أكراد سورية.. الهوية والحل   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

*بقلم/ أكرم البني

لم تتضح في سوريا معالم "مشكلة قومية كردية" إلا بفعل تعاقب سلطات غير ديمقراطية استمدت مشروعيتها من أيديولوجية مشبعة بالتعصب القومي، لا مكان في دنياها للتنوع والاختلاف أو احترام حقوق الإنسان ومصالح القوميات الأخرى.


كان أول إجراء تمييزي ضد الأكراد هو مشروع الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 الذي حرم أكثر من سبعين ألف كردي من الجنسية السورية
قبل ذاك كان الأكراد السوريون على كثرتهم (أصبحوا اليوم حوالي مليوني نسمة) جزءا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي ينتشرون في معظم المدن والمناطق السورية ويشاركون بشكل طبيعي دون أية تفرقة في مختلف أنشطة الحياة، فمنهم من قاد المعارك ضد الاحتلال الفرنسي كإبراهيم هنانو، ومنهم من وصل إلى مناصب عليا سياسية وعسكرية بما في ذلك رئاسة الجمهورية كفوزي السلو وحسني الزعيم.

زاد المشكلة تعقيدا تعاظم القلق العربي من انتعاش المشاعر القومية لأكراد سوريا مع تواتر الحراك الكردي الخارجي وربطا مع أجواء الشك والريبة التي خلفها انجرار بعض القوى الكردية في "لعبة" الصراعات الإقليمية والعالمية، الأمر الذي عزز الاندفاعات الشوفينية ضد الكرد السوريين، وشجع غلاة التطرف القومي على ابتكار أساليب قسرية لتمييز الأكراد وسلبهم حقوقهم كمواطنين وتغييب دورهم كأقلية قومية في التكوين الاجتماعي السوري.

أول إجراء تمييزي، لا يزال الأكراد السوريون يعانون منه الأمرين، كان مشروع الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 الذي حرم أكثر من سبعين ألف كردي من الجنسية السورية، وعددهم اليوم يقارب المائتين وخمسين ألفا، دون أدنى احترام لحقوقهم كبشر ولمستقبل أسرهم وأطفالهم.

ومن يومها عرف المجتمع السوري ظاهرة جديدة اسمها "المكتومون" أو "البدون" وهم المجردون من الجنسية الذين فقدوا حق المساواة أسوة بغيرهم من المواطنين في الهوية والتملك والتعليم والتقاضي والعمل والصحة... إلخ، وباتوا أجانب، غرباء عن مجتمع عاشوا بين ظهرانيه مئات السنين.

ثم جاء مشروع الحزام العربي مطلع السبعينيات هادفا إلى تفريغ الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا في محافظة الحسكة أو الجزيرة بعمق 10 إلى 15 كم من سكانه الأكراد الأصليين، وتوطين أسر عربية بدلا عنهم لقطع أواصر الارتباط الجغرافي بينهم وبين أقربائهم وامتداداتهم القومية خارج الحدود السورية.

واغتنمت السلطات فرصة بناء سد الفرات ومشروع إعادة توزيع الأراضي الزراعية كي تستولي على أراضي الفلاحين الأكراد لإقامة مزارع نموذجية مزودة بالمياه والمدارس والحماية الأمنية وتمليكها لفلاحين عرب غمرت مياه السد قراهم، وبالفعل تم توطين أكثر من أربعة آلاف أسرة عربية في الشريط الحدودي وتوزيع أكثر من 700 ألف دونم من الأراضي المصادرة عليهم.

رافق ما سبق سياسة ممنهجة تهدف إلى طمس الهوية الكردية وصهر الكرد "كأفراد" في بوتقة القومية العربية، تجلت في قمع الحركة السياسية الكردية واعتقال نشطائها وتغيير الأسماء الكردية التاريخية لمئات القرى والبلدات والتلال والمواقع واستبدالها بأسماء عربية، وحرمان الأكراد من التحدث بلغتهم الخاصة ومنع الموسيقى والأغاني الكردية.

وترافق ذلك مع تعميم أفكار شوفينية خطيرة تطعن بحق الوجود الكردي في سوريا، في محاولة دأبت عليها قوى التطرف والتعصب القومي (خارج السلطة وداخلها) لرسم تاريخ تشكل المجتمع السوري على هواها، تلغي فيه دور الكتلة الكردية وتدعي بأن ما هو قائم من تشكيلات قومية واجتماعية هو نتاج مؤقت وطارئ صنعه الاستعمار ومصالح القوى المتصارعة في المنطقة.

وما شد من أزر هذه الرؤية، اندفاع بعض الأطراف الكردية "ولغاية في نفس يعقوب" إلى الطعن بأصالة وأحقية الوجود التاريخي للأكراد في سوريا، لعل أبرزها حديث قائد حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان بأن "غالبية الشعب الكردي في سوريا قد نزحت عن كردستان الشمال" داعياً لبدء حملة الجنوب "وتوجيه الأكراد السوريين إلى الجبال من حيث أتوا" حسب ما ورد في الصفحة 167-168 من كتاب قائد وشعب في حوار أجراه نبيل ملحم مع عبد الله أوجلان.

إن مثل هذه القراءة لتاريخ المجتمع السوري هي قراءة خطيرة تؤسس لشروخ عميقة في النسيج الاجتماعي وتفضي إلى إشكالات وصراعات لا تحمد عقباها بفعل تبلور وجهات نظر تاريخية متباينة وحتى متناقضة علميا وعمليا، حول أحقية أو مشروعية القوى القومية المتعددة التي تشكل بنية هذا المجتمع.


تطور الحس القومي لأكراد سوريا لم يكن يوما على حساب ولائهم لوطنهم السوري، وإذا استثنينا قلة من الأصوات المتطرفة فإن الحركة السياسية الكردية تتفق جميعها على تمتين أواصر الأخوة العربية الكردية

وذلك دون أن نلمس ماهية الضرر الناجم عن اعتراف الجميع بالحقائق الراهنة والاحتكام إلى وقائع عمرها مئات السنين تؤكد أن لحمة هذا المجتمع هي خليط من قوميات مختلفة، عرب وكرد وأرمن وشركس وغيرهم ساهموا جميعهم في صياغة تاريخه وإيصاله إلى ما وصل إليه اليوم.

وهذا يعني ضرورة الإقرار الواضح والصريح بوجود الأكراد كجزء عضوي من تركيبة المجتمع السوري، وبالتالي الإقرار بحضور مسألة نضالية ما زالت برسم الحل ترتبط بحقوقهم القومية المشروعة كحق المواطنة وحقوقهم الثقافية والسياسية الأخرى.

يقودنا الحديث عن الحقوق القومية، إلى الحديث عن واقع الحراك الكردي شعبيا وسياسيا في سوريا والذي اتسم تاريخيا بارتباطه وتأثره الشديدين بحراك التجمعات الكردية الكبيرة في العراق أو تركيا أو إيران.

وكلنا يتذكر حركة التطوع الواسعة لأكراد سوريا من أجل دعم البشمركة بشمال العراق قبل توقيع اتفاقية مارس/ آذار 1975، ونتذكر المناخ الذي رافق الوجود شبه العلني لحزب العمال الكردستاني بالساحة السورية في إذكاء الروح القومية الكردية وتجنيد أغلب الشباب والفتية الأكراد للقتال في جبال كردستان.

كما ساهمت الحالة السياسية لأكراد العراق قبل وبعد إطاحة الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين بدور مهم في إنعاش الحس القومي، تجلى باتساع السجالات والحوارات الدائرة منذ سنوات حول واقع الأكراد في سوريا ومستقبلهم الوطني ربطا مع ارتفاع حرارة نضالاتهم السياسية والشعبية.

فكان اعتصام العشرات منهم أمام مجلس الشعب في 10 ديسمبر/ كانون أول 2002 للمطالبة بالهوية السورية أسفر عن اعتقال قياديين كرديين، تلاه تجمع المئات من الأطفال الكرد أمام مقر اليونيسيف لنفس الغرض في يوم الطفل العالمي 25 يونيو/ حزيران 2003، واعتقال ثمانية من الكوادر المنظمة للتجمع (أحيلوا جميعهم إلى محكمة أمن الدولة العليا بتهمة الدعوة إلى اقتطاع جزء من الوطن).

وتظاهرة الأكراد في يوليو/ تموز التي جرت بمدينة حلب، ثم عرض معاناة الكرد في لقاء مع الرئيس السوري بشار الأسد خلال زيارته محافظة الحسكة، وأخيرا تجمع المئات من الأكراد والعرب أمام رئاسة مجلس الوزراء في دمشق يوم 5 أكتوبر/ تشرين أول 2003 في ذكرى الإحصاء الاستثنائي، انتهى بمقابلة رئيس الوزراء الجديد الذي وعد بالنظر في وضع المحرومين من الهوية السورية.

لكن من العدل القول إن تطور الحس القومي لأكراد سوريا لم يكن يوما على حساب ولائهم لوطنهم السوري، فإذا استثنينا قلة من الأصوات المتطرفة فإن الحركة السياسية الكردية (أكثر من عشرة أحزاب هي تفرعات لجذر واحد هو الحزب الديمقراطي الكردي) تتفق جميعها على شعارات تؤكد على الانتماء السوري وتدعو إلى تمتين أواصر الأخوة العربية الكردية والحريات العامة والديمقراطية.

لكن ما يشوب سلوكها أنها تعطي الأولوية لشعاراتها الخاصة المتعلقة برفع الظلم والاضطهاد القومي، مما رسم مسافة واضحة بينها وبين القوى الوطنية السورية التي تعتبر المسألة الكردية جزءا لا يتجزأ من القضية الديمقراطية العامة وتجد في انتصار هذه الأخيرة انتصارا للفكر القومي العربي والكردي على حد سواء.

ولعل ما زاد من اتساع هذه المسافة ودفع بعض المتطرفين العرب إلى كيل الاتهامات ضد الأكراد هو صمت غالبية القوى الكردية السورية على ما يحدث في العراق وإحجامها المقصود عن إعلان موقف من طابع الحرب الأميركية وأهدافها، وغزلها السياسي مع الحركة الكردية العراقية.

لكن ما يثير الاطمئنان حول وضوح المسار الوطني للحركة الكردية السورية ليس فقط طابع شعاراتها أو التطور الملحوظ لعلاقاتها مع الحركة الديمقراطية، وإنما أيضا قراءتها النقدية لتجربة السلطة الكردية شمال العراق والتي عجزت موضوعيا وذاتيا عن خلق حالة استقطاب حول المشروع الكردستاني، وفشلت في بناء نموذج ناجح أو مثل يحتذى، وقد أفسدتها أساليب الاستبداد والارتهان للسياسات الخارجية وصراعات تقاسم الحصص والنفوذ بين البرزاني والطالباني.

إضافة إلى أن اعتقال أوجلان وهزيمة حزب العمال الكردستاني لعب دورا كبيرا في إرساء مناخات جدية لتأكيد الارتباط الوطني وإعادة بناء رؤية جديدة حول الواقع الكردي عموما وأفق نضال الأكراد السوريين خصوصا.


إن المعاناة العربية والكردية واحدة تختصر أسبابها كلمة واحدة هي الديمقراطية كمعبر لا غنى عنه كي نواجه جميعا كافة المعضلات القومية والإنسانية
تجدر الإشارة هنا إلى انهيار الرؤية الإستراتيجية القديمة التي اعتمدتها القوى الكردية على مختلف مشاربها كي تصل إلى أهدافها القومية.

فهي إستراتيجية العمل عبر مختلف الوسائل، وخاصة الكفاح المسلح والبؤر الثورية في جبال كردستان من أجل كسر الحلقة الضعيفة من السلسلة التي تؤلف كردستان التاريخية (مرة في إيران وأخرى في العراق وثالثة في تركيا).

كما أنها إستراتيجية تغليب الغاية السياسية القومية على ما عداها وبشكل خاص على هدف النضال الديمقراطي، رغم أنه الهدف الوحيد الذي يعالج تلقائياً ويحل كل الإشكالات والمعضلات القومية مهما كانت صعبة أو معقدة.

صحيح أن نتائج الحرب العالمية الثانية ومرحلة الحرب الباردة والانتصارات التي حققتها حركات التحرر في البلدان المتخلفة بوسائل العنف الثوري، هي عوامل تفسر الحضور القوي والمتفرد للإستراتيجية السابقة الذكر في توجيه النضالات القومية الكردية، لكن الصحيح أيضا أن جديد المتغيرات العالمية كانهيار الكتلة الشيوعية وسيادة النظام العالمي الجديد أطاح موضوعيا بمثل هذه الإستراتيجية وبرهن على عدم جدواها النضالية.

ومما عزز ذلك في الخصوصية الكردية، الدروس والعبر المستخلصة من الهزائم والانكسارات التي شهدها النضال الكردي في ثوراته المعاصرة، ودور العوامل العالمية والإقليمية في إجهاض طموحه القومي بعد أن وصلت "اللقمة إلى الفم" في غير لحظة من لحظات تاريخه (جمهورية مهاباد في إيران 1946، اتفاق مارس/ آذار في العراق 1975، النجاح المميز لحزب أوجلان في تركيا فترة الثمانينيات). الأمر الذي دفع إلى الأمام رؤية إستراتيجية جديدة تعتمد أساسا النضال الديمقراطي طريقا آمنا لنيل الحقوق القومية للكرد، مما يضع الشعب الكردي وقواه الحية في صلب قوى العمل من أجل بناء مجتمع ديمقراطي في كل بلد يوجد فيه، واعتماد هذا الخيار منهجاً أكيداً وثابتاً لا مجرد عمل تكتيكي ظرفي ومؤقت.

حين يختار الأكراد المخرج الديمقراطي وتتبنى قواهم الحية هذه الإستراتيجية لحل المسألة القومية وتعقيداتها، يؤكد حقيقتين مهمتين:

الأولى: إن النضال الديمقراطي يعني بداهة في أحد وجوهه نضالاً من أجل مساواة جميع القوميات في نظر المجتمع والقانون، وهو في الحال الكردية تثبيت الحقوق المشروعة لهذا الشعب المضطهد كحقه في المواطنة وحقوقه الثقافية والسياسية، وحقه المتساوي في المشاركة في إدارة السلطة والدولة، بما في ذلك أيضاً تقرير مصيره بالوسائل والأساليب الديمقراطية.

الثانية: إن تبني الديمقراطية طريقا رئيسا لحل المسألة القومية الكردية سيعمق بلا شك حال التلاحم النضالي بين كل القوى السياسية والاجتماعية التي يوحدها هدف التغيير الديمقراطي، ويبني أواصر ضرورية من الثقة والاطمئنان بين الشعب الكردي والشعوب التي يقاسمها العيش المشترك مزيلاً عند العرب "شعور التوجس والشك" بأن الكرد يخفون وراء نضالاتهم حسابات ومصالح ذاتية ليس إلا، وأنهم يترقبون الفرصة المناسبة لتحقيقها دون اعتبار لمصلحة المجتمع الذي يعيشون في كنفه.

كما يزيل في المقابل الإحساس لدى الأكراد بأنهم كانوا جسرا عبرت فوقه أحزاب وتنظيمات نحو أهدافها السياسية الخاصة وتناست فيما بعد ما رفعته من شعارات لنصرة حقوقهم القومية، مما يقطع الطريق تاليا على مختلف الأطراف والأنظمة في اللعب بالمسألة الكردية واستخدامها كورقة ضغط في صراعاتها الإقليمية.

إن المعاناة العربية والكردية واحدة، وتختصر أسبابها كلمة واحدة هي الديمقراطية، كمعبر لا غنى عنه كي نواجه جميعا كافة المعضلات القومية والإنسانية ونتصدى للتحديات والأخطار الماثلة أمامنا في عالم لا مكان فيه إلا للشعوب المتكاتفة المتحدة.
فأن تكون قوميا حقا وأن تكون وطنيا حقا، يعني أن تكون ديمقراطيا حقا.
ــــــــــــــــــ
* كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة