"قضايا الحل النهائي" بسوريا.. خلافات الدستور والانتخابات   
الثلاثاء 1439/5/26 هـ - الموافق 13/2/2018 م (آخر تحديث) الساعة 15:52 (مكة المكرمة)، 12:52 (غرينتش)
حسين عبد العزيز

 لماذا البدء بالدستور؟
أهم نقاط الاختلاف
بين روسيا وأميركا

شهدت الأشهر الثلاثة الماضية تمفصلات مهمة على صعيد مسار التسوية السورية، بحيث بدأت تتبلور المواقف السياسية للأطراف المحلية والدولية.

وخلال هذه الفترة طُرحت أربع أوراق بشأن التسوية: ورقة المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا ذات البنود الـ12، وورقة رد المعارضة على الوثيقة، والورقة الخماسية التي قدمها وزير الخارجية الأميركي إلى دي ميستورا عشية مفاوضات فيينا الأخيرة، والبيان الختامي لـ"مؤتمر الحوار الوطني" السوري في سوتشي.

ومع أن جميع هذه الأوراق لم تدخل في تفاصيل المسائل المطروحة، إلا أنها حددت إلى حد كبير معالم مواقف الأطراف من قضايا الحل النهائي، إن صح التعبير؛ وفي مقدمتها الدستور والانتخابات.

لماذا البدء بالدستور؟
توصل المجتمع الدولي إلى قناعة بأن إنجاز تسوية سياسية شاملة وذات قيادة واضحة المعالم أمرٌ مستحيل. واكتشف المبعوث الأممي -ومعه الولايات المتحدة- أن البدء بالتراتب الذي حدده القرار الدولي رقم 2254 (الحكم ثم الدستور ثم الانتخابات) لن يفضي إلى أية نتائج، ذلك أن البند الأول (الحكم) يتضمن تقاسما للسلطة.

توصل المجتمع الدولي إلى قناعة بأن إنجاز تسوية سياسية شاملة وذات قيادة واضحة المعالم أمرٌ مستحيل. واكتشف المبعوث الأممي -ومعه الولايات المتحدة- أن البدء بالتراتب الذي حدده القرار الدولي رقم 2254 (الحكم ثم الدستور ثم الانتخابات) لن يفضي إلى أية نتائج، ذلك أن البند الأول (الحكم) يتضمن تقاسما للسلطة


وهي أولاً، مسألة في غاية التعقيد بسبب تشابك النظام مع الدولة؛ وثانيا، بسبب تعقد بنية المؤسستين الأمنية والعسكرية؛ وثالثا، بسبب أن النظام ليس في وارد التنازل بداية عن جزء من سلطاته دون معرفة إلى أين سينتهي المسار السياسي.

لذلك لجأت الأمم المتحدة إلى سلتيْ الدستور والانتخابات، فمن شأن التوصل إلى دستور جديد أو إعلان دستوري، وصيغة متفق عليها للانتخابات، أن تبلور تصورا واضحا لشكل الحكم المقبل.

وبعبارة أخرى؛ فإن الاتفاق على سلتيْ الدستور والانتخابات تعني بالضرورة الاتفاق على جزء من المبادئ السياسية العامة، فلا يمكن -بأي شكل من الأشكال- إعادة صياغة الدستور والانتخابات بمعزل عن المبادئ العليا للانتقال السياسي.

وهذه خطوة تكتيكية مهمة تساعد وتسرع في الوصول إلى تفاهمات. فعلى سبيل المثال، سيتضمن الدستور الجديد -بطبيعة الحال- المبادئَ العامة لشكل نظام الحكم وآلية الإصلاح السياسي والإداري، شرط أن تنشأ بعد مرحلة كتابة الدستور الجديد بيئة محايدة تقود إلى انتخابات حرة ونزيهة.

هنا ميز دي ميستورا بوضوح بين التفاوض السياسي والترتيب الزمني على أرض الواقع؛ فالبدء بمناقشة سلتيْ الدستور والانتخابات لا يعني تجاوز الترتيب الزمني الذي حدده القرار 2254، فعلى أرض الواقع يجب أن تستهدف عملية التغيير شكل الحكم، ولكن انطلاقا من الدستور والانتخابات.

أهم نقاط الخلاف
لم يضع دي ميستورا معالم محددة لتغيير/تعديل الدستور، وإن اكتفى بالقول إن تغيير النظام السوري سيكون من بوابة الدستور والانتخابات. لكن يبدو -من وثيقته المعدلة ذات الـ12 بنداً- أن الأمم المتحدة تميل إلى تعديل الدستور الحالي المكتوب عام 2012، بحيث ترقى التعديلات إلى تغيير جوهري في منطوقه.

بالنسبة للمعارضة، فإن تعديل الدستور الحالي لا يلبي مطالبها، ولذلك رفض رئيس هيئة المفاوضات نصر الحريري مخرجات مؤتمر سوتشي المتعلقة بتشكيل لجنة دستورية، لأن سوريا تحتاج إلى دستور جديد.

جوهر موقف المعارضة يتركز على مبدأ المرحلة الانتقالية الذي يتضمن تشكيل هيئة حكم مطلقة الصلاحيات، الأمر الذي دفعها إلى الاعتراض على وثيقة دي ميستورا لأنها لم تلحظ بيان "جنيف 1" وبنوده الرئيسية المتعلقة بالانتقال السياسي.

وتعتقد المعارضة أن تعديل الدستور القديم يعني شرعنة النظام الحالي، ولا قيمة للتفاوض بشأن الدستور ما لم يكن الهدف تحقيق النقلة السياسية الكبرى، فلا إمكانية لاختزال الانتقال السياسي بمجرد تعديلات بسيطة في الدستور والقانون الانتخابي.

أما النظام، فيرفض -من حيث المبدأ- الحديثَ عن دستور جديد، بل يرفض أي إعلان دستوري أو لجنة دستورية تتشكل مناصفة بينه وبين المعارضة، ويصر على إجراء تعديلات بسيطة في الدستور الحالي لا ترقى إلى تغيير جوهري في بنيته.

كما يؤكد النظام أن إصلاح الدستور يتم وفق الآليات المتوفرة، أي عبر لجنة التشريعات في البرلمان السوري التي لها أن تقترح تعديلات على الدستور. ومن أهم النقاط المختلف عليها:

المؤسسات العامة: تتحدث الفقرة السادسة من وثيقة دي ميستورا المعتمدة في مؤتمر سوتشي عن استمرارية الدولة والمرافق العمومية، وتحسين أدائها مع إصلاحها عند الاقتضاء، في حين تؤكد المعارضة استمرارية الدولة والمرافق العمومية.

إلا أن المعارضة تربط ذلك بالقرارات الدولية (2118/2254)، وتزيد بضرورة إقامة آليات فعالة لصالح المواطنين في مجال علاقتهم مع جميع السلطات العامة، على نحو يكفل الامتثال لسيادة القانون وحقوق الإنسان.

الجيش: تتحدث وثيقة دي ميستورا عن بناء جيش قوي وموَّحد، يقوم على الكفاءة ويمارس واجباته وفقا للدستور ولأعلى المعايير، في حين تؤكد المعارضة أن إصلاح الجيش يجب أن يكون وفقا للدستور، وأن يكون الجيش ملزما بالحياد السياسي وحفظ الشعب السوري من الإرهاب، دون توضيح لمفهوم الإرهاب.

أما النظام فقد رفض الخوض في تفاصيل الجيش، واكتفى بالتأكيد على دعم الجيش في محاربة الإرهاب، لكن عرض وكالة أنباء "سانا" الرسمية البيان الختامي لمؤتمر سوتشي -بعد تغيير في مضمونه- يُظهر الموقف الحقيقي للنظام من هذه المسألة.

فقد رفضت الوكالة اعتماد عبارة "بناء جيش قوي وموَّحد..." الواردة أيضا في وثيقة دي ميستورا، ووضعت محلها ".. شدد على أهمية المحافظة على الجيش والقوات المسلحة، وأن يقوم بواجبه وفقاً للدستور، بما في ذلك حماية الحدود الوطنية والشعب من التهديدات الخارجية، ومكافحة الإرهاب -حماية للمواطنين- حيثما يتطلب ذلك".

ومع أن النظام والمعارضة يؤكدان خضوع الجيش للدستور، إلا أن كلا منهما لديه موقف مباين لموقف الآخر؛ فالنظام يعتبر الجيش خاضعا للرئاسة بموجب المادة 103 من دستور 2012: "رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، ويصدر جميع القرارات والأوامر اللازمة لممارسة هذه السلطة، وله حق التفويض ببعض هذه السلطات". أما المعارضة فتعتبر أن الجيش يجب أن يخضع لسلطات الحكم الانتقالي، أو للحكومة بعد اتمام التسوية.

تعتقد المعارضة أن تعديل الدستور القديم يعني شرعنة النظام الحالي، ولا قيمة للتفاوض بشأن الدستور ما لم يكن الهدف تحقيق النقلة السياسية الكبرى، فلا إمكانية لاختزال الانتقال السياسي بمجرد تعديلات بسيطة في الدستور والقانون الانتخابي. أما النظام، فيرفض -من حيث المبدأ- الحديثَ عن دستور جديد


المؤسسات الأمنية: تحدثت وثيقة دي ميستورا/سوتشي عن بناء مؤسسات أمنية ومخابرات تحفظ الأمن، وتخضع لسيادة القانون وتعمل وفقا للدستور والقانون وتحترم حقوق الإنسان، في حين تشدد الفقرة الخامسة من رد المعارضة على وثيقة دي ميستورا، على إعادة هيكلة وتشكيل المؤسسات الأمنية، وخضوعها للقانون وفق معايير احترام الحريات الأساسية وحقوق الإنسان.

هذه الرؤية تقترب تماما من الرؤية الأميركية المطروحة في الورقة الخماسية التي قدمها وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إلى المبعوث الأممي، عندما أكدت ضرورة خضوع الجيش للسلطات المدنية، واستخدام كلمة "المدنية" له دلالته، حيث يُفترض أن يكون منصب الرئيس مدنيا أيضا، غير أن الورقة الخماسية تقصد الحكومة وليس الرئيس.

أما النظام، فقد أوردت وكالة "سانا" -في معرض تغييرها لمضمون البيان الختامي لمؤتمر سوتشي- رؤيته بقولها: "... تركز المؤسسات الأمنية والاستخباراتية على الحفاظ على الأمن الوطني وتعمل وفقاً للقانون"؛ ولم تقل "الدستور"، وهذا فرق كبير.

الدستور والقانون كلاهما عبارة عن مجموعة من القواعد الملزمة التي تنظم أمور الدولة، لكن الدستور هو الأصل والأعلى رتبة ولا يجوز سن قانون يخالفه، والقوانين قابلة للتغيير بشكل أسهل من الدستور.

وبعبارة أخرى؛ لا يريد النظام إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية، ولا إخضاعها للسلطات المدنية ولا للدستور، لأنه سيفقد بذلك أهم الأذرع التي تدعم بنيته الحاكمة.

الانتخابات: على غرار مسألة الدستور لم تتطرق وثيقة دي ميستورا لمسألة الانتخابات، بخلاف وثيقته الأولى التي قدمها في مارس/آذار 2016، والتي استندت حرفيا إلى الفقرة الرابعة من القرار الدولي رقم 2254.

وسبب عدم الإشارة إلى الدستور والانتخابات في الوثيقة الأخيرة يعود إلى عدم الرغبة الأممية في وضع إطار زمني لتحققهما. كما لم تشر الوثيقة إلى طبيعة الانتخابات، وهل هي برلمانية أم رئاسية، أم هما معاً؟

بالنسبة للمعارضة؛ فإنها تتمسك بحرفية القرار الدولي 2254، وتضيف عليه ضرورة إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، بما يستجيب لمتطلبات الحوكمة وأعلى المعايير الدولية من حيث الشفافية والمساءلة، وتشمل جميع السوريين الذين تحق لهم المشاركة، بمن فيهم أولئك الذين يعيشون في المهجر.

أما النظام فما زال يتهرب من الحديث عن هذه المسألة؛ وبعد ضغط روسي خرج القصر الجمهوري السوري ببيان، يؤكد استعداد دمشق لإجراء انتخابات برلمانية فقط دون ذكر للانتخابات الرئاسية.

وفيما يتعلق بعملية الإشراف على الانتخابات؛ تطالب المعارضة بأن تكون تحت إشراف كامل من الأمم المتحدة، في حين يرفض النظام ذلك بتاتا، مع قبوله وجود مراقبين دوليين يختارهم هو، وهذا يعني رفض النظام لجوهر الفقرة الرابعة من القرار الدولي 2254.

بين روسيا وأميركا
على مدار السنوات السابقة لم تعلن واشنطن أي موقف تفصيلي مما يمكن تسميته قضايا الحل النهائي في سوريا، وكانت الورقة الخماسية التي قدمها تيلرسون إلى دي ميستورا أول ورقة تفصيلية توضح الموقف الأميركي، وإن كانت هذه الورقة غير رسمية.

ربما تكون "الورقة الخماسية" هي السبب الفعلي وراء قبول الروس بوثيقة دي ميستورا كما هي، فالوثيقة تعتبر معقولة بالنسبة لموسكو مقارنة بالورقة الخماسية؛ فكل هذه التفاصيل لم تتطرق إليها ورقة المبعوث الأممي، حيث تُركت مفتوحة للتفاوض بين الراعييْن الكبيرين. أما الروس لا يخوضون في التفاصيل


تطالب الورقة بتقليص صلاحيات الرئيس للوصول إلى مستوى من التوازن بين صلاحياته وصلاحيات رئيس الوزراء، مع ضمانات لاستقلال المؤسسات المركزية الأخرى والإدارات الإقليمية، في إشارة إلى الإدارات المحلية.

وتدعو إلى إصلاح أجهزة الأمن بحيث تخضع للسلطة المدنية ويتم إنهاء الحصانة عنها، إضافة إلى عملها بشكل حيادي مع خضوعها للمساءلة والمحاسبة.

كما تطالب الورقة بإشراف الأمم المتحدة على الانتخابات، وبمشاركة النازحين واللاجئين بموجب القرار 2254، بحيث تؤسس مؤسسات وفق معايير دولية تشرف على الانتخابات، بما فيها هيئة انتخابية مهنية وحيادية ومتوازنة، وتطبيق إجراءات بناء الثقة وتوفير البيئة المحايدة لإجراء الانتخابات.

ربما تكون هذه الورقة هي السبب الفعلي وراء قبول الروس بوثيقة دي ميستورا كما هي، فالوثيقة تعتبر معقولة بالنسبة لموسكو مقارنة بالورقة الخماسية؛ فكل هذه التفاصيل لم تتطرق إليها ورقة المبعوث الأممي، حيث تُركت مفتوحة للتفاوض بين الراعييْن الكبيرين. أما الروس لا يخوضون في التفاصيل، يتحدثون فقط عن دستور معدل وانتخابات وفق القرار الدولي 2254.

صحيح أن العاصمتين (واشنطن وموسكو) تعتقدان أن أية صيغة إصلاحية ستنتهي بتخفيض صلاحيات مؤسسة الرئاسة والمؤسسة الأمنية لصالح المعارضة، دون أن تحصل الأخيرة على الغلبة السياسية.

لكن بين العاصمتين خلافات حادة لم تظهر طبيعتها بوضوح؛ منها مثلا أنهما لم تبيّنا: ما هي حدود الإصلاح السياسي والإداري؟ وما هو مصير بشار الأسد بعد إنجاز هذا الإصلاح؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة