هل يقترب سنة العراق من قبول مشروع الفدرالية؟   
الخميس 1429/1/17 هـ - الموافق 24/1/2008 م (آخر تحديث) الساعة 17:18 (مكة المكرمة)، 14:18 (غرينتش)
فاضل الربيعي


حتى أسابيع قليلة فقط من نهاية العام الماضي، كان هناك طرفان من بين الأطراف الثلاثة الرئيسة التي تقود العملية السياسية في العراق، يناديان علنا بما يدعى الحل الفدرالي. هذان الطرفان هما الأكراد والشيعة.

"
الأميركيون ما زالوا يتكتمون حتى الآن على حقيقة أهدافهم من احتلال العراق، ولكنهم في الآن ذاته لا يخفون رغبتهم في دفع كل الأطراف إلى القبول بالأمر الواقع الجديد بسرعة، وقبول فكرة أن العراق القديم لم يعد موجودا، وأن عراقا آخر في طريقه إلى التشكل وأن عليهم اتخاذ قرارات صعبة
"
أما أهل السنة فقد واصلوا بإجماعهم المذهبي والسياسي تقريبا، رفضهم هذا الحل ومقاومة فرضه "مهما كلف الثمن"، حسب الكثير من البيانات والمواقف. وبالطبع لم يجرؤ أي طرف يزعم تمثيل "أهل السنة" على التصريح بكلمة واحدة، يمكن أن تفيد قبول مشروع "الفدرالية السنية" بغرب العراق.

اليوم، يبدو أن الأطراف الثلاثة مجتمعة، ممثلة بأحزابها وبمزاعم تمثيلها لما يدعى مكونات الشعب العراقي، باتت على استعداد أكبر من ذي قبل للتوجه جماعيا وبقوة وبخطى حثيثة أيضا، صوب إقامة فدراليات، شيعية في الجنوب وكردية في الشمال وسنية في غرب العراق.

الطرف الوحيد الذي ظل ممتنعا أو خائفا ومترددا من فكرة الفدرالية يقترب إذا من حسم خياره مع ظهور بوادر على تغير دراماتيكي في مواقفه المعلنة. وهذا هو المتغير النوعي في معادلة "تفكيك العراق" التي قد تجعل منه خيارا محتملا في المستقبل.

ولذلك سوف يبدو مشروع "إعادة تفكيك" وتركيب العراق وتحويله إلى "فدراليات" شبه منفصلة أو مستقلة يرتبط بعضها ببعض بأوهى العلاقات السياسية والصلات الثقافية، كأنه يسير بسرعة محسوبة جيدا.

فالأميركيون ما زالوا يتكتمون حتى الآن على حقيقة أهدافهم من احتلال هذا البلد -وهذا ما بات جليا مع تعدد وتنوع الذرائع المستخدمة في تبرير الغزو- ولكنهم في الآن ذاته، لا يخفون رغبتهم في دفع كل الأطراف العراقية إلى القبول بالأمر الواقع الجديد بسرعة، بل إنهم يشجعونها على تجرع مرارة الكأس دون تذمر، وعلى تقبل فكرة "أن العراق القديم لم يعد موجودا"، وأن "عراقا آخر في طريقه إلى التشكل" وأن "عليهم اتخاذ قرارات صعبة".

بعض الأطراف العراقية وفي مقدمتها المجلس الإسلامي الأعلى بقيادة الحكيم تكاد تفعل الشيء ذاته، فهي تتستر أيضا على حقيقة أهدافها ومراميها من مشروع "الأقاليم" الذي تزمع طرحه، بل تعمل على تحويل فكرته إلى مادة للنقاش الشعبي اليومي.

لقد بلغ التستر على الأهداف الحقيقية ذروته عندما جرى في مناسبات مختلفة تضليل العراقيين وخداعهم بالقول إن "مشروع الأقاليم" هو مجرد صيغة إدارية وليس مشروعا "لتفكيك العراق".

وبكل تأكيد فإن هذا النمط من التستر هو الذي يعرف في أوساط الشيعة بالتقية وهي فلسفة شعبية تنادي بأن يظهر المرء غير ما يبطن.

وهذا هو بالضبط مضمون خطب وتصريحات عمار الحكيم نجل زعيم المجلس الذي ينادي دون توقف، بتحويل فكرة "الأقاليم" إلى موضوع تثقيفي في أوساط الشيعة، مع إبداء الحرص اللازم على تصويرها كأنها مصممة من أجل إبقاء العراق موحدا.

على هذا النحو، ومع اقتراب "ممثلي السنة" من قبول مشروع تقسيم العراق فإن سائر الأطراف الرئيسة في العملية السياسية، تكون قد تصرفت بوحي تام من الطريقة التي يتصرف بها الأميركيون، بينما يبدو الأميركيون أنفسهم كأنهم يتصرفون "كما يتصرف أهل البلاد" فهم يظهرون أيضا غير ما يبطنون.

أي أن الأميركيين يمارسون "نوعا من التقية" فيما يتعلق بمشروع تقسيم العراق، تاركين سائر الأطراف تتشدق بفكرة أن "الفدرالية لا تعني التقسيم" وأنها نوع من حل مشكلة المظلومية والمحرومية، وهما اصطلاحان مستلان من التراث البكائي الشيعي الضخم.

التطور المثير الذي شهدته الساحة السياسية العراقية مؤخرا، يتمثل في دخول الحزب الإسلامي العراقي (الطرف السني) بقوة على خط الفدرالية.

ولعل الفقرة الثالثة من مذكرة التفاهم التي وقعها مؤخرا رئيس الحزب طارق الهاشمي مع الطالباني والبارزاني في منتجع سد دوكان بشمال العراق تكفي للتعبير عن مغزى هذا التطور واتجاهاته، فهي تؤكد أن الأطراف الثلاثة الموقعة على مذكرة التفاهم تنشد عراقا فدراليا، وهذه صيغة لم يسبق للحزب الإسلامي أو أي طرف سني أن قبل بها بهذه الصورة المكشوفة.

في أعقاب هذا الاتفاق طار الهاشمي إلى البحرين، ليعلن من هناك في جلسات خاصة أنه قد يضطر إلى اتخاذ قرارات صعبة، ثم أعلن فور عودته إلى بغداد أنه يستعد للقيام بجولة خليجية تبدأ من الكويت.

"
الحزب الإسلامي يقترب اليوم من اللحظة التي يجد نفسه فيها وقد أصبح رأس رمح في معركة فرض الخيار الفدرالي بالقوة، وهو لهذا يبدو كما لو كان يستعد لخوض أخطر معاركه، وربما أكثرها ضراوة على وجه الإطلاق منذ تأسيسه
"
هناك، وفور وصوله الكويت قال الهاشمي إنه جاء ليبحث مع الإخوة الكويتيين مشكلة "التعويضات" التي ترهق موازنة العراق، وهذا نمط بارع من التكتم على حقيقة الزيارة وأهدافها مسْتل أيضا من التراث الشيعي وفلسفة التقية.

في الواقع لم يذهب الهاشمي إلى الكويت من أجل مسألة التعويضات ولا الحدود، بل ليحصل منها على دعم مباشر "لفدرالية السنة"، بما أنها أصبحت التزاما من جانب الحزب الإسلامي بعد الاتفاق الثلاثي مع الأكراد.

وفي إطار جولته الخليجية هذه، سوف يقوم الهاشمي بتسويق "قراراته الصعبة"، خصوصا أنه يعلم جيدا وجود معارضة سعودية وقطرية رسمية لمشروع تقسيم العراق على أسس فدرالية.

لكن الهاشمي يعلم جيدا كذلك أن هذه المعارضة هشة وقابلة للتليين في المدى المنظور، وأن تشكيل "لوبي خليجي" قوي ومتحمس للفدرالية، يمكن أن يساعد في تطويق الموقفين السعودي والقطري.

وطبقا لمعلومات تتردد في أروقة الحزب الإسلامي فإن الدول الأكثر دعما "للقرارات الصعبة" المتوقعة، هي البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة.

وفي هذا النطاق وحده يتبين مغزى ومضمون وسر اختيار الهاشمي البحرين محطة لتسريب نبأ الفدرالية السنية.

ومن الواضح أن الحزب الإسلامي يقترب اليوم من اللحظة التي يجد نفسه فيها، وقد أصبح رأس رمح في معركة فرض الخيار الفدرالي بالقوة، وهو لهذا يبدو كما لو كان يستعد لخوض أخطر معاركه، وربما أكثرها ضراوة على وجه الإطلاق منذ تأسيسه. إنها المعركة التي سوف تقرر مصير الحزب، فإما أن يبقى على قيد الحياة، وإما أن يتمزق إربا إربا ويتلاشى عن المسرح. فماذا لدى الحزب من أسلحة ومن هم خصومه؟

لدى الحزب أسلحة محدودة وأوهام كثيرة، لكنه مع هذا لا يزال يعتقد ويؤمن بفعالية أسلحته في معركة قاسية مثل معركة "فرض الفدرالية السنية". في مقدمة هذه الأسلحة بعض "مجالس الصحوة" التي تدين بنوع من الولاء للحزب وتحظى بدعمه ورعايته.

كما أن لديه نفوذا واسعا على جناح صغير داخل الجيش الإسلامي الذي انشق مؤخرا إلى أربعة أجنحة، بعضها ينادي بقتال هذا الحزب الذي خرج على الخط الإيماني والجهادي.

ومع ذلك، لا يعدم المرء رؤية بعض قادة الحزب الإسلامي وهم يتشدقون بفعالية استخدام هذا الجناح بوصفه ذراعا عسكرية في مواجهة قاسية مع "تنظيم القاعدة"، مع معرفتهم الدقيقة بأن هذا الجناح سوف يتحطم ربما في الساعات الأولى للمواجهة.

بيد أن الحزب مع ذلك، يملك تحالفات وروابط قوية بفصائل من المقاومة الإسلامية قد تنحاز إليه كليا في معركته، مثل حماس العراق وجبهة المقاومة الإسلامية (جامع). كما أن المجلس السياسي للمقاومة الذي أعلن عن تشكيله مؤخرا، مؤلف من جماعات مقربة من الحزب، وهذه قد تقدم له غطاء سياسيا مناسبا لمعركته.

في هذا السياق لا بد من ملاحظة أن قائمة خصوم الحزب وأعدائه طويلة ومتشابكة نسبيا، فبعض مجالس الصحوة وخصوصا في الفلوجة، تكن نوعا مزمنا من العداء للحزب الإسلامي، وهي تنازع مجلس البلدية هناك على صلاحيته من أجل احتكارها وتجريد الحزب من أي سلاح.

وفي الآونة الأخيرة بلغ هذا التنازع ذروته عندما طلب قائد مجالس الصحوة الشيخ أحمد بزيع آل بوريشة من رئيس مجلس البلدية التوقف عن مخاطبته مباشرة لأن ذلك مخالف للأصول الإدارية، وأن عليه بوصفه عضوا في الحزب الإسلامي أن يخاطب رئيس الحزب، ليقوم الأخير بمخاطبة رئيس مجالس الصحوة.

"
احتمال تفكك العراق حقيقي لا ينبغي الاستخفاف به. إنه خطر تشترك في صنعه قوى كثيرة داخل وخارج الحدود، لكن معارك من هذا الطراز لا يمكن أن تحسم في الفناء الخلفي، بل في شوارع المدن والأزقة حيث يذرف الفقراء دموعهم
"
وهذا يعني أن الحزب الإسلامي سوف يجد نفسه في دوامة صراع ضد أطراف هي في الأصل أطراف متناقضة فيما بينها، لا يجمعها شيء سوى العداء للحزب الإسلامي.

فهل بوسعه القتال ضد بعض مجالس الصحوة وتنظيم القاعدة وبعض أجنحة الجيش الإسلامي، وبالطبع ضد المقاومة الوطنية في الآن ذاته؟

إذا كان هذا هو الوضع العسكري المتوقع في حال قيادة الحزب الإسلامي بنفسه معركة فرض الفدرالية السنية فماذا عن وضعه السياسي؟

من الناحية السياسية سيجد الحزب نفسه في خضم معركة ضد أطراف متناقضة إلى حد ما فيما بينها، وقد يعيش في قلب صراع معقد حتى مع حلفائه من القوى السنية.

جبهة التوافق العراقية مثلا، قد تخفق في تأمين أي دعم سياسي له، كما أن جبهة الحوار الوطني لن تغامر أبدا في تقديم أي إسناد لمعركة ترى فيها تقسيما للعراق. هذا فضلا عن وجود خصومة مبطنة بين الحزب وهيئة علماء المسلمين التي يقودها الشيخ حارث الضاري، وهي خصومة أساسها رفض الهيئة لسياسات الحزب الإسلامي وتكتيكاته الانتهازية.

وبكل تأكيد، وفي حال خوض الحزب الإسلامي معركة الفدرالية السنية، واتجاهه صوب فرضها بالقوة، ودون تبصر بعواقب الأمور، سوف يجد نفسه في قلب نزاع مرير قد تنخرط فيه جماعات سنية جديدة، لن تسمح له بتمرير المشروع. كما أن الثقل الروحي والأخلاقي والسياسي لهيئة علماء المسلمين سوف يلعب لصالح تنمية مشاعر عداء عارمة في الوسط السني.

وكما بات واضحا منذ وقت طويل، فقد اتخذت الهيئة موقفا مخاصما من الحزب الإسلامي على خلفية اشتراكه في الحكومة، وتحميله مسؤولية تمرير الدستور في مجلس النواب، وأخيرا التنديد بدعمه المكشوف لمجالس الصحوة.

كل هذه العوامل يمكن أن تكون "مواد حارقة" في معركة مصيرية، ولكن قد يكون من المتعذر اعتبارها كافية لإحراق مخطط تنفيذ "القرارات الصعبة".

إن الأمم والدول كما يعلمنا التاريخ، تتمزق وتتجه نحو التفكك، لا بفعل شدة الضربات التي تتلقاها من الخارج، بل عندما تتفكك "مادتها الصمغية" اللاصقة في الداخل. والحال هذه فإن ما يجري في العراق إنما هو نوع من تآكل في مادته الصمغية.

هل يتجه العراق إلى التفكك؟ نعم. هذا احتمال حقيقي لا ينبغي الاستخفاف به. إنه خطر تشترك في صنعه قوى كثيرة داخل وخارج الحدود. لكن معارك من هذا الطراز لا يمكن أن تحسم في الفناء الخلفي، بل في شوارع المدن والأزقة، وحيث يذرف الفقراء دموعهم هناك كلما رفرف العلم العراقي في ملعب كرة قدم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة