخلوع، والمعروفة بحرصها على ضمان استقلالية القضاء. لكن السابقة الخطيرة تمثلت في المجلس الأعلى للقضاء -الذي كان النظام السابق قد عين أعضاءه- حيث استنجد به وزير العدل للقيام بحركة نقل رأى فيها الكثيرون تصفية حسابات على طريقة النظام السابق.

وضعية الإعلام كانت أكثر مأساوية بالرغم من الهامش الكبير من الحرية الذي فتحته الثورة، والذي أصبح يزعج الحكومة الجديدة أيما إزعاج. فبعد أن صاغت لجنة مستقلة قانونا لتنظيم القطاع، وأعطت تصورا لهيكل مستقل لتنظيم الإعلام، تراجعت الحكومة المنتخبة، وذهبت أبعد من ذلك من خلال المحافظة على القوانين الزجرية التي وضعها بن علي، واستعملتها لمحاكمة بعض الصحفيين.

نضيف إلى ذلك تعيين بعض الوجوه التي خدمت النظام السابق على رأس الإعلام العمومي، مما تسبب في توتر كبير وصل حد الاعتداء على الصحفيين ومنعهم من أداء مهامهم.

التغول في دواليب الدولة، نقطة أخرى جعلت الرأي العام الوطني والأحزاب في تونس يتخوفون من مصير الوضع الحالي للمرحلة الانتقالية. فقد سعت حركة النهضة إلى تعيين ثلاثة أصناف من الموظفين السامين في مواقع حساسة في المؤسسات العمومية.

إما شخصيات محسوبة مباشرة على حركة النهضة وهذا ما تم في سلك الولاة، وقد تحرجت منه حتى أطراف من الترويكا الحاكمة. الصنف الثاني من هؤلاء الموظفين عناصر غير كفؤة ويمكن التحكم فيها بسهولة. ثم الصنف الأخير المتمثل في موظفين خدموا النظام السابق مثل محافظ البنك المركزي وبعض مديري الإذاعات الوطنية ومديري الصحف العمومية، مثل مدير جريدة الصباح الذي هو في الأصل عون أمن سابق.

لقد رأى البعض علاقة وثيقة بين هذه الرغبة الجامحة من طرف حركة النهضة للسيطرة على دواليب الدولة وبطء الإجراءات التي تبني مجتمع ما بعد الاستبداد في تونس. حيث بدا وكأن التباطؤ كان متعمدا في انتظار استكمال عملية السيطرة هذه. وقد وجد خصوم النهضة من المعارضة في تصريحات زعيم الحركة للجمعيات السلفية في فيديو مسرب سندا لتخوفاتهم، بما أن راشد الغنوشي تحدث صراحة عن ضرورة أخذ الوقت المناسب للسيطرة على مفاصل الدولة.      

أما على المستوى السياسي فقد بقيت الوضعية ضبابية بسبب التباطؤ في وضع المجلة الانتخابية، وخاصة بسبب المماطلة في إحداث الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التي أرادتها الحكومة أن تكون هيئة محاصّة حزبية لا هيئة وفاقية، ثم أخيرا بسبب غياب خريطة طريق واضحة للمرحلة الانتقالية. لكن ما زاد في توتر الوضع السياسي هو ممارسة بعض العناصر المحسوبة على التيار الإسلامي -سواء من النهضة أو من السلفية- للعنف ضد الأحزاب الأخرى والشخصيات المستقلة. هذا العنف -الذي سقطت أولى ضحاياه في مدينة تطاوين من الجنوب التونسي منذ أيام- بدأ يخيف الشارع التونسي الذي لم يعهد مثل هذه التصفيات. 

الوضع في تونس متأزم بالفعل والشارع يحمل الحكومة المسؤولية، وهذا ما تثبته مختلف استطلاعات الرأي التي تبرز تراجعا كبيرا في شعبية الترويكا وعلى رأسها حركة النهضة

قد تكون هذه القراءة صارمة نوعا ما، أو ربما أعطت صورة قاتمة عن الوضع العام في البلاد، أو أنها مجحفة في حق الحكومة. وربما يقول البعض إنني ركزت فقط على الجوانب السلبية. الوضع متأزم بالفعل والشارع يحمل المسؤولية للحكومة، وهذا ما تثبته مختلف استطلاعات الرأي التي تبرز تراجعا كبيرا في شعبية الترويكا وعلى رأسها حركة النهضة.

لكن لا بد من الإقرار في نفس الوقت بأن هذا التجاذب السياسي والإيديولوجي هو مسألة طبيعية، خاصة أن من بين أهداف الثورة بناء مجتمع بديل. والبدائل متعددة، ولعل أهمها البديل المجتمعي المحافظ الذي يقدمه الإسلاميون والبديل المجتمعي الحداثي أو التحرري الذي يقدمها خصومها السياسيون.

كما يجب الاعتراف بأن بعض المبادرات السياسية التي برزت على الساحة مؤخرا -ومن أهمها مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل- قد تساهم في إيجاد توافق وطني يساعد بدوره على تجاوز الجدل حول نهاية الشرعية الانتخابية. لقد بينت مختلف القوى السياسية التونسية بعد الثورة أن إمكانية التوافق السياسي تبقى دائما قائمة مهما وصل حد المنافسة. 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة