ملغى   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

السلفية بين الفكر الإصلاحي والفكر التقليدي
بقلم خالص جلبي

أعظم عقبة تواجه العقل وأحفلها بالتحدي هي التخلص من فكر الآباء الذي نهانا الله عن اتباعه. " وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون". و(التحرر) منه هو التحرر مما نسجه الآباء بكل حرص وحب.
ونحن طال علينا الأمد وبقينا في رحم الآباء بدون القدرة على الولادة إلى العالم الجديد. ومعروف في الطب أن الجنين الذي يبقى في الرحم أكثر من أجله يقضي على الأم والجنين معاً.
وهناك من يظن أن (الآباء) هم آباء قريش. وأن (فرعون) هو بيبي الثاني الذي عاش في الألف الثانية قبل الميلاد. ولكن لكل ثقافة آباء. وهذا يعني أن لنا آباء يجب التخلص منهم بحرص واحترام. وكما كان لكل قرية مقبرة كذلك الحال مع الأفكار الميتة فيجب أن تدفن كما تدفن الجثث بكل أجلال.
وموقفنا من الآباء يتحدد بقاعدة "أن نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيآتهم". فهذا هو الانفكاك السليم من مشيمتهم بدون نزف قاتل. ويجب أن نعذر الآباء فهم أبناء عصرهم ونتاج بيئتهم ويمكن رؤيتهم على صورة بشرية وليس إلهية.
ولكن من هم آباؤنا؟؟؟ ..
والجواب على هذا صعب وحساس ومزعج ولكن لا مفر من الإجابة عليه؟ ويمكن القول باختصار: إنه ذلك المخزون الثقافي من تراثنا الفكري الذي لم يعد يؤدي دورا ويؤذي مثل الجثث التي تؤذي رائحتها ويجب أن تدفن وبسرعة على (السنة).
وتراثنا الفكري يعادل وضعنا الاجتماعي. والاستمرار في إنتاج هذه الأفكار يعني أن أوضاعنا المزرية سوف يعاد إنتاجها وتستمر في الوجود طالما كان نظام الفكر نشيطا يفرز أفكار الآباء بدون توقف.
ونظرا لأن أوضاعنا مريضة فأفكارنا مريضة. ومثلنا مثل مريض التيفوئيد حامل جراثيم السالمونيلا. وكما كان للأمراض (الوحدات) الإمراضية من جرثوم وفيروس. كذلك الأمراض الاجتماعية فوحداتها الإمراضية هي (الأكار). وهذا يعني أنه لا بد من تشريح الذات ولكنها من أقسى المراجعات ونحن في الواقع أمام مريض يهذي من الحمى ولكنه يرفض الاعتراف أنه مريض؟ فليس هناك أبغض على النفس من الانتقاد ولا تسكر النفس بخمر كالثناء. ونحن نثني على أنفسنا وزعماءنا في كل محفل وكل يوم وفي كل محطة فضائية ونزعق بالدم بالروح نفديك يا أبو الجماجم؟
وشخصية مثل ابن تيمية أصبحت متعالية فوق الخطأ ودون النقد ولم ينمو بعد اتجاه النقد الذاتي.
ولعل كتابي (في النقد الذاتي ـ ضرورة النقد الذاتي للحركات الإسلامية) الذي صدر عام 1982م كان من أوائل ما صدر في هذا الاتجاه. وكان أكثر من مزعج. وتمت محاربته من (الحركات) الإسلامية. والقليل من تابع هذا الاتجاه. ويفترض الكل إلا ما ندر أن مشكلتنا هي أمريكا وإسرائيل. ولكن لو خسف الله الأرض بإسرائيل ما انحلت مشاكلنا. ولم يأت النسر الأمريكي إلى أرض نينوى واوروك لولا أنه رأى جيفة؟ وفي يوم اجتمعت بمفكر إسلامي دعينا إلى قناة اقرأ لمناقشة العنف الإسلامي قبل أحداث سبتمبرفقال طالما كنا بارعين في الهدم فلنهدم إسرائيل؟ قلت له ولكن لو انهدمت إسرائيل فلن تحل مشاكلنا؟
وفلسفة ظلم النفس هي فلسفة قرآنية ولكن فكر السلف يتهم الكافرين والمارقين أنهم خلف انحطاطنا. مثل من يتهم الجراثيم أنها خلف المرض وينسى انهيار الجهاز المناعي. ونحن بهذا نعطي عقولنا إجازة مفتوحة. وعندما نزهد بالمكن ونحلم بالمستحيل نفتح الباب لتعطيل كل جهد وببراءة كاملة.
وانهيار جهاز المناعة الداخلي أدى إلى انفجار أكثر من مرض ومنها تورط الفكر السلفي بالعنف ولكننا لم نتصور أنه سيرتطم بإبراج نيويورك؟
ولعل أهم تطبيقات الفكر السلفي هي الفهم الخطير لموضوع الجهاد والقتال فخلطوا عملاً صالحاً وسيئاً. وضاع معنى الجهاد والقتال في سبيل الله معاً. واعتبروا أن سنام الجهاد هو الإطاحة بالأنظمة (الجاهلية) بالقوة المسلحة فأعادوا إحياء مذهب الخوارج. وينام أبو حمزة الخارجي حاليا مستريحا في قبره بعد أن دبت الحياة في مفاصل مذهبه الميت.
وحتى أفضل المستويات في الفكر الإسلامي التقليدي ترى أن الانقلابات العسكرية لا بأس بها إن لم تكن دموية كمن يريد عبور المحيط بدون أن يصاب بالبلل. ولا يتصورون أن الجهاد بمعنى القتال هو وظيفة دولة راشدية وليس أي دولة كما أنه ليس مهمة تنظيم مسلح. وأن الجهاد هو دعوة لإقامة حلف عالمي لرفع الظلم عن الإنسان أينما كان ومهما دان. وبذلك يتحرر مفهوم الجهاد من مزاعم السلفيين ولا يوظف للإرهابيين في كل مكان. ويصبح مبدأ يمكن التحدث به من فوق كل منبر عالمي.
ونقل السلطة السلمي عجزنا عنه ولم نقرأه إلا بعد ألف سنة مترجماً إلى اللغة الإنكليزية حينما بدأنا نقرأ حقوق الإنسان من منظمة الأمم المتحدة.
وحيث الفكر السلفي كف العقل عن الحركة ونشط العنف. ولا تجتمع الديموقراطية مع العنف إلا إذا اتحد الماء مع النار. والعالم الجديد غريب علينا مثل الجن الأزرق. لأنه عالم لم نشارك في صناعته.
ومقتل الفكر السلفي أنه يحدد فهم القرآن في عصر ورجال وتفاسير بعينها. والتفسير الفعلي ليس العصر والرجال بل آيات الآفاق والأنفس. وهو مرجع القرآن. والقرآن طلب بذاته السير خارج القرآن فقال: سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق؟
وأي صخرة أدل على نفسها من كل كلام كتب حولها من أي مصدر لأنها كلمة الله الأخيرة والنص الأصلي. وكل كلام يختلف حوله الناس بضع وسبعون شعبة. وهي مشكلة النسخ الإسلامية فالمسلم البوسني غير الأفغاني والماليزي غير العربي. في طيف يصل إلى حد الفوضى والتناقض فيضم الترابي وعزت بيجوفيتش وبن لادن وشحرور ومحمد عنبر وجمال قطب والقرضاوي وجودت سعيد.
ومن أعظم مقاتل الفكر السلفي انفكاك النص عن الواقع. ولا يمكن لأي كلام أن يرسخ وينمو بدون جدلية تفاعل النص مع الواقع. والطبيب الذي يعيش على كتبه النظرية لا ينجح في علاج أبسط الأمراض. والعكس بالعكس حينما يغرق الطبيب في العمل فلا يقرأ فيتحول إلى ممرض مهني ومن النوع السيء مع الوقت. ولذا عمدت الهيئئات الطبية على تنشيط المؤتمرات وإيقاظ عقول الأطباء بالمعلومات الجديدة.
وللدخول على أي حقل معرفي لا بد من الأدوات المعرفية. ولفهم النص القرآني لا بد من استخدام العلوم الإنسانية المساعدة. فلا يمكن فهم القرآن بتفسير ابن كثير كما لا يمكن اليوم فتح جمجمة لاستئصال ورم سحائي بأدوات فرعونية. وهذا ليس انتقاصاً من جراحي الفراعنة أو ابن كثير لأنهم أولاد عصرهم ونتاج بيئتهم. ولذا يجب تسليط أشعة الليزر الفكرية لمعالجة النصوص كما يعالج قصر البصر اليوم فيستغنون عن النظارات.
واليوم ولدت تقنية جديدة في ترجمة النصوص عن طريق الكمبيوتر مباشرة بدون قواعد النحو والصرف وصرف البنتاغون بمشروع (تايدس Tides) 22 مليون دولار عام 2003م من اجل التركيز على فك أسرار اللغة العربية من خلال تلقيم الكمبيوتر بـ 150 مليون كلمة عربية ودراسة أي نص عربي وترجمته في دقائق. وكان قصدهم التجسس لحل مشكلة الإرهاب ولكنهم بعملهم هذا قاموا بنقل القرآن إلى كل اللغات فسخرهم الله إلى نشر كلمته من حيث لا يدرون.
ونحن حتى اليوم لم نفهم أن مشكلة التوحيد ليست تيولوجية بل سياسية. أن لا يتخذ الناس بعضهم بعضا أربابا من دون الله. وهي ورطة العالم الإسلامي حاليا فقد عادت الأوثان إلى بلاد العربان. ولكن بين المسلمين وهذا الفهم سنة ضوئية.
وهذا المرض هو الذي أضاع الخلافة الراشدية قديما ونجح الانقلابيون الأمويون في تحويل الرشد إلى غي والخلافة إلى ملك بيزنطي. وهي نصف المشكلة فالأمراض تحدث مع الجميع ولكن استمرار المرض يعني السرطان أو الموت. وهو الذي قاد الحضارة الإسلامية إلى الموت. والعالم العربي اليوم مثل الجثة المتفسخة تمشي باتجاه التحلل يتناوب على افتراسها 500 صنف من الدود والذبان من كل صنف زوجان.
وموت أمة لا يعني موت الإسلام. والإسلام هو مجموعة قيم قابلة للتحقق. وأي أمة التزمت بقدر من هذه القيم حققت الإسلام بهذا القدر. وكندا اليوم أقرب إلى الإسلام من صوماليا وجزر القمر.
وماهر عرار اليوم أنقذه الكنديون من غيابات الجب من يد أهله الذين ساموه الخسف والهوان. حيث اجتمع في أقبية المخابرات التي تذكر بالقبور مع من ألقي القبض على من يفتح الانترنيت ليقرأ مقالة للمعارضة.
وباختصار فإن الفكر السلفي يرى أن الرجوع إلى الخلف يعني المشي إلى الأمام. والفكر السلفي يرى أن فهم القرآن يزداد وضوحا كلما غصنا أكثر في مغارة الماضي. وهكذا فتفسير الطبري أفضل من القاسمي والقرطبي أفضل من رشيد رضا. والفكر السلفي يرى أن فهم السلف هو مفتاح الدخول لأسرار القرآن مثل من يريد إجراء عملية فتق بأدوات الزهراوي. مع أن السلف هم الذين أضاعوا الخلافة الراشدة بحرب أهلية طاحنة. وتحول التاريخ الإسلامي إلى مسلسل محموم من قنص السلطة الدموي ومحاولة شرعنته بالسيف كما جاء في قصة أبي ليث الصفار الذي زحف بالحرافيش والزعر والأوغاد إلى بغداد للاستيلاء على كرسي الخلافة فحذره البعض من بيعة الخليفة فسحب سيفا ملفوفا بخرقة ثم لوح به أمام العيارين وقال هذا ما أجلس الخليفة في بغداد على طست الملك فعهدي وعهده واحد.
ويذكر موقف السلفيين بنكتة الذين ركبا قطاراً وفي الوقت الذي كان الأول يتأمل مناظر الطبيعة كان الثاني يتقلب في مكانه غير مرتاح. فلما وصل القطار إلى المحطة الأولى تنهد بحسرة. فلما وصل القطار إلى المحطة الثانية ازدادت حسرة الثاني وتنهداته وارتسم القلق على وجهه. فما وصل القطار إلى المحطة الثالثة قام منتصباً وقد تملكه الرعب. قال له صاحبه: يا صديقي أنت لا تزداد إلا قلقا وتعبا مع كل محطة نتجاوزها فما قصتك؟ أجابه الأول: وكيف لا أقلق وأنا أكتشف مع كل محطة نصل إليها أنني امشي في الاتجاه المعاكس ؟ صاح به: فلماذا لم تنزل في المحطة الأولى وتغير اتجاهك؟ قال: لقد اشتريت التذكرة والمقعد مريح ثم ما الذي يدريك هل سأعثر على القطار الآخر؟
والفرق بين السلفيين وهذه القصة آن السلفي مطمئن تماما أنه في الاتجاه الصحيح فهو مطمئن مخدر حتى يفاجيء بالزلزال.
وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة