أميركا وإفساد الثورات وإجهاضها   
الاثنين 1432/8/3 هـ - الموافق 4/7/2011 م (آخر تحديث) الساعة 14:34 (مكة المكرمة)، 11:34 (غرينتش)
منير شفيق


أميركا تتآمر على مصر وتونس وسوريا والسودان والمغرب والبحرين، ولا يفلت من تآمرها بلد عربي حتى لو كان، كما يتوهم، من حلفائها الإستراتيجيين. ولكن تآمر أميركا على كل من ليبيا واليمن والسودان يتخذ في هذه المرحلة شكل تدخل مباشر ومكشوف، ولا يستطيع أحد أن يسوغه أو يخفيه.

ففي ليبيا وقد ذرف أوباما دموع التماسيح على المدنيين الذين راح معمر القذافي يسفك دماءهم في طول البلاد وعرضها. واستطاع من خلال ما أسماه حماية المدنيين وعرض حظر جوي على طيران القذافي استدراج الجامعة العربية لتطلب نجدة مجلس الأمن أي نجدة أميركا وحلف الناتو، كما استغل أوباما المجلس الوطني الانتقالي للترحيب بالتدخل العسكري الأميركي-البريطاني-الفرنسي ثم الأطلسي، كما اندفع البعض خارج ليبيا لتسويغ التدخل بحجج شتى.

"
موقف أميركا والأطلسي فاضح في التآمر على ثورة الشعب في ليبيا وإبقاء قوات القذافي ناشطة إلى حين التمكن من الهيمنة على المجلس الانتقالي وربما عدد من الكوادر الميدانية كذلك
"
على أن كل هؤلاء لم يلحظوا أنهم بطلب المساعدة من أميركا أو تسويغ ذلك إنما يأتون بالثعلب إلى كرم العنب أو بالذئب إلى داخل البيت، وأنهم يجرّبون المجرّب. وهو أن أميركا ليس في جعبتها غير خدمة المشروع الصهيوني وتحقيق أطماعها الإمبريالية. ولا يمكن لها أن تأخذ موقفا واحدا ليس فيه تلك الخدمة وهاتيك الأطماع.

من يتابع مسار العمليات العسكرية التي طبقتها أميركا ومن بعدها حلف الناتو حتى اليوم، في ليبيا عدا في الساعات الأولى للتدخل العسكري عندما قضى الطيران الفرنسي على مواقع قوات القذافي حول بنغازي سوف يلحظ عمليات بمعظمها لا تتجه إلى ضرب قوات القذافي التي تقصف المدنيين وتتحرك في العراء للاستيلاء على عدد من المدن والبلدات التي فقدتها مع اندلاع الثورة الشبابية السلمية.

لا يستطيع أحد أن يتفهم ما معنى أن يركز طيران الأطلسي على ضرب مواقع تكاد تكون وهمية في طرابلس بينما يترك راجمات الصواريخ والمدفعية والآليات العسكرية تقصف بمصراتة وعدد من البلدات الأخرى. بل ترك أرتال قوات القذافي تنتقل من مكان لآخر على أرض مكشوفة، من دون أن يتعرض لها. فأين حماية المدنيين وأين مساعدة الشعب في الخلاص من القذافي؟

موقف أميركا والأطلسي فاضح في التآمر على ثورة الشعب في ليبيا وإبقاء قوات القذافي ناشطة إلى حين التمكن من الهيمنة على المجلس الانتقالي وربما عدد من الكوادر الميدانية كذلك. ومن ثم الإطاحة به، فالتآمر هنا قد تركز على الشعب والثورة وعلى مستقبل ليبيا.

لكن للأسف خرجت عدة أصوات من أعضاء في المجلس الوطني الانتقالي ومن معارضين ليبيين تسوّغ للناتو وأميركا خطتهما العسكرية بادعاء البطء أحيانا، أو القول إن الاتجاه العام سائر في مصلحة الثوار. فهذه المواقف غير سليمة، ولا تليق بقادة ثورة بقدر ما هو معيب موقف القذافي الذي يشتم على الناتو وأميركا فيما هو يصب حمم مدافعه وصواريخه على شعبه، ومصراتة شاهد على ذلك.

إن المواقف الصادرة عن المجلس الوطني الانتقالي أو عن بعض الشخصيات المعارضة غير مفهومة حين لا تضع النقاط على الحروف باعتبار أميركا والناتو متواطئين على الثورة والشعب، وقد تركا القذافي في ظل تدخلهما يرتكب جرائم الحرب ضد المدنيين. فهذه المواقف لعبت وتلعب دورا سلبيا للغاية بحق شهداء الثورة ومستقبلها. وذلك حين لا تكشف التآمر الأميركي على الثورة والشعب في ليبيا.

وكرر المجلس الوطني الانتقالي خطأ فادحا حين رحب بقرار أوكامبو المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية بتقديم القذافي للمحاكمة عن جرائم ارتكبها، لأن في ذلك تأييدا لمحكمة مسيسة خاضعة للإدارة الأميركية-الصهيونية ولا علاقة لها بعدالة أو قانون.

موقف السفير الأميركي، والمبعوث جيفري فيلتمان مساعد وزيرة الخارجية الأميركية إلى اليمن كشفا، لا سيما، في الأسبوعين الماضيين عن حقيقة الموقف الأميركي من الثورة الشبابية الشعبية المليونية.

وخلاصته: التآمر على الثورة والعمل على إجهاض أهدافها ومن ثم إعادة إنتاج نظام علي عبد الله صالح من خلال التدخل الأميركي في ما يسمى انتقال السلطة.

ولكن الفارق هنا بين ليبيا واليمن هو صوت الشباب اليمني الذي شجب علنا، ودون مواربة، مواقف أميركا وطالبها بعدم التدخل. وبهذا اختط الطريق الذي يجب أن تأخذه كل الثورات ليس في ليبيا فحسب، وإنما أيضا في مصر وتونس على الخصوص.

للأسف تمكنت أميركا من إخفاء وجهها الحقيقي ضد ثورتيْ تونس ومصر أو ليبيا واليمن، فقد كانت وراء رؤساء هذه البلدان في كل ما مارسوا من سياسات خارجية وداخلية، سياسية واقتصادية، بما في ذلك التسهيل لعمليات الفساد وإلا فكيف أمكن انتقال مئات البلايين من دولارات الفساد إلى بنوكها.

وقد ساعدها في ذلك تركيز الثورات على إسقاط النظام ورحيل رأسه مما دحر إلى الخلف الدور الأميركي في صناعة أولئك الرؤساء والأنظمة لا سيما في السنوات العشر الأخيرة. كما راح يساعدها تطلعات بعض القوى الجديدة، ما بعد نجاح الثورات أو في أثنائها، إلى مد الخطوط مع أميركا في خضم الصراعات الداخلية وفي إطار التطلع للوصول إلى السلطة.

لعل أخطر ما يواجه الثورات في المدى القريب والمتوسط ليس القوى القديمة في علاقاتها بأميركا وإنما تبرع قوى أفرزتها الثورات أو كانت في المعارضة بمدّ الخطوط مع أميركا بهدف الاستقواء على خصوم لها في الداخل، أو التمهيد للوصول إلى السلطة، فأصحاب العلاقات القديمة بأميركا إما سقطوا مع سقوط النظام المعني وإما أوراقهم مكشوفة وتحوطهم الشبهات.

"
لعل أخطر ما يواجه الثورات في المدى القريب والمتوسط ليس القوى القديمة في علاقاتها بأميركا وإنما تبرع قوى أفرزتها الثورات أو كانت في المعارضة بمد الخطوط مع أميركا 
"
ومن هنا يكون الشباب اليمني في مقدمة من راحوا يكشفون التآمر الأميركي على الثورات ويصححون البوصلة التي حاول البعض حرفها عن قضية فلسطين والمقاومة وممانعة السياسات الأميركية.

فالموقع الطبيعي للثورات وهي ترسخ حق الشعب في الحرية وامتلاك المرجعية في تقرير سياسات البلاد خارجيا وداخليا، وهي تتخلص من أنظمة الفساد والاستبداد والتبعية هو أن تصبح في مقدمة جبهة المقاومة والممانعة لدولة الكيان الصهيوني وللهيمنة الأميركية.

فكل ديمقراطية وكل إصلاح لا ينتهيان إلى اعتبار قضية فلسطين قضيتهما المركزية، ولا يأخذان طريقا وحدويا عربيا، ولا يرسخان استقلالا حقيقيا سوف يعيدان إنتاج الاستبداد والفساد والتبعية، فالتقارب مع أميركا أو السكوت عما ترتكبه من تآمر على الثورات وعلى الأقطار العربية الأخرى خصوصا سوريا والسودان يعبران عن جهل وقصور نظر إذا ما حسنت النيات.

فمن لا يلحظ التماهي المتعاظم بين السياسات الأميركية وسياسات الكيان الصهيوني ولا يتابع وصول اللوبيات الصهيونية في الولايات المتحدة إلى مراكز القوة والقرار، لا يحق له أن يتحدث بالسياسة أو يتصدى لهموم الشعب والتحديات التي تواجهه.

إن البادرة اليمنية في رفع الصوت عاليا في شجب السياسات الأميركية في اليمن تؤشر إلى ما سيحمله المستقبل من إعادة البوصلة.

هذا وليس دون دلالة ما أعلنه يحيى الجمل نائب رئيس وزراء مصر من أن أميركا والكيان الصهيوني يعملان على إشعال فتنة طائفية بين الأقباط والمسلمين في مصر بما لا يترك مجالا للشك من أن أميركا عدوة للثورات العربية.

على أن المهم أن يلحظ في هذا الصدد أن أميركا أثبتت في السنوات الثماني الماضية أنها ضعيفة وفاشلة وفي طريقها إلى التدهور، فهي غير قادرة على إقامة نظام دولي تحت سيطرتها ولا حتى تحت قيادتها المباشرة أو غير المباشرة.

وقد جاءت الأزمة المالية لتزيدها ضعفا وإرباكا، وهنا يجب أن يسجل ما منيت به إدارة بوش الابن من إخفاقات أمام المقاومات في العراق وأفغانستان ولبنان وفلسطين (كانت شريكا للكيان الصهيوني في حربي 2006 و2008/2009 على لبنان وقطاع غزة).

وعندما جاءت إدارة أوباما لم تفعل غير تكريس سياسات من سبقها في العراق وأفغانستان، وإعلان فشل مشروعها للتسوية وعدم قدرتها على وقف التدهور في تراجع الدور الأميركي، وهو ما كشفه مؤخرا، ومتأخرا، زبيغنيو بريجينسكي، على مستوى عالمي كما على مستوى التأثير في ما اجتاح الأقطار العربية من ثورات وتحركات شعبية.

فدورها الآن دور الذي يصطاد في الماء العكر أو الذي يفيد من صراعات الداخل بعضه مع بعض، وليس دور المبادر والمحارب.

هذا الوضع يختلف عن وضع أميركا القوية التي كانت المبادرة في طرح المشاريع ومحاولة فرض وقائع جديدة. وكانت في واجهة الأحداث، وكان على الداخل أن ينقسم على أساس من سيخضع لها ويسلم قياده لمخططاتها ومن سيقاومها ويمانعها.

"
مركز الثقل في الصراع والمبادرة انتقل إلى الداخل مع اندلاع الثورات العربية, وأصبح دور أميركا مرتبِكا كما ظهر في تونس ومصر، وغدا تدخلها مرهونا باستدعاء طرف أو أطراف من الداخل
"
أما الآن فمركز الثقل في الصراع والمبادرة انتقل إلى الداخل مع اندلاع الثورات العربية. وأصبح دور أميركا مرتبِكا كما ظهر في تونس ومصر. وغدا تدخلها مرهونا باستدعاء طرف أو أطراف من الداخل لهذا التدخل، كما حدث ويحدث في ليبيا واليمن والسودان أو كما قد يحدث في أقطار عربية أخرى.

ففي السابق كان دور العامل الخارجي في التأثير في الأحداث هو الحاسم عموما عدا مراحل محدودة حدثت فيها اختلالات في موازين القوى العالمية والإقليمية، أما اليوم فالحاسم في الأحداث هو الداخل عموما، فحتى في ليبيا حيث التدخل الخارجي العسكري المباشر ما زال الداخل يلعب دورا رئيسا، وقد يكون دوره هو الحاسم في إسقاط القذافي وفي تحديد مستقبل ليبيا.

فالمسألة في تحديد دور العامل الخارجي ودور العامل الداخلي (أو العوامل) مسألة موازين قوى أولا وقبل كل شيء.

ومن هنا لا معنى من زاوية موازين القوى عالميا وإقليميا وعربيا وداخليا لقوى من الثورات أو من المعارضات السابقة الاستقواء بأميركا. وقد وهنت وتراجع دورها وإن استمرت كالشحبار بالنسبة إلى من يقترب منها واستمرت سياساتها تحمل السم في كل طبخة تقدمها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة