قانون مكافحة الإرهاب في الأردن.. لعب ضائع   
الاثنين 1427/8/4 هـ - الموافق 28/8/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:12 (مكة المكرمة)، 13:12 (غرينتش)
توجان فيصل

أي مقاربة لما يسمى بقوانين مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تكون "قانونية" بحتة, بل لابد أن تكون سياسية أولاً, لأن أهداف هذه القوانين سياسية أولاً, وما تغليفها بمسميات قانونية إلا محاولة لإضفاء نوع من الشرعية على ما لا شرعية له.

فمن سمات القوانين -ابتداء- "الثبات", بمعنى ألا تصدر تشريعات طارئة لخدمة أهداف أو معالجة قضايا طارئة فتلك تكون معالجة "سياسية" وليست تشريعية. وهي معالجة قد تلزم, ولهذا وضع في كافة الدساتير باب طوارئ في حالات الضرورة يجيز إصدار "قانون دفاع" عن الوطن, أو بأبعد من هذا بإعلان "الأحكام العرفية" وإصدار "تعليمات أو قوانين طوارئ"، وفي الحالتين يتم تجميد العمل بعدد محدد من القوانين السارية المفعول, حيث يلزم.

"
مشروع قانون مكافحة الإرهاب يقع في ثلاث صفحات و11 مادة فقط, فكيف يمكن أن تحيط تلك المواد  بجرائم الإرهاب التي يتم الزعم بأن ما يقارب الخمسمائة مادة من قانون العقوبات الأردني لم تقدر عليه بل ولا يمكن أن تقدر عليه ولو عدلت مواده أو أضيف إليها؟!
"
ولكن هذه -كما تبين التسميات في الدساتير- تقتضي وجود ظروف استثناية "للدفاع عن الوطن" لا أقل, وتتوقف فور زوال السبب. ولكن مسؤولية كل من قام بتنفيذ تلك الأحكام, من سياسيين ورجال أمن وصولا للقضاة أنفسهم, تظل قائمة إلى أن يصدر البرلمان قانوناً يعفي هؤلاء من المسؤولية.

أما أن تصبح حالة الطوارئ حالة دائمة -ناهيك عن زعمها ابتداء- و"تثبيت" كل هذا بقوانين تحت مسميات جديدة تعطي لجهات بعينها صلاحيات تتضمن تجاوزات على الحقوق الدستورية للمواطنين فذلك ليس من "التشريع" في شيء!!

ولكننا سنقف قليلاً عند مشروع "قانون مكافحة الإرهاب" المعروض على مجلس النواب الأردني. ونشير أولا إلى أن كامل هذا القانون الذي سيحاكم الناس بتهم لا أقل من "الإرهاب" يقع في ثلاث صفحات وإحدى عشرة مادة, بما فيها المواد "الروتينية".

فكيف يمكن لأقل من عشر مواد أن تحيط بجرائم الإرهاب التي يتم الزعم بأن ما يقارب الخمسمائة مادة من قانون العقوبات الأردني لم تقدر عليه بل ولا يمكن أن تقدر عليه ولو عدلت مواده أو أضيف إليها ؟!

أم أن الخشية هي أن ينكشف غياب "عنصر الثبات" الذي يلزم لأي "قانون" يستحق هذه التسمية, حين تبدو المواد المضافة أو المعدلة كلها هجينة غريبة الملامح, إن لم تتسبب في تناقضات جذرية في صلب قانون العقوبات ذاته المبني على الراسخ من التشريع والاجتهاد في قوانين العقوبات كلها عبر خبرة أمم العالم المتحضر؟!

وبمناسبة الحديث عن التناقضات.. المادة الرابعة من القانون تنص على أنه يجوز لمدعي عام محكمة أمن الدولة, في حالة "وقع الاشتباه بأن لأحد الأشخاص علاقة بنشاط إرهابي وكان هذا الاشتباه على أساس يبرر ذلك (لاحظوا الصيغة العائمة) أن يصدر أيا من القرارات التالية: فرض الرقابة على محل إقامة المشتبه به وتحركاته واتصالاته ومنعه من السفر، وتفتيش مكان تواجده والتحفظ على أي شيء له علاقة بنشاط إرهابي، والحجز التحفظي على أية أموال يشتبه بعلاقتها بنشاطات إرهابية لمدة ثلاثة أشهر ولمحكمة أمن الدولة تمديدها لمدة مماثلة".

ذات المادة تكمل فقراتها بالنص على أنه يجوز للمشتبه به أن "يتظلم" من هذه القرارات سالفة الذكر لدى محكمة أمن الدولة ذاتها بالطعن لديها "خلال ثلاثة أيام من تاريخ تبليغه" في هذه القرارات, أو تمييزها لدى محكمة التمييز إن رفض تظلمه, أو إن قام مدعي عام تلك المحكمة بتمديد الفترة كما هو منصوص أعلاه, وتكون قرارت التمييز هنا قطعية!!

هنا يبدو وكأن هنالك رقابة على أحكام هذه "المحكمة الاستثنائية العسكرية" التي أعطيت صفة الديمومة منذ عام 1993 بقانون آخر غير دستوري, وسمح لها بمحاكمة مدنيين في الأغلب, وكل هذا بتوقيع مجلس قيل إنه يمثل الشعب.

بل واشترط -أو بالأحرى جرى ابتزاز ذلك المجلس- لإلغاء الأحكام العرفية أن يقر مجلس النواب ذاك "قانون محكمة أمن الدولة" والعذر المزعوم هو "ألا يكون هنالك فراغ تشريعي"!! أي أن الأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية العسكرية أصبحت هي القاعدة وليس الاستثناء عندنا, هكذا جهارا نهاراً ورغم أنف الدستور وفقهائه الذين يصرخون جميعاً الآن, وإلى جانبهم كامل الجسم السياسي, مطالبين بإلغاء تلك المحكمة لعدم دستوريتها بينما الحكومة تتحدى طلبهم هذا بتوسيع مطرد لصلاحيات تلك المحكمة بإعطائها صلاحيات حصرية لتطبيق قانون "منع الإرهاب"!

"
لأن العقل يعجز عن إيجاد مبرر للتناقض الذي وقع فيه مشروع الحكومة لمكافحة الإرهاب, فإن التفسير الوحيد له هو أنه درس مستخلص, دونما أي ذكاء, من تجربة بوش مع "تعليمات" المراقبة السرية التي أصدرها بذات ذريعة مكافحة الإرهاب 
"

يراد أن يبدو أن هنالك رقابة وضبطا لما سيجري للناس باسم مكافحة الإرهاب.. ولكن المادة التالية, المادة الخامسة من "مشروع قانون مكافحة الإرهاب" تنص على أنه "تنفيذاً لأحكام هذا القانون للأجهزة الأمنية (مديرية الأمن العام ودائرة المخابرات العامة ومديرية الأمن العسكري وأي جهة أخرى ذات اختصاص أمني- حسب تعريف القانون بالحرف الواحد) القبض والاحتفاظ بالمشتبه به لمدة لا تتجاوز أسبوعين, ويجوز للمدعي العام تمديدها لمدة مماثلة ولأسباب مبررة".

وهنا لا يملك المتضرر من قرار اعتقاله هو, أي "المحجوز" بل و"المصادر" بلحمه ودمه و"المراقبة" كافة تحركاته عبر كاميرات سجن والمقننة عبر طوابير سجانين هذه المرة, حق "التظلم" من أو "الطعن" في هذا القرار بمثل ما يطعن في مصادرة بعض مقتنياته أو مراقبة محل إقامته أو الحجز على أمواله! بل إن تقدير "الأسباب المبررة" لتمديد سجنه, كما الأسباب المبررة أساسا للاشتباه به, متروكة لمدعي عام أمن الدولة وحده.

هذه هي نظرة هذا القانون وواضعيه "لحرية" الإنسان التي "ولد بها" وكفلها له الخالق قبل أن يكفلها أي تشريع من قانون أو دستور!!

ولأن العقل يعجز عن إيجاد مبرر لهذا التناقض الذي وقع فيه مشروع الحكومة, فإن التفسير الوحيد له, هو أنه درس مستخلص, دونما أي ذكاء, من تجربة بوش مع "تعليمات" المراقبة السرية التي أصدرها بذات ذريعة "مكافحة الإرهاب", وتكشف أمر هذه التعليمات والضجة الكبيرة التي حدثت باعتبار هذا خرقا للحقوق المدنية وخصوصية المواطن الأميركي المصانة في الدستور, فاضطر الرئيس الأميركي للتراجع عنها!!

وها نحن نسد الباب الذي تأتي منه الريح ونستريح, لأننا على عكس الإدارة الأميركية ذاتها, نسمح بالتظلم أو الطعن في المراقبة فقط, وليس من الاحتجاز والسجن!! ولن نخوض هنا في نتائج التظلم أو الطعن المتوقعة حسب معرفتنا بل وخبرتنا!! ولكن سؤالاً يفرض نفسه هنا: قرار حجز الأموال سيعرف فوراً لهذا لابد أن يبلغ, وقرار منع السفر سيعرف أيضاً عند محاولته السفر, ولكن هل سيتم تبليغ المشتبه به بقرار "مراقبة محل إقامته وتحركاته ووسائل اتصالاته"؟؟ إضافة لما يوحي به هكذا قانون لأي عاقل.

أنا شخصياً عندي اعتراف رسمي (بل وأكثر من اعتراف وبينة موثقة ضمنتها مذكراتي) بأن مكالماتي وأنا نائبة منتخبة للأمة, وكذلك مكالمات نواب آخرين وحتى وزراء بحقائب سياسية مهمة, كانت مراقبة, دونما حتى "زعم" من الأجهزة الأمنية أو من المحاكم العسكرية بأن هنالك شبهة بارتباطنا بأي نشاط إرهابي.. بل كانت شهادات, ومراراً مدائح, الوطنية تكال لنا عند كل لحظة حقيقة, وهذه أيضا موثقة بلسان من رحلوا ومن خلفوا ومن بقوا!

ويبقى السؤال الأهم هو التالي: ما دام أمكن إبقاء الأحكام العرفية -التي أعلنت دونما وجود حرب أو خطر خارجي بل وفي اختلاق حرب داخلية مع إجماع وطني على برلمان وحكومة أغلبية نيابية- لأكثر من خمسة وثلاثين عاما الثلاثة أو الأربعة الأخيرة منها تزامنت مع ما زعم أنه "عودة الديمقراطية".

وما دامت الحكومات تقوم, عبر محكمة أمن الدولة والأجهزة الأمنية ذاتها, باعتقال ومحاكمة من تشاء وبأي أعذار وصولاً لنواب أمة منتخبين وذوي حصانة, بل وتمنع من لا تريد وصوله لمجلس النواب بمنع ترشيحه ابتداء غير مكتفية بالتزوير الذي غدا تراثاً يتسامر به المسؤولون مع الشعب ويدلون به لكتب التاريخ كي لا يغيبوا عنها.

ومادامت حللت ما شاءت وحرمت ما شاءت بما يقارب المائتين وأربعين قانوناً مؤقتاً غير دستوري يحكم بها واضعوها البلد منذ خمس سنوات رغم أنف الدستور ورغم زعم تغير الحكومات, إلا ما رغبوا هم في أخذ توقيع مجلس النواب عليه ومتى وكيف شاؤوا.

وحين تغني المحاكم النظامية الحكومة عن اللجوء للمحاكم الاستثنائية إلى حد أن المحكمة المنصوص في "قانونها" على "اختصاصها" في النظر دستورية القوانين المؤقتة ووقف العمل بها, ترد كافة القضايا التي رفعت لها بـ"عدم الاختصاص"!!

"
ما يلزم الحكومة كي تتقدم للأمام أو تعيش لغد, هو أن تعود للوراء ست سنوات ونصف حيث يقف الشعب بأسره -وليس هذا المجلس المرفوض من الشعب- لا يحيد.. لا أن تذهب للحج وأميركا ليست عائدة منه فقط, بل وغيرت قبلتها
"
ما دام كل هذا متاحا, فما حاجة الحكومة لقانون من ثلاث وريقات تنزع ورقة التوت عن مزاعم الديمقراطية والحرية, وعن مجلس باتت استطلاعات رأيها هي (أي الحكومية) تقول إن الغالبية الساحقة للشعب الأردني تدينه بقدر ما تدين الحكومة, لولا خشية من انتقام الحكومة إن "انتقدوها"؟؟!! ما الذي لم تفعله الحكومة أو الحكومات من قبل ولا تفعله الآن, وسيتيح لها هذا القانون أن تفعله؟!

الجواب في أحد احتمالين أو في كليهما معاً: إما أن تكون أميركا, وبكل ما بان من سذاجة وفجاجة إدارتها الحالية في فرض وصفاتها الفاشلة, قد فرضت على الحكومة تحديداً إصدار قانون اسمه "مكافحة الإرهاب", بغض النظر عما يقدمه أو يؤخره.. أو تكون الحكومة تريد أن تغطي سياساتها المتوارثة والمتفاقمة بجبروت أميركا لتطيل عمرها قليلاً, غير عالمة أو عابئة بكونها بهذا لا تقصّر فقط, بل تقصف عمر مشروع أميركا في المنطقة!!

وفي كلا الحالين, وبالذات إن اجتمع الحالان, فإن قصر النظر على الجانبين لا يفوقه سوى قصر الفترة المتبقية للإدارة الأميركية الحالية, ولمرحلة من الجنون والعبث السياسي استهلكت نفسها في داخل أميركا وخارجها, ومؤشر المرحلة القادمة يمكن قراءته من الكونغرس, المسلطة عيونه جيداً على الشارع الانتخابي هذا الخريف, كما على أكثر من انتخابات رئاسية قادمة تداعب أحلام أكثر من عضو قيادي هناك.

والكونغرس حين رفض إعطاءنا المعونات الموعودة من الإدارة, أرفقها -وهذا يؤشر على مما هو أبعد من تلك المعونات- باثنين وعشرين مطلباً إصلاحياً, عشرون منها على الأقل تتطابق مع مطالب المعارضة (حكومة ومجلس نيابي كلاهما "منتخب" بنزاهة, تقليص دور مجلس الأعيان, مكافحة الفساد, وقف تغول محكمة الدولة أو إلغاؤها, الحريات الصحفية والنقابية والحزبية..)

وأهمها يكاد يكون مأخوذاً عن مبادرة القوى الوطنية للإصلاح التي أطلقناها في بداية عام 1999 وتقبلها القصر بترحاب حينها, ولم يعارضها سوى الإسلاميين (ولكنهم عادوا وتبنوا معظمها في مبادرة منفصلة لهم حين تبناها الكونغرس) الذين يزعم أن مكافحة الإرهاب تستهدفهم, وبضع رجال مخابرات أعطوا منابر صحفية, ومنها تسلل بعضهم لمنابر أهم.

بمعنى أن ما يلزم الحكومة, كي تتقدم للأمام أو تعيش لغد, هو أن تعود للوراء ست سنوات ونصف حيث يقف الشعب بأسره -وليس هذا المجلس المرفوض من الشعب- لا يحيد.. لا أن تذهب للحج وأميركا ليست عائدة منه فقط, بل وغيرت قبلتها, بغض النظر عن أسبابها!!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة