كيف نفهم الآخر؟   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم / إبراهيم علوش

قبل مدة، سألني صائدٌ كيف تتفق دعوتي لاستئصال الوجود الاستيطاني اليهودي في فلسطين، ولمقاومة كل أشكال الصهينة والتطبيع عربياً وعالمياً، مع اقتطافي للمراجع الصهيونية في الآن عينه من كتاباتي أو مع دعوتي للناس مثلاً لقراءة كتاب "التاريخ اليهودي -الديانة اليهودية- وطأة ثلاثة آلاف عام" للكاتب إسرائيل شاحاك، وهو المستوطن الصهيوني حسب تعريفي!

واستوضح صحفي رأيي بعدها حول جواز ترجمة الأدب الصهيوني، وتحت أي شروط. فهي أسئلة قد يطرحها المخلصون وغير المخلصين على أنفسهم وفيما بينهم.


شتان ما بين دراسة العدو تحت عنوان محدد هو صراعنا الوجودي معه، وما بين الاتصال بدور النشر "الإسرائيلية" وإقامة العلاقات الثقافية بحجة فهم "العدو"
والحقيقة أن مسألة فهم العدو كثيراً ما يساء طرحها واستخدامها لتبرير إقامة جسور تطبيعية، ليتم قلبها في النهاية رأساً على عقب. فالحاجة الموضوعية لفهم العدو جيدا في خضم صراعنا التناحري معه تنقلب خلسة إلى سفاهة مقولة "فهم وتقبل الآخر"، وهي مقولة تخدم شرائح عربية وفلسطينية محددة ترتبط مصالحها الثقافية والسياسية والمالية بشكل أو بآخر بحسن علاقتها بالطرف الأميركي الصهيوني، من السلطة الفلسطينية والأنظمة العربية وبعض المثقفين العرب المعنيين بنيل رضى الغرب وبعض السياسيين الانتهازيين في الأراضي المحتلة عام 1948.

فشتان ما بين دراسة العدو تحت عنوان محدد هو صراعنا الوجودي معه، وما بين الاتصال بدور النشر "الإسرائيلية" وإقامة العلاقات الثقافية بحجة فهم "العدو" وهو الذي سرعان ما يتكشف عن الترويج لخيانة "قبول الآخر".

فمن حيث المبدأ، لا نستطيع أن نغير الواقع إن لم نفهم فكر الصهيونية وإستراتيجياتها، وطبيعة اختراقاتها، وعقيدتها العسكرية، والعلاقة الأميركية-الصهيونية، والصلة اليهودية-الصهيونية، وطبيعة المجتمع "الإسرائيلي" والتطورات الجارية فيه، والمناورات السياسية للحكومات "الإسرائيلية" المتعاقبة والأحزاب الصهيونية المختلفة، وإلى ما هنالك.

من أجل فهم عميق للعدو إذن، يجب أن يقوم بعضنا على الأقل بتعلم العبرية، ومتابعة وسائل الإعلام والأدب الصهيونيين، وكل ما يجري في الكيان من تطورات سياسية واقتصادية وعسكرية. ويجب أن ننشئ مراكز الدراسات (غير الممولة أجنبيا) المعنية بتوثيق هذه الجوانب ودراستها ورفدنا بالتقارير والأبحاث عنها. وما ينطبق على العدو الصهيوني في هذا المجال، بالمناسبة، ينطبق على أميركا أيضا.

لكن النقطة التي نتجاوز بعدها الفهم الضروري للعدو إلى الترويج لخيانة المثقف العربي لدوره ورسالته تبدأ عند الإصرار على الدعوة مثلا لترجمة الأدب العبري فحسب، خارج سياق مشروع المواجهة الوجودي المتكامل سياسيا وعسكريا وثقافيا، أو على الأقل، خارج سياق انحياز المثقف الواضح لأمته دون أدنى مواربة.

هذا للأسف ما ينزلق إليه بعض المثقفين، بتعمد أحيانا، عندما يدعون إلى "فهم الآخر" دون ربطه بالضرورة بالتزامهم بمشروع التحرير وقضايا أمتهم. ففي غياب مثل هذا الربط، تتحول المسألة إلى خلق آليات للتطبيع الثقافي شئنا أم أبينا، ويسهل على المثقف بعدها أن ينحدر بسرعة عبر الخط الفاصل من قراءة كتاب أو صحيفة دون اتصال مباشر إلى إقامة العلاقات كيفما اتفق بحجة "فهم العدو".


في ظل الاختراقات التسووية والتطبيعية المتعددة وغياب المشروع النهضوي العربي التحرري يجدر أن لا يتصرف كل منا على هواه في إجراء اتصالات ومبادرات مع العدو
وقد تنبع المشكلة جزئيا من تفتت مرجعياتنا، وهو ما يسبب اختلاطا على الصعيدين السياسي والثقافي معا ويفتح الباب على مصراعيه لكافة أنواع الاختراقات والتطبيع.

فلو كنا نعمل كجزء من حركة مقاومة عربية ذات مرجعية معروفة ومصداقية كافية وثوابت متفق عليها ومشروع ثقافي نهضوي، لأمكن التحدث عن إمكانية وجود مشروع ما لاختراق العدو، ولكن في ظل الاختراقات التسووية والتطبيعية المتعددة وغياب المشروع النهضوي العربي التحرري يجدر أن لا يتصرف كل منا على هواه في إجراء اتصالات ومبادرات غير واضحة الأبعاد في أحسن الأحوال، سواء تعلقت بترجمة الأدب العبري أو بغير ذلك.
ــــــــــــــــــ
منسق إعلامي لجمعية مناهضة الصهيونية والعنصرية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة