قراءة في قرار الرئيس صالح !   
الجمعة 1426/6/16 هـ - الموافق 22/7/2005 م (آخر تحديث) الساعة 16:59 (مكة المكرمة)، 13:59 (غرينتش)






















نصر طه مصطفى

لماذا هذا التوقيت؟
هل اليمن مهيأ للتداول السلمي؟

مهام يجب إنجازها

بكل المقاييس كان الإعلان المبكر للرئيس اليمني علي عبد الله صالح عدم ترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في شهر سبتمبر/أيلول من العام القادم مفاجأة سياسية من الطراز الثقيل في بلد يعتبر من الدول ذات الديمقراطية النامية، والتي لايزال مبدأ التداول السلمي للسلطة فيها لم يخضع لأي تجربة من قبل، بل لايزال تأثير شخص الزعيم فيه يفوق بكثير دور المؤسسات. وترك الرئيس صالح الرأي العام وقيادات الدولة والمعارضة إثر خطابه في حيرة بين مصدق ومتردد في التصديق فيما أكد هو لمقربين منه أنه جاد وأكثر من جاد في موقفه.

تلقى الحزب الحاكم قرار الرئيس بالرفض فيما استقبلته أحزاب المعارضة بالترحيب المشوب بالشك والقلق والبحث عن حقيقة نوايا الرئيس من هذا القرار فذهب بعضهم إلى اعتباره دعاية انتخابية مبكرة أو تهيئة لانتخاب نجله من بعده. أما المواطنون فقد تفاوتت مواقفهم بين الترحيب بالتغيير لمجرد التغيير والتقدير للمبادرة والتخوف من البديل واحتمالات دخول البلاد في حالة من عدم الاستقرار.

لماذا هذا التوقيت؟
"
اختار صالح ذكرى وصوله إلى السلطة لإعلان عدم ترشحه للتذكير بأنه وصل إليها قبل سبعة وعشرين عاما بالانتخاب من قبل مجلس الشعب التأسيسي وأنه يرغب في التخلي عنها بمحض إرادته وبأسلوب حضاري وسلمي
"
السؤال المنطقي والتلقائي هو لماذا اختار الرئيس اليمني هذا التوقيت للإعلان عن هذا الموقف رغم أن الانتخابات لن تجرى إلا بعد أكثر من عام؟

يمكن القول أن الرجل أراد الاستفادة من الذكرى السابعة والعشرين لانتخابه أول مرة لتوصيل رسائل متعددة لمختلف الأطراف الداخلية والخارجية.

أولها أنه -وهو الزعيم التاريخي الذي حقق وحدة البلاد ونجح في الحفاظ عليها في مواجهة محاولة الانفصال ونجح في ترسيم حدود اليمن مع كل جيرانه وتبنى النص الدستوري الذي يحدد فترة الرئاسة بدورتين فقط– يفضل أن ينسحب من الحياة السياسية وهو في أوج مجده وتألقه خاصة أن كل المؤشرات تؤكد أن الانتخابات الرئاسية القادمة ستكون ساخنة ولن تكون شكلية مثل سابقتها التي جرت عام 1999م وفاز فيها الرئيس صالح بنسبة 96% من الأصوات.

ذلك أن أحزاب المعارضة الرئيسية تملك في مجلسي النواب والشورى نسبة الـ 5% المطلوبة لتزكية مرشح الرئاسة وهي إن قررت منافسة الرئيس صالح فإنها قادرة على حصد 25 إلى30% من أصوات الناخبين إذا نزلت بمرشح واحد وهذا يعني فوز الرئيس بـ70% من الأصوات إن لم يكن هناك مرشح ثالث.

ولعل ذلك لا يرضيه في آخر دورة انتخابية يحق له خوضها بموجب الدستور ولا يرى أن هذه النسبة متناسبة مع تاريخه السياسي وإنجازاته الكبيرة التي حققها لليمن خلال سنوات حكمه وبالذات السنوات التي تلت استعادة وحدة البلاد في 22مايو1990م.

وبالمقابل فإن من الصعوبة بمكان خوضه الانتخابات كمرشح إجماع وطني إلا في حالة واحدة –كما يرى بعض المراقبين– هو تشكيل حكومة تحالف حزبي أو وحدة وطنية خلال الفترة القادمة تضم على الأقل الأحزاب الأربعة الممثلة في مجلس النواب وهي المؤتمر الحاكم وأحزاب الإصلاح والاشتراكي والناصري المعارضة إن لم تشمل أحزابا أخرى.

وبذلك يضمن الرئيس صالح فوزا كبيرا، لكن المؤشرات تؤكد استبعاد مثل هذا السيناريو بسبب عمق الخلافات بين الرئيس وحزبه من ناحية وتلك الأحزاب من ناحية أخرى التي لن تتنازل عن موقفها المعارض إلا بمكاسب كبيرة ومحددة وواضحة ومضمونة الاستمرار في مرحلة ما بعد الانتخابات.

ثاني هذه الرسائل أن قرار الرئيس صالح بعدم ترشيح نفسه العام القادم هو رد واضح وقوي -وإن كان غير مباشر- على الشائعات التي تتحدث عن رغبته في توريث حكمه لنجله أحمد قائد الحرس الجمهوري.

فالعقيد أحمد سيبلغ العام القادم 37 عاما بينما الدستور ينص ألا يقل عمر مرشح الرئاسة عن 40 عاما، إضافة إلى أنه من غير الوارد تعديل الدستور لهذا الغرض كما حصل في سوريا على سبيل المثال ليس فقط لتعقيد إجراءات التعديل، ولكن بسبب أن من الأنزه للرئيس صالح استمراره في الرئاسة على تعديله لذلك الغرض الذي سيفرغ قراره بعدم الترشيح من مضمونه.

ناهيك عن أن الذين يعرفونه عن قرب يدركون جيدا أنه لا يمكن أن يقبل خطوة من نوع تعديل الدستور بل أن يطلبها. وإذن فإن كان الرئيس صالح يريد توريث السلطة لنجله كما تزعم بعض أحزاب المعارضة لما أعلن عدم رغبته في ترشيح نفسه للانتخابات القادمة، رغم أنه أكد في عدة أحاديث سابقة رفضه لهذا المبدأ محتفظا بحق ابنه كمواطن يمني في الترشيح لهذا المنصب إن كانت هذه رغبته وإن كان مايعنينا الآن هو انتخابات 2006م التي ارتبكت صورتها بإعلان الرئيس.

ثالث الرسائل أن الرئيس صالح المتوجه إلى واشنطن في نوفمبر/تشرين الأول القادم في واحدة من أهم زياراته لها سيحمل معه رسالة في غاية الأهمية تتلخص في أنه القائد العربي الوحيد الذي قرر ترك السلطة طوعا -رغم حقه الدستوري- في زمن الديمقراطية الأميركية وإصلاحاتها السياسية، الأمر الذي سيحقق لزيارته نجاحا كاملا من خلال ماسيكسبه من تعاطف وتقدير أكيدين، خاصة إذا تأكدت الإدارة الأميركية من صدق نواياه في عدم الترشح العام القادم، رغم أني لا أستبعد قلق البيت الأبيض من ابتعاد الرئيس صالح عن الساحة السياسية في ذروة التعاون بين البلدين في مجال مكافحة الإرهاب وارتياح واشنطن للحالة الديمقراطية القائمة في اليمن وبالذات عند مقارنتها بالدول المحيطة بها.

وعلى الأقل فإن واشنطن ستطلب من الرئيس اليمني ضمان حدوث انتقال هادئ للسلطة لاينتج عنه وصول طرف غير مقبول يؤثر على التعاون القائم بين البلدين وقد يضر بمصالح اليمن.

رابع الرسائل أن صالح اختار ذكرى وصوله إلى السلطة لإعلان عدم ترشحه للتذكير بأنه وصل إليها قبل سبعة وعشرين عاما بالانتخاب من قبل مجلس الشعب التأسيسي وليس على ظهر دبابة، وأنه يرغب في التخلي عنها بمحض إرادته وبأسلوب حضاري وسلمي كما وصلها بنفس الأسلوب، وأن بقاءه طوال السنوات الماضية كان لإنجاز كثير من المهام على رأسها إعادة تحقيق وحدة الأرض اليمنية وإنهاء الخلافات الحدودية مع جيران اليمن وإقامة نظام ديمقراطي تعددي وتحقيق نهضة اقتصادية واستقرار سياسي وأنه وقد أنجز معظمها فقد آن الأوان لينجز آخرها على يديه ويعيشه واقعا حقيقيا وهو التداول السلمي للسلطة فيعزز بذلك مكانته التاريخية التي كرسها باستعادته وحدة اليمن بعد ما يقرب من ثلاثة قرون من التجزئة.

هل اليمن مهيأ للتداول السلمي؟
"
كل بلاد الله مهيأة للتداول السلمي للسلطة فيها عندما تقرر الإرادات الوطنية بها ذلك, لكن ذلك يقتضي عدم حدوث فراغ قيادي فيها بمعنى أن تكون الأحزاب السياسية على مستوى من النضج والخبرة والمؤسسية يؤهلها لإعداد قيادات جديدة كفؤة
"
هذا السؤال يبرز تلقائيا عند من يعرفون اليمن جيدا من الداخل ويفهمون الأطراف المؤثرة في مسارات العمل السياسي. وابتداء لابد من الإقرار بأن كل بلاد الله مهيأة للتداول السلمي للسلطة فيها عندما تقرر الإرادات الوطنية بها ذلك. لكن ذلك يقتضي عدم حدوث فراغ قيادي فيها بمعنى أن تكون الأحزاب السياسية على مستوى من النضج والخبرة والمؤسسية يؤهلها لإعداد قيادات جديدة كفؤة قادرة على تحمل المسؤولية في أي ظرف كان عاديا أم طارئا.

الأكيد في التجربة اليمنية أنه لا يوجد حزب سياسي سواء الحاكم أم المعارضة قد أنجزت مهمة من النوع الذي أشرنا إليه. أما بالنسبة للحزب الحاكم فلأن إعداد بديل عن الرئيس صالح لم يكن على الإطلاق في إطار اهتماماته وأولوياته ومن ثم اكتشف فجأة أنه في ورطة يصعب عليه التعامل معها.

فهو –على الأقل– كان مهيأ لانتخاب صالح لدورة انتخابية جديدة وأخيرة يمكنه خلال سنواتها السبع البحث عن البديل وتهيأته ولذلك أعلنت قياداته رفضها لقرار الرئيس وتمسكها به وكان ذلك شيئا طبيعيا ناتجا عن حاجة حقيقية وليس عن مزايدة سياسية. وأما بالنسبة لأحزاب المعارضة الرئيسية منها فبقدر ترحيبها بخطوة الرئيس صالح وهو ترحيب يفرضه عليها موقعها وحجم خلافاتها مع السلطة فإنها قررت عدم الاستعجال في تحديد موقف وأنها ستدرس قرار الرئيس بصورة معمقة ذلك أنها هي الأخرى فوجئت في ظرف هي نفسها غير مستعدة ببديل يملأ فراغ الرجل.

صحيح أن لدى الحزب الإشتراكي تحديدا شخصيات قادرة على تنافس حقيقي مع الرئيس كون الحزب صاحب تجربة طويلة في السلطة لكنه يفتقد اليوم للجماهيرية الكافية وهو بالتالي لن يكون قادرا على حصد 30% من الأصوات مثلا إلا بمساندة حزب التجمع اليمني للإصلاح (الإسلامي) ولو أن هذا الأخير يعلم أن أصواته قادرة على تحقيق الأغلبية فإن موقفه لن يخرج عن أحد اثنين، إما الدفع بمرشحه الخاص أو التصويت لمرشح حزب المؤتمر سواء كان الرئيس صالح أو غيره ذلك أن تجارب الحزب الاشتراكي السابقة في السلطة لا تبعث على الطمأنينة وخاصة موقفه من الوحدة التي يجد الإصلاح نفسه فيه على خط واحد مع حزب المؤتمر الحاكم باعتبارهما وقفا معا في الدفاع عنها عام 1994 ضد المشروع الانفصالي الذي قاده الاشتراكي في حينه.

أما الناصريون فعلى تواضع شعبيتهم فإنهم أكدوا ضرورة تهيئة البلاد للانتقال الهادئ والسلس للسلطة. وفي الإجمال يظل شخص الرئيس علي عبد الله صالح القاسم المشترك والخيار الأفضل لأحزاب المعارضة الرئيسية الثلاثة للبقاء في السلطة ليس فقط لمميزاته الشخصية كالمرونة والانفتاح والتسامح وعدم قطع خطوط التواصل الشخصي مع قادتها ولكن –إلى ذلك– عدم اطمئنانها لبعضها البعض فلا الإصلاح سيمضي للنهاية في توصيل الاشتراكي للسلطة ولا الاشتراكي سيمضي إلى النهاية في مساندة الإصلاح للوصول إلى قمة السلطة خشية على الأقل من العناصر السلفية بداخله والتي لايزال لها تأثيرها وسطوتها حتى الآن.

الأكيد أن أحزاب المعارضة لن تطالب الرئيس بالاستمرار لكنها ستعتمد في ذلك على الضغوط التي سيمارسها عليه حزبه وقادة الجيش وأقاربه المبثوثون في عدة مفاصل ومواقع رسمية داخل أجهزة الدولة والحكومة.

مهام يجب إنجازها
في حال إصرار الرئيس على إمضاء قراره بعدم الترشح مجددا للرئاسة -وهذا هو الغالب- فإنه يتحتم عليه إنجاز برنامج سياسي مكثف خلال العام المتبقي له في السلطة وهو برنامج كان عليه إنجازه خلال الأعوام السبعة (2006-2013م) ويتلخص في تهيئة البلاد لانتقال هادئ وديمقراطي من بعده، وهذا يقتضي منه الاستفادة من زعامته التاريخية وكاريزميته وهيبته في إنجاز هذا البرنامج الذي يمكن تلخيصه في عدة عناوين رئيسيه.

"
في حال إصرار الرئيس على إمضاء قراره بعدم الترشح مجددا للرئاسة, فإنه يتحتم عليه إنجاز برنامج سياسي مكثف خلال العام المتبقي له في السلطة وهو برنامج كان عليه إنجازه خلال الأعوام السبعة (2006-2013م) ويتلخص في تهيئة البلاد لانتقال هادئ وديمقراطي من بعده
"
- استكمال ما تبقى من برنامج الإصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية، ووضع رؤية واضحة لجلب الاستثمارات الخارجية وتشجيع المحلية وتوفير جو صحي لها باعتبارها الحل الأمثل لامتصاص البطالة وتوفير فرص العمل في بلد كاليمن لايزال بكرا في مجال الاستثمار.

- وضع برنامج واضح لترسيخ الوحدة الوطنية ثقافيا وفكريا ونزع ألغام التفتيت الجهوية والقبلية والمذهبية، ومحاصرة مظاهر التطرف ووضع رؤية مدروسة لما يمكن تسميته (تنمية الاعتدال).

- المضي في برنامج عملي لتجفيف منابع الفساد المالي والإداري وإعادة النظر في الوظائف الاقتصادية المباشرة التي تؤديها الدولة والتي تمثل المنبع الأساسي للفساد واستبعاد الفاسدين من مواقعهم الرسمية وتشجيعهم على استثمار أموالهم داخل البلاد.

- استكمال البناء المؤسسي للأجهزة التشريعية والقضائية والتنفيذية والتي قطعت شوطا معقولا في السنوات الأخيرة بسبب توجه الرئيس نفسه لذلك.

- استكمال البناء السياسي والتنظيمي لحزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم باعتباره يمثل حلا وسطيا في المرحلة الحالية يجنب البلاد الوقوع في حبائل التطرف والمشاريع التفتيتية.

- تهيئة القوات المسلحة للتعامل مع مرحلة التداول السلمي للسلطة بعد أن قطع الرئيس صالح نفسه –وهو عسكري في الأصل- مرحلة هامة في تمدين السلطة وإبعاد الجيش عن العمل السياسي خلال السنوات الأخيرة.

ربما كانت تلك أبرز المهام التي يتوجب على الرئيس علي عبد الله صالح إنجازها خلال عام من الآن وهي مهام كبيرة لا يملك سواه إنجازها بما يملكه من خبرة كبيرة في الحكم وهيبة شخصية وكفاءة سياسية وقدرة متميزة على الإمساك بكافة خيوط العملية السياسية وشبكة العلاقات الداخلية المعقدة.

صحيح أنها مهام تحتاج إلى مساحة زمنية أكبر لكنه قادر أن يشرع فيها بأسلوب يجعل القادم بعده مضطرا للمضي والاستمرار فيها. فأي رئيس جديد لليمن بعد علي عبد الله صالح سيسهل محاسبته ومراقبته وإقالته إن لزم الأمر, فالشخصيات التاريخية لاتتكرر بسهولة وذلك كان قدر علي عبد الله صالح العسكري البسيط القادم من أعماق الريف اليمني أن يقود أعظم التحولات في تاريخ اليمن المعاصر بما يشفع له كل أخطائه وهي قد لا تكون كبيرة إذا قسناها بحجم إنجازاته التي أشرنا إليها في بداية قراءتنا هذه العاجلة لقراره بعدم ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية القادمة.
ــــــــــــــــــ
كاتب يمني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة