خطط شارون على وقع الدم الفلسطيني   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم/ إبراهيم أبو الهيجاء

- الفكر الشاروني
- وسائل التسويق الشاروني
- خيار الدم والفوضى
- الآفاق المستقبلية

بينما نحن العرب منهمكين في كيفية التصرف تجاه خطة شارون إذا ما أقدم الأخير على مفاجأتنا والخروج من غزة تحت جنح الظلام، فإن شارون الذي بادر إلى الفكرة وطرحها منشغل أكثر في كيفية تحقيق اعتراف بإجمالي خطته الأحادية المرتكزة على جدار فصل ينهي كل الأحلام الفلسطينية بحديها الأدنى والأقصى, فشارون هو شارون اليميني حتى النخاع، رغم ضعفه بسبب تململ اليمين الصهيوني من حوله، وشكوك المجتمع الإسرائيلي تجاه صفقاته السياسية وأساليبه الأخلاقية.

طبعا من حق الجميع عربا وفلسطينيين إدراك موقعهم تجاه كل فعل سيؤثر عليهم كما هو حال الخروج من غزة، لكن علينا ألا نقع في تضخيم سياسي وإعلامي في قراءة الموقف الإسرائيلي وتحديدا الشاروني بحيث يصرفنا عما يريده بالكلية من أحلام وطموحات، فيصيبنا كما أصاب أصحاب الفيل الذي اصطدموا به في الظلمة فواحد أمسك بأذنه فقال عنه إنه ورقة شجرة، وآخر أمسك بذنبه فقال عنه إنه حمار.


نجح شارون في جر اليسار الصهيوني من الفصل السياسي المرتكز على الانسحاب بشكل مقارب لحدود 67 إلى فصل يقوم على جعل إقامة كيان فلسطيني مستحيلا وتحت رحمة الشفقة الإسرائيلية
الفكر الشاروني

شارون حتما لا يريد السقوط ويريد إتمام ولايته الحكومية، وهو يبحث عن دور تاريخي في إطار أحلامه التوراتية، ضمن هذا الموازنة يضع شارون في عقله الباطني المترجم لغموض في سياسته عدة محددات:

1- فرض الوقائع الاحتلالية وأهمها الجدار كسبيل أكيد لضمان أمن إسرائيل وكسر الأحلام الفلسطينية.
2- قناعته أن الحوار مع العرب والفلسطينيين مضيعة للوقت ولا جدوى منه، ويمكن ممارسته فقط بما يتساوق أو يقترب مع خطته الأحادية.
3- يمكنك إطلاق العديد من التصريحات التي تؤكد حضورك السياسي إلى جانب قبضتك الأمنية ولكن ليس شرطا أن تنفذها.

لقد مني شارون الذي جاء حاميا متوعدا بالقضاء على الانتفاضة بالفشل الذريع، أمام صلابة المقاومة الفلسطينية، ثم فشل سياسيا ووصلت أكاذيبه حدا معينا بعد أن جعلته لعبة الغموض أحمق سياسيا لا يملك خطة أو رؤية، ثم فشل اقتصاديا بفعل التداعيات السياسية والأمنية أساسا، وجاء نتانياهو (وزير المالية) الحالم باقتصاد السوق الحرة ليجعل من الاقتصاد الإسرائيلي على حافة الانهيار على كل الصعد، والآن هو يترنح أخلاقيا تحت طائلة الفساد والرشوة.

ولذا لم يتبق من خطة شارون سوى ما استعاره من المنظّر(للفصل الأحادي بسبب الخطر الديموغرافي) أستاذ الجغرافيا في جامعة حيفا أرنون سوفير الذي أمّن الفلسفة التبريرية للفصل الأحادي فسوقه شارون لليمين لكي يهضمه، ثم سوقه للمجتمع الدولي بداعي الأمن، رغم أن القارئ المتمعن يدرك أن خطط الفصل جاهزة على خلفية عدم وجود الثمن الإسرائيلي القابل للتسوية مع العرب الرسميين رغم أننا لا ننفي أن المقاومة الفلسطينية عززتها لاحقا وليس ابتداء.

وسائل التسويق الشاروني
لقد نجح شارون في جر اليسار الصهيوني من الفصل السياسي المرتكز على الانسحاب بشكل مقارب لحدود 67 ، إلى فصل يقوم على جعل إقامة كيان فلسطيني مستحيلا وتحت رحمة الشفقة الإسرائيلية، ولتأمين تمرير هذا الفصل بهدوء ودون ريبة فإن شارون مضطر لتسويق هذه الخطة:

أولا- بغطاء سياسي دولي يتحدث فيه عن إخلاء مستوطنات غزة وبعض من مستوطنات الضفة، بما يبقي أوراقا للمساومة تضمن صفقة مع الأميركان تبقي ثلاث كتل استيطانية كبرى في عمق الضفة الغربية، وتتلاءم مع مسار الجدار الذي جرى تعديله بشكل طفيف وبتضخيم إعلامي مقصود، طبعا خطة إخلاء غزة ستبقى مثار حديث وجدل واهتمام، بينما جرافات شارون تعمل بهدوء حتى العام 2005، حيث من المتوقع إنجاز كامل الجدار.

ثانيا- يحاول شارون تأمين موافقة عربية وفلسطينية مساعدة لإنجاز خطته، فهو يفاوض مصر على استلام غزة أو توريطها بحماية حدود إسرائيل، وهو يفاوض الأردن للقبول بالإشراف الإداري على ما سيتبقى من كانتونات في الضفة مقطعة، وهو يأمل أن تؤمن له السلطة الفلسطينية موافقتها أو صمتها على خطته في إخلاء غزة، دون وضوح الثمن الكلي الذي يستعد لدفعه، وحتى إن لم يقبل المصريون والأردنيون ما يطرحه فإنه سينفذه ويجبرهم على قبوله، فمن سيقول مثلا إنه ضد إخلاء غزة؟

وبعد ذلك لن يبقى للفلسطينيين سوى أن يضربوا رأسهم بالجدار المصري والأردني، شارون باختصار يريد أن يحدد اللعبة وأبعادها ومداها وعلى الآخرين فقط القبول بها أو إجبارهم عليها، الأميركان إما صامتون أو غارقون في العراق أو ينتظرون ما بعد الانتخابات لتحقيق خطة شارون المتوافقة مع خطط المحافظين الجدد في ترسيم المنطقة وإخضاع الجميع لهيمنتهم.

ثالثا- وشارون يريد أيضا من خلف كل ذلك جعل الشعب الإسرائيلي رهينة خططه وطموحاته، لأن التخلي عنه سيضيع على المجتمع الإسرائيلي قائدا تاريخيا مثل شارون قادرا على تأمين الأمن وحل القضية الفلسطينية بأقل الأسعار وأنسب الأوقات حيث الخوف الوجودي على الأبواب قبل العرب بها أو لم يقبلوا، وفي سياق هذا يهدد اليمين بإنجاز حكومة مع اليسار، ويغري اليسار بفقدان الفرصة التاريخية لحل وسط بين الأحلام اليمينية والوقائع الدولية.


يسعى شارون لتعزيز خيار الفوضى لدي الفلسطينيين لأن ذلك سيستنزفهم داخليا أو يفقدهم الاتزان السياسي وبالتالي غيابهم عن طموحاته وخططه على الأرض
خيار الدم والفوضى

أدوات شارون لتعزيز مخططاته يجب أن تعزز في خيار الفوضى بصفوف الفلسطينيين لحين إنجاز الجدار وتسويق الخطة وابتزاز العرب والسلطة، لأن الفوضى لدى الفلسطينيين قادرة إما على استنزافهم داخليا أو فقدانهم للاتزان السياسي وبالتالي غيابهم عن طموحات شارون وخططه التي تتكلم على الأرض.

أما خيار القوة فهو مهم في تأمين التكامل مع أداة الفوضى ، كونه يعمل على التالي:
1- تعزيز الإرباك الفلسطيني السياسي الرسمي الحالم بتفاوض مع شارون يؤمن له تعديلا لخططه أو دورا أفضل.

2- استنزاف المقاومة الفلسطينية بقتل واعتقال ما أمكن، بما يحمي خيار شارون السياسي بإبقاء الفلسطينيين قوة ضعيفة لا تقوى على مهاجمة إسرائيل بعد إتمام الجدار.

3- خيار القوة مهم كذلك في جعل مراكز القوى الفلسطينية المتصارعة في مستوى واحد من القوة بما يبقي ويذكي هذا القتال.

4-إضعاف عرفات القابع في غرفتين برام الله ضمن هالة الحديث عن إخلاء غزة مما يفتح شهية الطامحين لخلافته، كون الحديث عن الانسحاب من غزة يتطلب إدارة بعيدة فعليا عن سيطرته القابضة، وطموح إسرائيل هنا هو إبقاء دورة الفوضى الفلسطينية بين قابل ومتمرد.

5- إسرائيل كذلك تدرك أن خطة الفصل ستفسر من الفلسطينيين باعتبارها إنجازا للمقاومة يزيد من فاعليتهم لاستمرارها، لذا فخيار القوة ضدهم مهم في التقليل من حدة طموحاتهم سياسيا وإعلاميا.

6 – تكريس قناعة البحث عن حلول أخرى للقضية الفلسطينية خارج الوطن (الضفة وغزة ) في الرزق والأمن، من خلال تصدير أزمة القضية الفلسطينية للعرب دون أي ثمن سياسي، ولا شك أن طموح شارون الأكبر هو ضرب سوريا وإيران ولبنان ليتمكن من خلالها تنفيذ تهجير قسري، لا نستبعده رغم تشكيك الكثيرين في حدوثه.

7- تعزيز شعبيته داخل المجتمع الاستيطاني واليميني المتطرف الذي يرى أن شارون قد خانهم وسرق أحلامهم، وبالتالي فإن صورة الدم الفلسطيني تحدث تعديلا في الصورة الشعبية التي تقدم شارون كرجل لا يزال قويا قبالة المقاومة الفلسطينية، وفي ذات الوقت يملك مشروعا سياسيا يحافظ على الحلم اليميني.

8- حاجة شارون لتصدير أزماته الأخلاقية الداخلية إلى الخارج الفلسطيني والعربي، بما يركز النظر الداخلي على الخطر الأمني الفلسطيني وليس على صفقاته وتورط عائلته بها.

9- حاجة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي تلتقي رغم تناقضها مع شارون في ضرورة التصعيد العسكري بما يعزز رؤيتها حول الخطر الفلسطيني بانسحاب الاحتلال من غزة أو عدمه، لن يحل المشكلة بل ربما يعززها، وعلينا أن نذكر باعتراضات علنية ضد الانسحاب من قبل رئيس هيئة الأركان يعلون ورئيس المخابرات (الشاباك) ديختر، ورئيس شعبة الاستخبارات أهارون زئيفي، وعلينا أن لا نقلل من دورهم في تأزيم الموقف بقصد تعقيد الأمور على شارون.

الآفاق المستقبلية
طبعا هذه طموحات إسرائيل ومخططاتها وتلكم أدواتها، ولكن هذا لا يعني البتة نجاحها، فشارون يواجه إشكاليات في تمريرها سياسيا وأمنيا في الداخل الإسرائيلي، الذي يرى الأمور من زاوية مختلفة، تلتقي مع تفسيرات المقاومة الفلسطينية التي دون شك كان لها فضل في تسريع خطط الفصل في العقل اليميني والواقع السياسي، وبالتالي لا يمكن أن يكون تنفيذ الفصل بهذا الشكل أو ذاك إلا نصرا ينسب للمقاومة وأهلها، وهو دون شك محفز لاستمرارها.

أما الفوضى الفلسطينية فإنها سرعان ما ستنفجر في وجه إسرائيل لإبقاء مؤشر البوصلة ضد الاحتلال، رغم أن الفوضى واقعة ولكن يمكن ضبطها والتحكم بمنسوبها والتكيف معها، كما أنه لا يمكن لخيار القوة أن يكون معينا عليها رغم أنه قد يذكيها لأن خيار القوة الإسرائيلي المتصاعد هذه الأيام بمجازر ممتدة من رفح حتى جنين أدى حتى كتابة هذه السطور إلى استشهاد أكثر من 26 فلسطينيا في أقل من شهر، لا يمكنه إلا أن يكون أداة تفعيل وتعزيز لرغبة المقاومة كخيار وحيد وواقعي أمام الفلسطينيين، يتضافر معه العامل الفلسطيني والإسرائيلي في تحقيق فشل لمخططات شارون بالعامل الأردني والمصري المتشكك هو الآخر في ما يريده شارون، كونهم يدركون أن شارون يريد جرهم رغم أنوفهم إلى المساهمة في حمايته ودفع تكاليف الاحتلال بدلا عنه.


لو نجح شارون وصمد في موقعه حتى إنجاز الجدار فإن مخاطر خطته ستكون فقط على المديين القصير والمتوسط، أما على المدى الإستراتيجي فإنها ستعزز منطق المقاومة الفلسطينية
لذا لا أقترح على أحد التركيز كثيرا على ما سنفعله حين تخلي إسرائيل غزة والاستعداد الفعلي لجولة جديدة من التصعيد الدموي، المعزز بأزيز الجرافات الإسرائيلية التي تعمل في عمق الضفة لتحاصر الفلسطينيين في أقفاص، واعتقد أن كل الأسئلة حول تداعيات الخروج من غزة أمامها الكثير من الوقت للإجابة عنها في ضوء أن خطة شارون يمكن ألا تتحقق لأن أمامها الكثير من العقبات لتتجاوزها.

وحتى لو نجحت خطة شارون وصمد في موقعه حتى إنجاز الجدار، فإن مخاطر خطته ستكون فقط في المديين القصير والمتوسط، أما في المدى الإستراتيجي فإنها خطة ستعزز منطق مدرسة المقاومة الفلسطينية ونهاية الاحتلال الإسرائيلي، كون الفصل في نهاية المطاف هروبا من المواجهة وتصديرا للأزمة وتحايلا على أي حل سياسي، وبالتالي لا يمكن أن يجري القبول به أو التعايش معه، ورغم طول الجدار وحجمه ومناعته فإن معدلات الاحتكاك مع الإسرائيليين ستبقى كبيرة، وبالتالي فإن سبل المقاومة واحتمالاتها كبيرة وكثيرة.
_______________
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة