عوامل كبح حرب العراق الطائفية   
الخميس 8/5/1428 هـ - الموافق 24/5/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:58 (مكة المكرمة)، 13:58 (غرينتش)


وليد الزبيدي

الأول: العامل الاجتماعي
الثاني: العامل الجغرافي

عاملان رئيسيان يقفان بقوة بوجه محاولات إثارة الفتنة الطائفية في العراق وجره إلى الاحتراب الداخلي، هما العامل الاجتماعي والعامل الجغرافي وما يتفرع منهما من عوامل مساعدة، والتي ترتبط بالرؤية الجمعية لخطورة الحرب الأهلية ونتائجها الكارثية التي لا تخفى على كل من يريد رؤية نيران تلك الحرب والآماد التي يمكن أن تصل إليها، وحجم الدمار الناجم عنها في حال انجرار البلد لخوض غمارها والاكتواء بنارها.

وسنتناول هذين العاملين لمعرفة جوانب الضعف والقوة في تركيبة المجتمع العراقي، وهل ما زال هذا المجتمع محافظا على تماسكه رغم المحاولات الحثيثة والمتواصلة لتهيئة جميع المستلزمات المساعدة على تفككه وانهياره ليدخل مرحلة الاحتراب الداخلي والتمزق والتشرذم.

الأول: العامل الاجتماعي
"
عدم معرفة التفاصيل الدقيقة بالسنة والشيعة في العراق غالبا ما يفضي إلى تصورات خاطئة وقناعات مغلوطة مما يربك الكثير من الخطط والمشاريع المرتبطة بالقضية العراقية ومستقبل هذا البلد
"
يتكون العامل الاجتماعي من مرتكزين رئيسين هما مسألة التزاوج بين أبناء الطائفتين (السنة والشيعة) ومسألة التوزع الطائفي بين القبائل والعشائر العراقية، وهاتان المسألتان تغيبان عن الكثير من المتابعين والمهتمين بالشأن العراقي.

وعدم معرفة التفاصيل الدقيقة في هذا المجال غالبا ما يفضي إلى تصورات خاطئة وقناعات مغلوطة، ويخرج الكثيرون -بمن في ذلك صناع القرار في العواصم المعنية بالشأن العراقي- بنتائج معكوسة مما يربك الكثير من الخطط والمشاريع المرتبطة بالقضية العراقية ومستقبل هذا البلد.

من خلال اللقاءات والاتصالات والحوارات المعمقة التي جمعتنا مع مفكرين وسياسيين ومثقفين ودارسين من العرب والأجانب، وجدنا أن معرفة هؤلاء بحقيقة التركيبة الاجتماعية في العراق لا تزيد على عشرة بالمائة في أحسن الأحوال. وفي أغلب الأحيان تلامس الصفر بالمائة، رغم حساسية وخطورة الشأن العراقي خلال سنوات الاحتلال الأميركي لهذا البلد والتي زادت على أربع سنوات، إلا أن الجهل بهذه الحقائق ما زال يسيطر على الغالبية العظمى من المهتمين والمتابعين وصناع القرار وكل ما يتعلق بالشأن العراقي.

لذلك، فإن الدهشة سرعان ما ترتسم على وجوه من نقول لهم إن جميع القبائل العربية في العراق ينقسم أبناؤها إلى الطائفتين (سنة وشيعة) أي أن القبيلة التي ينتمي إليها الفرد والعائلة والتي تعود جميعها بأصولها إلى فترة قبل الإسلام، لم تكن عقبة أمام الانتماء الطائفي مما يدلل على عدم وجود أي نوع من التعصب لدى الفرد العراقي، وقد تكون هذه ميزة يتفرد بها العراقيون دون غيرهم في المنطقة.

ورغم اعتزاز العراقيين الشديد بالقبيلة والعشيرة، فإن ذلك لم يقف عقبة أمام الالتحاق بركب هذا المذهب أو ذاك، وعلى هذا الأساس فإن القبائل والعشائر في العراق تجد فيها من ينتمي إلى الطائفة الشيعية والطائفة السنية.

وأهم هذه القبائل (شمر والجبور والدليم والزبيد والعزة وبني زيد والحسني والأسدي، وعنزة والعبيد والبو دراج وبني تميم والبو عامر وسواهم).

ومن الحقائق المعروفة التي تؤكد عدم تعصب العراقيين للطائفة هو التصاقهم الشديد بالعشيرة، وثمة الكثير من الشواهد التاريخية التي تثبت أن أبناء العشيرة الفلانية دخلوا بمنازعات ومعارك عنيفة سقط فيها قتلى وجرحى، ووقفت فيها العشائر والأفخاذ مع عشيرتها الأم.

ولم يفكر أحد بالجانب الطائفي، وطالما ساند الكثيرون أبناء قبيلتهم الذين يختلفون معهم طائفيا وقاتلوا الخصم رغم الانتماء إلى طائفة واحدة، وغالبا ما يكون سبب تلك المعارك الخلاف على الأراضي الزراعية أو الحصص المائية أو نزاعات أخرى.

وهنا لابد من الإشارة إلى أن المجاميع والجهات التي عملت على إثارة الفتنة الطائفية قد اصطدمت بهذه الحقيقة، ولم تتمكن هذه العصابات من الفرز الطائفي على أساس اللقب (اسم العائلة) الذي غالبا ما يتم تثبيته في البطاقات الشخصية وجوازات السفر، لأن اسم القبيلة لا يؤكد الانتماء الطائفي للشخص على الإطلاق.

"
لم يحصل حتى الآن أن شنت قبيلة أو عشيرة في العراق من الطائفة الشيعية هجوما على عشيرة أو قبيلة من الطائفة السنية أو بالعكس، ولم يحصل أن هاجمت مدينة أو قرية على أساس طائفي
"
أما الجانب الآخر فهو التزاوج بين العوائل بسبب عدم وجود حساسية أو تعصب طائفي في التركيبة الاجتماعية العراقية، فقد حصل هذا الانفتاح الواسع والكبير بين العوائل العراقية.

ولم يفكر العراقي على الإطلاق بموضوع الانتماء الطائفي سواء إذا أراد أن يختار لابنه أو إذا ما تقدم شخص لطلب يد ابنته للزواج، ولهذا فإن نسبة التزاوج عالية جدا، وبسبب عدم وجود إحصائيات حول هذا الموضوع فإنه لا يمكن إعطاء أرقام محددة.

لكن يمكن القول إنها تتراوح بين 20-70%، وإن انخفاض النسبة أو زيادتها لا ترتبط بتعصب طائفي وإنما تعتمد على نسبة الاختلاط في المدن والمناطق الزراعية، ولأن الاختلاط في العاصمة العراقية واسع جدا فإن نسبة التزاوج تقفز إلى رقم كبير، وهذا ما يعرفه العراقيون في المعايشة والاختلاط، ولا يستطيع أحد إنكار هذه الحقائق.

إن العامل الاجتماعي الذي يتضمن الانتماء إلى قبيلة واحدة وعائلة واحدة، يقف بقوة باعتباره عامل كبح وصد بوجه الذين يعملون على إثارة الفتنة الطائفية، وطالما سمعنا من الناس البسطاء في مختلف مناطق العراق وهم يرددون (كيف أقتل ابن عمي) يقصد ابن عشيرته وهو ينتمي إلى طائفة أخرى، وهناك من يردد (كيف أقتل ابن أختي أو خالي) الذين ينتمون إلى الطائفة الأخرى أيضا تأكيدا على تركيبة العائلة الواحدة في العراق وتداخلها.

ويمكن القول، إنه لم يحصل حتى الآن أن شنت قبيلة أو عشيرة في العراق من الطائفة (الشيعية) هجوما على عشيرة أو قبيلة من الطائفة (السنية) أو بالعكس، هذا لم يحدث في العراق، ولم يحصل أن هاجمت مدينة أو قرية على أساس طائفي رغم كل ما سمع العالم من عمليات اختطاف وقتل شملت عشرات الآلاف من العراقيين.

بل إن الرفض والاستنكار هما السمة الغالبة على الخطاب الفردي والجماعي، ويستهجن الجميع الحديث بالطائفة ويرفضون الانجرار إلى مناطق القتل والتمزق والتشرذم.

الثاني: العامل الجغرافي
ما هو راسخ في عقول وأذهان الغالبية العظمى من الذين يتابعون الشأن العراقي أن هذا البلد ينقسم إلى شمال كردي ووسط سني وجنوب شيعي، وأن ثمة وجود حدود جغرافية تمنع أي نوع من الانتقال والعيش أو حتى التماس بين هذه المناطق الثلاث التي يتم تقسيمها على أسس طائفية وعرقية.

 ومن المعروف أن هذه القناعة بدأت تترسخ عند الكثيرين مطلع تسعينيات القرن الماضي عندما فرضت الإدارة الأميركية ما أسمته خطوط العرض في العراق، وكرست خطابها الإعلامي الموجه عبر وسائل إعلامها ووسائل الإعلام العربية للحديث عن حماية للاكراد (في الشمال) وحماية الشيعة (في الجنوب).

وبينما كثفت الإدارة الأميركية من وجود قوتها الجوية شمال العراق، فإنها منعت أي طيران للقوة الجوية العراقية في الجنوب، وذلك بهدف تكريس مسألتين في أذهان المتلقي في كل مكان، الأولى تتعلق بالتقسيم الطائفي والعرقي في العراق، والثانية لتأكيد ما يروج له الخطاب الأميركي من توفير مظلة حماية للجنوب والشمال.

"
الضخ الإعلامي تمكن  من تكريس تصورات خاطئة عن التقسيمات الجغرافية في العراق، مع أن الواقع يكشف صورة مغايرة تماما، فهناك مناطق ذات غالبية من الطائفة الفلانية لكن لا توجد مناطق واسعة مغلقة على طائفة واحدة
"
لقد تمكن هذا الضخ الإعلامي وما يتضمنه من خطاب سياسي مدروس، من تكريس تصورات خاطئة عن التقسيمات الجغرافية في العراق، وسهل ذلك قبول أولى الخطوات السياسية التي اتخذتها الإدارة الأميركية بعد احتلال العراق، وهي تشكيل مجلس الحكم يوم (14/7/2003) من قبل بول بريمر على أسس طائفية وعرقية، وتصور المراقبون والمتابعون وحتى صناع القرار أنه يمثل استجابة طبيعية للتركيبة العرقية والطائفية في العراق ذات التقسيمات المنطقية.

أما الواقع العراقي فإنه يكشف صورة مغايرة تماما، فهناك مناطق ذات غالبية من الطائفة الفلانية لكن لا توجد مناطق واسعة مغلقة على طائفة واحدة على الإطلاق، وكشفت عمليات التهجير القسري التي تقف خلفها مجاميع مرتبطة بالاحتلال الأميركي ومن يعمل على تنفيذ مشاريعه عن الحقائق التي كانت خافية.

فقد تحدث مسؤولون حكوميون جاؤوا مع قوات الاحتلال عما أسموه عمليات تهجير طائفي من مدن الرمادي والفلوجة والموصل وتلعفر، وبالمقابل ظهر الوجود الآخر في البصرة والناصرية والعمارة وكربلاء، وتحدثت عن ذلك وسائل الإعلام الحكومية (التي تأسست بتمويل وإشراف من قبل إدارة الاحتلال) عن تلك الحقائق.

ولو لم يحصل الارتباك الواسع في مشروع الاحتلال، لما تم الكشف عن تلك الحقائق التي تؤكد أن التوزيع على أساس الطائفة يشمل جميع مناطق العراق، وتمثل مدينة بغداد نموذجا متميزا للتمازج الاجتماعي بين الطوائف والأعراق والأديان.

ويخطئ من يتصور أن ثمة أي نوع من التقسيمات الجغرافية على أسس طائفية، ومن يريد أن يتأكد من الحقائق الموضوعية فسيجد أن مناطق كاملة من (السنة) تعيش في أقصى الجنوب بمدينة البصرة وفي العمارة والناصرية، وهناك مناطق يسكنها (الشيعة) تقع وسط المناطق الساخنة في محافظة صلاح الدين ومن أبرزها (بلد 80 كلم شمالي بغداد)، (الدجيل 60 كلم شمالي بغداد) إضافة إلى مناطق كثيرة أخرى.

وهنا لابد من القول إنه لم يسجل حتى اللحظة أي هجوم في منطقة (سنية) ضد أخرى (شيعية) سواء في الجنوب أو الوسط والشمال، وعلى عكس ذلك فقد تدافع شيوخ العشائر في البصرة والعمارة للوقوف مع إخوانهم (السنة) الذين تعرضوا للتهديد بالتهجير من قبل العصابات والجماعات المرتبطة بمشروع الاحتلال.

وحصل ذات الشيء في مناطق بلد والدجيل وديإلى وغيرها من مناطق العراق حيث وقفت المناطق السنية مع إخوانهم الشيعة، وينطلق هؤلاء جميعا من قناعة راسخة تقول إن كل ما يحصل في ظل الاحتلال لا يخرج عن إطاره تقديم الخدمة له، وإن خلق الشقاق والفرقة والنزاع بين العراقيين هو أنجع السبل لبقاء المحتل وتثبيت مرتكزاته واستمرار أدواته.

"
الحالة العراقية بحاجة إلى الكثير من الدراسات الاجتماعية والسيكولوجية للتعرف على طبيعة القوة التي ساهمت في المحافظة على جدار الأمن الاجتماعي رغم تعرض هذا الجدار إلى أعتى وأشرس الهجمات وأخبث المخططات وأقذر الأدوات
"
ومن الملاحظ أنه ومع تراجع حدة الهجمة الشرسة التي ابتدأت مع مخطط تفجير القبتين بسامراء في الثاني والعشرين من فبراير
/شباط 2006 والتي أرادوا من جرائها إثارة الفتنة الطائفية، حتى بادرت الكثير من العشائر لإعادة مد الجسور والتخلص من التوترات والتشنجات التي حاولت إثارتها وزرعها العصابات والمجاميع التي عملت كل ما وسعها على إثارة الفتنة الطائفية خدمة لبرامج ومخططات الاحتلال والقوى التي ارتبطت به، وذلك من خلال الاختطاف والتعذيب وتشويه الجثث ورميها في المزابل.

ورغم أن مشروع إثارة الفتنة الطائفية ما زال قائما فإن الحقائق الموضوعية تشير إلى أنه لن يحقق أهدافه خاصة أن ارتباط أدوات إثارة الفتنة بين العراقيين قد انكشفت لغالبية شرائح المجتمع العراقي، كما أن محاولات إثارة الفتنة لم تترك سلاحا إلا وجربته، لكنها اصطدمت بحقيقة مغايرة لما يدور في عقول الذين خططوا لجرجرة العراقيين إلى الفتنة والاحتراب الداخلي.

لا شك أن الحالة العراقية بحاجة إلى الكثير من الدراسات الاجتماعية والسيكولوجية، للتعرف على طبيعة القوة التي ساهمت في المحافظة على جدار الأمن الاجتماعي عند العراقيين، رغم تعرض هذا الجدار لأعتى وأشرس الهجمات وأخبث المخططات وأقذر الأدوات.

لكن يجب ألا يغفل العقلاء والدارسون والحريصون على مستقبل المجتمع العراقي بعض الدرنات التي بذروها بين ثنايا العراقيين لعزل مكونات المجتمع العراقي، والتأثير بصورة أو بأخرى على تماسكه وتداخله اجتماعيا وجغرافيا، والعمل الجاد والفاعل على إزالة أي شكل من أشكال الغبار الأسود الذي تركوه هنا أو هناك.
ــــــــــــــــ
كاتب عراقي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة