المشروعات الكبرى في مصر والتسلطية الجديدة   
الثلاثاء 10/7/1436 هـ - الموافق 28/4/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:46 (مكة المكرمة)، 13:46 (غرينتش)
عبد الفتاح ماضي


ملابس الاستبداد
قتل السياسة
تخدير العقول
منظومة دولية

يهتم هذا المقال بفهم حقيقة سيل المشروعات الكبرى التي يعلن عنها بمصر، في ظل صراع سياسي حاد وغياب تام للمؤسسات السياسية المنتخبة. ويطرح المقال الأسئلة التالية: كيف يمكن فهم كل هذا الكم من المشروعات الكبرى من مشروع المليون وحدة سكنية إلى مشروع العاصمة الجديدة، ومن مشروع استصلاح مليون فدان زراعي إلى جهاز معالجة الإيدز، وغير ذلك من وعود ومشروعات؟

وكيف يمكن تفسير ملء الفضاء الإعلامي بكل هذا الضجيج والتضخيم والسجال المصاحب لهذه المشروعات؟ وهل الأمر عشوائي أم هو جزء من منظومة جديدة للحكم؟

إن ملاحظة الواقع المصري (وما يفرزه من أقوال وممارسات وتسريبات وتحالفات) تقدم لنا بعض الأمور التي قد تعيننا على فهم هذه الأسئلة، وليس بالطبع تقديم تفسير علمي لها في ظل هذا الكم من التناقضات ومن المعلومات المتضاربة، كما أن عالم السياسة مليء بالقرارات التي تستند إلى العشوائية في التدبير والقصور في فهم الواقع وتعقيداته.

ملابس الاستبداد
عرف الاستبداد منذ فجر البشرية العديد من الأشكال والصور، فالعقل البشري قادر على إنتاج الجديد والجديد ضمن إستراتيجيات بقاء الاستبداد واستمراره.

هناك صعود واضح لنظم الحكم التسلطية والشمولية، فالحكام الذين يصلون إلى الحكم بطرق غير ديمقراطية ولا يحظون بشرعية شعبية حقيقية، يرتدون ملابس جديدة لتقنين نمط حكمهم الاستبدادي، مستخدمين أنماطا مختلفة من القمع والتعبئة والحشد

ورغم النجاح النسبي لموجات التحول الديمقراطي التي بدأت في سبعينيات القرن الماضي وامتدت إلى التسعينيات، فإن هناك حالات فشلت أو استعصت على التغيير في روسيا والصين وفنزويلا والكثير من دول جنوب شرق آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء. كما أن الموجة التي يشهدها العالم العربي منذ نهاية 2010 تكالبت عليها أطراف عدة داخلية وإقليمية ودولية، أدخلت المنطقة في حروب أهلية أو صراعات سياسية حادة.

واليوم هناك صعود واضح لنظم الحكم التسلطية والشمولية، فالحكام الذين يصلون إلى الحكم بطرق غير ديمقراطية ولا يحظون بشرعية شعبية حقيقية مستمدة من صناديق الانتخاب الديمقراطي الحقيقية، يرتدون ملابس جديدة لتقنين نمط حكمهم الاستبدادي مستخدمين أنماطا مختلفة من القمع والتعبئة والحشد.

هذه الأدوات الجديدة لا تتعارض من ناحية الشكل مع الديمقراطية ومفرداتها، كما كانت الشمولية مثلا، كما أنها لا تقدم بدائل واضحة لنمط حكم مختلف عما تطالب به شعوب عدة.

ولهذا تتمسك تلك النظم بمفردات الانتخابات والديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن بعد تفريغها من محتواها.

قتل السياسة
لمنظومة التسلطية الجديدة أداتان رئيسيتان على الأقل: الأولى خنق الحياة السياسية تدريجيا، بما يؤدي في النهاية إلى مجتمع بلا سياسة، وعزل الطبقة الحاكمة والطبقات المتحالفة معها عن بقية الشعب.

وفي مصر تحديدا، لا يتم هذا فقط من خلال قمع المعارضين ووضع منظومة قانونية مقيدة للحريات والحقوق ومعيقة للعمل الحزبي والأهلي والمدني ومدمرة للحريات الأكاديمية وإيجاد نخب وتحالفات موالية، وإنما يتم أيضا من خلال -أولا- القفز على الصراعات الداخلية وتجاوز القضايا الحقيقية المتصلة بإعادة وحدة المجتمع وتقويته وبناء دولة القانون والمؤسسات والشفافية والمحاسبة، ومن خلال -ثانيا- الإعلان عن وعود ومشروعات كبرى، دون دراسات جدوى حقيقية، ودون نقاش مجتمعي حقيقي، ودون ترتيب الأولويات ضمن رؤية مدروسة ومعلنة.

ولهذا يرى الكثيرون أن الهدف من هذه المشروعات تحديدا هو خلق طبقات جديدة تعيش في تجمعات راقية منعزلة عن الجموع الغفيرة من الشعب في المدن والقرى التي لا إرادة ولا قدرة لدى الحكومة في معالجة مشكلاتها.

أما فكرة أن هذه المشاريع الكبرى ستوفر أكثر من مليون فرصة عمل، فهي فكرة رأسمالية وعنصرية وقصيرة النظر لأنها تقوم على الاستفادة من قوة العمل الرخيصة في بناء تجمعات راقية ومنشآت للترفيه والتسوق تخدم طبقة محدودة، بدلا من الاستفادة من القوة البشرية والإمكانات المتاحة في بناء مشاريع وقوى إنتاجية حقيقية في قطاعات الصناعة والزراعة والتقنية والبحث العلمي، كما تخبرنا أبجديات الاقتصاد.

ولهذا فوجئ المصريون جميعا بمشروع ضخم -هو مشروع العاصمة الجديدة- يعرض على المستثمرين والممولين الخارجيين وفي لقاء لجمع مساعدات للاقتصاد المصري، وفوجئوا أيضا بتوقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات بين الدولة وشركات أجنبية، ثم ظهر سيل من التصريحات الرسمية المتضاربة حول المشروع، تماما كما حدث مع مشروعات أخرى.

بعد امتصاص صدمة استخدام الشباب شبكة الإنترنت وأدوات التواصل الاجتماعي في حشد الجماهير ضد الفساد والاستبداد، تستخدم الحكومة الآن ذات الأدوات لتشويه مطالب الفئات ذاتها والالتفاف على مطلب محاربة الفساد، وترسيخ نوع جديد من التسلطية

لم يناقش المشروع الحالي ولا المشروعات السابقة لنقل العاصمة مع الشعب، ولم تتبع كافة الطرق القانونية والمتعارف عليها لإبرام العقود مع الدولة. كما لم يتم تقييم مصير المدن الجديدة التي أقيمت خلال العقود الثلاثة الماضية والتي يزيد عددها عن العشرين والتي يقطنها نحو مليون إنسان فقط، بعدما انتهت إما إلى مساكن لطبقة قادرة ماليا، أو إلى مساكن عشوائية أو خالية من السكان في ظل العشوائية وتناقض سياسات الدولة ونقص البنية التحتية.

ولم نسمع من الحكومة أي إشارات لاهتمامها بالمخاطر الفنية المتصلة بمخطط العاصمة الجديدة والتي أثارها العديد من المتخصصين في بناء المدن من جغرافيين وطبوغرافيين ومعماريين واقتصاديين وغيرهم.

ولم نشاهد بالطبع أي رؤية سياسية أو عقولا مدبرة تهتم بترتيب الأولويات ومناقشة سياسات دولة حقيقية حول إمكانية صرف المبلغ الضخم المخصص للمشروع (وهو نحو 300 مليار دولار في دولة ناتجها القومي 262 مليارا حسب البنك الدولي عام 2013) على مشروعات إنتاجية حقيقية وبدراسات جدوى علمية، أو تحسين الخدمات في كافة المدن والقرى الأخرى وفي الارتقاء بمستوى الفقراء وسكان المقابر والعشوائيات، أو وضع منظومة جديدة لإصلاح قطاعات حيوية كالمواصلات والتعليم والصحة.

تخدير العقول
الأداة الثانية لهذه المنظومة تتصل بتخدير العقول، لا لكسب الحلفاء في الأساس كما كانت النظم التسلطية والشمولية القديمة، وإنما لشغل الناس دوما بمشروعات كبرى أو قضايا هامشية وصرف انتباههم عن الصراعات الداخلية والقضايا الأساسية التي خرجت الملايين من أجلها (الكرامة والحرية والعدالة ومحاربة الفساد والاستبداد).

وهنا يأتي دور الإعلام في القيام بعدة أدوار، أهمها إيجاد مناخ عام يسوده الخوف وتسيطر عليه خطابات المؤامرة وتضخيم المخاطر الداخلية والخارجية تحت مسمى محاربة الإرهاب، فضلا عن استناد الخطاب -في ظاهره- إلى ما يسمى "هيبة الدولة" أو "إعادة الانضباط والاستقرار"، لكنه -في جوهره- إقصائي تخويني ويهدم المجتمع بمؤسساته المختلفة.

وهذا الدور ليس جديدا، فأبجديات العلوم السياسية تؤكد لنا أن الأنظمة التسلطية والشمولية تعتمد دوما على هذا الخطاب حتى توفر المبررات لمطاردة المعارضين واتهامهم بالولاء لجهات خارجية، بينما تعتمد هذه الأنظمة على ممولين وداعمين سياسيين خارجيين جهرا وسرا.

وفي مصر يتم استخدام هذه الأداة، فبعد امتصاص صدمة استخدام الشباب والحركات الاجتماعية شبكة الإنترنت وأدوات التواصل الاجتماعي في حشد الجماهير ضد الفساد والاستبداد، تستخدم الحكومة الآن ذات الأدوات -بجانب استخدام الفضائيات العامة والخاصة- لتشويه مطالب الشباب والحركات المجتمعية والالتفاف على مطلب محاربة الفساد، وترسيخ نوع جديد من التسلطية. وهنا تُستخدم كل الأدوات التقليدية في الحشد والتعبئة النفسية وغسيل المخ، والاستفادة أيضا من التقنية الحديثة في الرقابة والمتابعة واختراق المواقع وحجبها.

وفي هذا الإطار يمكن فهم تشويه بعض المشروعات السابقة بحجة أنها كانت تبيع مصر، ثم إعادة الترويج لذات المشاريع بعد تعديلات طفيفة على أنها مشاريع وطنية. كما يمكن فهم الاستمرار في شيطنة كل المخالفين في الرأي وتخوينهم وترويج الشائعات والمخالطات، وفهم دعوة بعض الإعلاميين الناس إلى عدم الاهتمام بالسياسة والعودة إلى الاهتمام بالكرة والفن، وملء المجال العام بالكثير من السجال والجدل حول قضايا هامشية أو أحداث عرضية.

منظومة دولية
تجدر الإشارة أخيرا إلى أن ما يتم في مصر أمر صار شائعا وسط الدول التسلطية والشمولية، في ظل تشرذم القوى المطالبة بالديمقراطية من جهة، وفي ظل أزمات الديمقراطية وعدم الاهتمام بإيجاد حلول خلاقة لنقاط التوتر بين أولويات وأوضاع الدول المختلفة وبين القيم والمؤسسات الديمقراطية من جهة ثانية، وفي ظل سياسة المعايير المزدوجة التي تمارسها الديمقراطيات الغربية والمؤسسات الاقتصادية الدولية تجاه الجنوب من جهة ثالثة.

ما يتم في مصر أمر صار شائعا وسط الدول التسلطية والشمولية في ظل تشرذم القوى المطالبة بالديمقراطية من جهة، وفي ظل أزمات الديمقراطية وعدم الاهتمام بإيجاد حلول خلاقة لنقاط التوتر بين أولويات وأوضاع الدول المختلفة وبين القيم والمؤسسات الديمقراطية من جهة ثانية

ففي روسيا والصين وفنزويلا والكثير من الدول الأفريقية، يتم قتل السياسة بالفعل وإفساد كل المحاولات الرامية إلى تقوية المؤسسات والقانون والشفافية، دون تقديم نمط حكم بديل لصالح الشعوب. ويمتد نفوذ هذه الدول إلى خارج الحدود، فهناك تنسيق بين هذه الدول في المحافل الأممية وفي المنظمات الحقوقية الدولية، وهو تنسيق يستهدف في الأساس حماية هذه النظم المستبدة وعرقلة كل الجهود أمام دولة القانون والمؤسسات والشفافية.

كما يمتد نفوذ روسيا والصين إلى دول الجوار ومناطق نفوذ أخرى، فروسيا تؤثر في جورجيا وأوكرانيا ومولدوفا وفي الشرق الأوسط بالطبع، والصين تؤثر في محيطها وفي أفريقيا وغيرها.

وتحتل الأداة الدعائية والإعلامية مكانا محوريا في هذه الجهود، فبجانب الأذرع الخارجية العسكرية والاقتصادية لكل من روسيا والصين، تلعب الأداة الدعائية دورا مهما في ترسيخ نمط للحكم معادٍ للشعوب وحقوقها. ففي روسيا تم رفع ميزانية الإنفاق على الدعاية بأكثر من 40% في السنوات الأخيرة، وصارت شبكة التلفزيون الحكومية "آر.تي" تبث بعدة لغات وتصل إلى ملايين البشر، كما تضاعفت ميزانية وكالة الأنباء الرسمية. وللصين شبكة تلفزيونية "سي.سي.تي.في" تبث بلغات منها العربية، كما أن وكالة الأنباء الرسمية تتوسع، وهناك تواجد قوي للصين في أفريقيا.

لا أعتقد أن هذه الأدوات والأدوار ستنجح في ترسيخ أقدام هذه النظم واستمرارها لفترات طويلة، فلا يمكن قتل السياسة إلى الأبد، ولا يمكن الاستمرار في الضحك على الشعوب طوال الوقت في عصر السماوات المفتوحة. وفشل هذه الأنظمة حتى الآن في تقديم بديل سياسي برؤية وعقيدة سياسية متسقة وببرامج عمل محددة، يعني أن مشروعها قصير العمر.

لكن في المقابل لابد أن يكون هناك بديل، أي لابد أن تتكتل القوى ذات المصلحة في حكم القانون ودولة المؤسسات، وتتجاوز خلافاتها العدمية، وتتفق على الحد الأدنى المشترك، وتقدم رؤى محددة وبرامج عمل مناسبة.

وفي مصر تحديدا، يتراكم الغضب كل يوم وتتسع المساحات التي يتم فيها انكشاف حقيقة الأمور. وإذا استمرت الأمور على هذه الحال، فسيأتي يوم تنفجر فيه الأوضاع من جديد وتدخل البلاد في متاهات جديدة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة