مساحيق تجميل لهزيمة   
الجمعة 1434/2/7 هـ - الموافق 21/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:18 (مكة المكرمة)، 11:18 (غرينتش)
زياد منى

 

عند اندلاع حراكات في بعض بلادنا العربية كتبنا أن الأمور لن تستقيم باستبدال طاغية منتخب انتخابا حرا من آخر استولى على السلطة بطرق أخرى. ورفضنا مبدأ سيادة الأغلبية على الأقلية لأنه لن يحل أي مشاكل، وقلنا، وهو الأهم: لا شرعية لثورة فلسطين ليست شعارها.

لنكن صادقين مع أنفسنا، الشعب لا يهمه من يحكم وإنما أسلوب ممارسة الحكم. لن يتحرك الشعب من أجل تثبيت هذا أو ذاك من الأشخاص فقط لأنه أكثر وسامة من غيره ما يجعله أكثر مقدرة على حل المشاكل، كما يتوهم بعض السذج. المجتمع يهدأ حقا وينسجم أعضاؤه المكونون له عندما تكون الأغلبية راضية عن وضعها.

لن يتحرك الشعب من أجل تثبيت هذا أو ذاك من الأشخاص فقط لأنه أكثر وسامة من غيره, والمجتمع يهدأ حقا وينسجم أعضاؤه المكونون له عندما تكون الأغلبية راضية عن وضعها

على أي حال، عودة على بدء، لا جديد تحت الشمس. الكل همه الكرسي اللعين، والوصول إليه مستعينا بوعود بوعود بوعود ... تدعمها وسائل إقناع وحوافز أخرى معروفة للقاصي والداني يتسولها من هنا وهناك. والنتيجة أن الوعود تبقى حبرا على ورق، فنعود إلى دوامات العنف وإلى تكرار شعار: الشعب يريد إسقاط النظام.

هنا وجب التأكيد على أنه ليس كل وسائل الإعلام العربية وغير العربية، تنقل بالضرورة الواقع كما هو، لأنها مؤسسات أقيمت لتحقيق أهداف سياسية وليس إعلام مجرد، ولذا وجب الاعتماد في معرفة صحة الأخبار، ما أمكن، على وسائل إضافية أخرى صرنا نتقن العثور عليها، مع الحذر الضروري.
الصور التي كنا نراها عند بدء الحراكات: اشتباك متظاهرين ضد النظام مع آخرين معه، شرطة ورصاص وغاز مسيل للدموع وهراوات وجرحى وقتلى ... إلخ.

بل أضيف إليها سجالا خطابيا عنيفا ومتدنيا مفرداته مشتقة من معاجم النعوت لأنه يستعمل تعبيرات ومصطلحات إما تكفر الأخر أو تحيونه. هذا ما جعلنا نقول وقتها إننا مجتمعات تسيرها الولاءات الشخصية والعشيرية والقبلية، بل والمحلية والمذهبية والدينية، يتقدمها بالطبع الجهل والأمية والفكر الموسوس والموسوس والأساطير والخرافات ... فكيف يمكن لمجتمع يعاني هذه وغيرها من الأمراض الاجتماعية والفكرية أن يؤسس لمستقبل أفضل ويقدم رؤية علمية مستقبلية لمجتمع متسامح قادر علي التطور جماعيا وقبول الآخر، يعتمد قوانين تمنح كل فرد حرية شخصية تنتهي حدودها عندما تبدأ حدود حرية الآخر الشخصية!

وهذا يعيدنا مجددا إلى قضيتنا المركزية، القضية القومية العربية الوحيدة، التي توحد العرب، جميعنا! لقد جاء العدوان الصهيوني المتجدد على أهلنا في القطاع المحاصر ليجعل الصورة أكثر وضوحا، وفق قول الشاعر: أنا الذي نظر الأعمى ... التفت العرب إلى متابعة الصراع الرئيس وتأثيراته في الحراكات وفي مواقف قادة الأنظمة الجديدة، فكان لا بد من حصر جغرافية الصراع الأخير ومداه السياسي حتى لا تكتشف الجماهير جوهر بعض القوى الصاعدة والقديمة المدعية، كما مارست بعض أدوات التضليل الإعلامي العربية دورها في التمويه على هذا الجانب.

لقد أتى العدوان في فترة تعاني فيه دول الحراك العربية وقياداتها أزمات حقيقية، ووضع قضية العرب المركزية في الواجهة يعني فضح تقويم هذه القوى الجديدة وحقيقة موقفها من العدو الصهيوني المعتدي علينا منذ ألف ألف عام.

نحن لسنا هنا في صدد تقويم المعركة الأخيرة أو أداء هذه أو تلك من القوى المشاركة فيها، مباشرة أو بطريق غير مباشر، ولسنا بصدد إدانة هذه الجهة أو تلك، فكل ضحية منا سقطت في مواجهة العدو شهيد، وعلينا الانحناء أمام جثامينهم الطاهرة، دون شروط. المسألة من منظورنا ليست تفاصيل المعركة وعدد الصواريخ متوسطة المدى التي دمرها العدو في الغارة الجوية الأولى، أو الصواريخ التي سقطت هنا وهناك، في القدس أو في تل أبيب أو أنها أخطأت الهدف فحطت في المياه قبالة مدينة يافا المحتلة. الأمور، من منظورنا، يجب أن تسير وفق مبدأ: إنما الأمور بخواتيمها.

لقد قيل لنا، نحن الجماهير المخدوعة، إلى يوم الدين، إن الاشتباك مع قوات العدو انتهى بعد الوصول إلى تفاهمات محددة. لا بأس، لا أحد يخوض حربا من أجل الحرب وإنما لتحقيق مكاسب سياسية محددة نقرأ تفاصيلها في الاقتصاد والجغرافيا.

من البدهي أن أطرافا عربية إضافة إلى العدو ومن خلفه حلف الناتو شاركوا في صياغة التفاهمات. لكنها تخص الشعب الفلسطيني أولا وقبل كل شيء. والشعب الفلسطيني رقم غير قابل للتقسيم على نحو: الضفة الغربية، الخط الأخضر، قطاع غزة، الشتات العربي، المخيمات وما إلى ذلك من مصطلحات وهمية الجوهر وخالية المعنى. وفلسطين أرض عربية، ولذلك نقول ونصر إصرارا غير قابل للنقاش على التمسك بأنها القضية المركزية للعرب، وللعرب جميعا، شعوبا، كلمة الفصل فيها.

ومن هذا المنطلق والمنظور يحق لنا، نحن العرب/الفلسطينيين معرفة كل حرف في التفاهمات تلك لأنها تمس بلادنا ومستقبلنا ومستقبل الأجيال القادمة.

هل من المعقول أن العدو يعرف تفاصيل التفاهمات ونحن أصحاب الأرض والقضية لا نعرف أي شيء عنها، أم أن المطلوب إخفاؤها! هذا تساؤل وليس اتهاما، وفي الوقت نفسه سؤال من حقنا معرفة الإجابة عنه، كاملة غير منقوصة.

الأجيال الشابة ربما لا تعرف تاريخ تطور مواقف أنظمة عربية تجاه قضيتنا المركزية، وربما قلة فقط تعرف أن بعض حكام العرب في الخمسينيات والستينيات كانوا يدعون اتخاذ قرارات سرية لتحرير فلسطين!

الأجيال الشابة ربما لا تعرف تاريخ تطور مواقف أنظمة عربية تجاه قضيتنا المركزية، وربما قلة فقط تعرف أن بعض حكام العرب في الخمسينيات والستينيات كانوا يدعون اتخاذ قرارات سرية لتحرير فلسطين! وربما أكثر تلك القرارات شهرة ما جرى في مؤتمر القمة العربية الذي عقد في الخرطوم في أعقاب عدوان عام 1967، والهزيمة المذلة التي ألحقها العدو بنا، لأننا كنا، ولا نزال!، مفتونين، بل أسرى خطابات عنترية وقرارات مزاجية غير مدروسة العواقب، ولأن حكامنا كانوا يتخذون قرارات يوهمون أنفسهم بأنها نتاج إلهام سماوي، فتكون النتائج كارثية نعاني آثارها إلى يومنا هذا.

لقد قيل إن قرارات قمة الخرطوم التي عقدت في 29 أغسطس/آب من عام الهزيمة الثانية، تلخصت في لاءات ثلاث: لا صلح لا مفاوضات ولا اعتراف بالعدو، لكن نتيجة تلك اللاءات نراها الآن.

نحن لا ندافع هنا عن أحد ولا نختلق أعذارا لأي طرف، ولا نشكك في حسن نوايا طرف ما، مع قناعتنا بصحة القول: الطريق إلى جهنم غالبا تكون مبلطة بالنوايا الحسنة.

ثمة مؤشر مهم يعكس ما يجرى خلف الكواليس هو عودة الحديث عن مشروع المملكة العربية المتحدة الذي طرحه النظام الأردني في منتصف سبعينيات القرن الماضي بعد تمكنه من القضاء على الحركة الوطنية الفلسطينية في الأردن، ليشكل محصلة واستثمارا سياسيا لهزيمة الحركة الوطنية الفلسطينية والأردنية، بهدف تصفية القضية الفلسطينية وفق شرق أوسط سايكس/بيكو اتفق على شكله الأوروبيون عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، وأقرته الولايات المتحدة الأميركية بعد مؤتمر الصلح في باريس وضمان ما تراها حصتها الاستعمارية من أرضنا وسيادتنا وثرواتنا.

إن العودة إلى طرح مشروع المملكة العربية المتحدة بين ضفتي نهر الأردن، تحت مسميات مختلفة مثل الفدرالية والكونفدرالية وما إلى ذلك، هدفه استثمار بعض نتائج ما يسمى الربيع العربي لتصفية القضية الفلسطينية، هذا في الوقت الذي اعترف فيه حتى بعض قادة العدو علانية بل وفي هذه الأيام تحديدا على مواقعهم في الإنترنت بأن مشروع الدولتين قد مات، وأن الحل الوحيد المتبقي هو الدولة الواحدة، وهو ما طرحناه في مقالنا السابق في هذا الموقع.

للتذكير، إن الشعب الفلسطيني هو صاحب الأرض، وهي أرض عربية، والشعب الفلسطيني لا يمثله أشخاص معروف من عينهم وسبب ذلك، ولا تمثله بيروقراطية مؤسسة سياسية فلسطينية محكومة، مع أنها تدعي أنها حاكمة، تتسول معاشها الشهري من صندوق النقد الدولي، إن التزمت بأدب الخضوع لإملاء اليد العليا، التي هي خير من اليد السفلى، ولا يمثله مجموعة من أشباه الأكاديميين الذين سخروا معارفهم في خدمة ما يسمى منظمات المجتمع المدني أو المؤسسات غير الحكومية التي لا عمل لها سوى تعرية الشعب الفلسطيني أمام أعدائه وكشف نقاط ضعفه ليسهل إخضاعه للغرب الاستعماري أكثر فأكثر.

لكن تاريخ صراعنا مع العدو المغتصب، القديم منه والحديث، بما في ذلك العدوان الأخير على شعبنا المحاصر في غزة، أثبت أن زمن سيادة الصهيونية على مسار الصراع قد ولى، وأن كل ما ترتكبه من جرائم بحق شعبنا، سواء القتل المباشر، أو عبر الخنق الاقتصادي والاجتماعي، ما هي إلا مسكنات قد تخفف من إحساسه بوجع اقتراب نهاية مشروعه الاستعماري الاستيطاني، وأن عجلة التاريخ لا تعود إلى الوراء، حتى لو ادعى اللاعبون بها إلهية حقوقهم المدعاة، وأبدية وجودهم.

عندما تتساقط الصواريخ على مدن كيان الاغتصاب لن يبقى في فلسطين المحتلة إلا من هو غير قادر على الفرار، أو أن تمسكه بالأرض سببه اقتناعه بعدم جدوى المشروع الصهيوني وأن السلام لا تصنعه القنابل الذرية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل أو الجزئي، وإنما القناعة بعدم جدوى الطريق الذي اختاره، ألا وهو: أن العرب لا يفهمون سوى لغة القوة.

بصرف النظر عما حدث في العدوان الأخير، فإن سقوط الصواريخ الفلسطينية، كائنا من كان صانعها، وعلى قلة عددها، ومدى تأثيرها التدميري المحدود في مستوطنات العدو قد أقنع غالبية محتلي وطننا من المستوطنين بأنه لا مستقبل لهم في فلسطين، وهو ما عبرت عنه نتائج استمزاج رأي نشرته اليوم بعض صحف العدو الأكثر يمينية وبالتالي انتشارا حيث عبرت كتلة كبيرة من المستوطنين عن رغبتهم مغادرة فلسطين المحتلة.

سقوط الصواريخ الفلسطينية، كائنا من كان صانعها، وعلى قلة عددها، ومحدودية تأثيرها قد أقنع غالبية محتلي وطننا من المستوطنين بأنه لا مستقبل لهم في فلسطين

إن قيادة المؤسسة السياسية الفلسطينية تعمل جاهدة منذ أربعين عاما لإقناع العدو بصدق خضوعها التام لشروطه، وتستجدي اعترافه بها ومنحها دويلة، ولو على ظهر حمار في أريحا، كما كان يردد أحد أبطال الاستسلام لبنود المشروع الصهيوني الغربي الاستعماري.

إن أي دعوة إلى التخلي عن حقوق أمتنا العربية في أرضنا ما هي إلا تعبير عن الفزع من أن تتحول كل مواجهة مع العدو لا يحقق فيه أيا من أهدافه العسكرية إلى هزيمة، أم أن ما جرى في العدوان الصهيوني الأخير كان هزيمة بمرتبة النصر إياه!

وهذا ما دفع قادة الاستسلام في المعسكر الفلسطيني إلى التعجيل في طرح مشاريعهم الجديدة القديمة التي تصب في خانة واحدة هي تصفية قضية فلسطين والتخلي عن حقوقنا الوطنية/القومية في بلادنا، ومحاولة تصوير ذلك بأنه نتاج انتصار وهمي تحقق أخيرا، تماما كما فعلت عندما ادعت أن مشروع النقاط العشر أو البرنامج المرحلي كان نتاج انتصارات وهمية تحققت في حرب تشرين، بينما كانت هي في واقع الأمر نتاج هزيمتها في الأردن وعجزها عن قيادة النضال الوطني الفلسطيني نحو الهدف الأول والأخير، ألا وهو تحرير وطننا عبر تجريد كيان العدو من طبيعته الصهيونية العنصرية وتحقيق عودة شعبنا الذي أخرج من دياره ظلما. نكرر: إنما الأمور في خواتيمها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة