إسرائيل ورائد صلاح.. "الأسرلة" في مواجهة "الفلسطنة"   
الجمعة 8/7/1426 هـ - الموافق 12/8/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:48 (مكة المكرمة)، 9:48 (غرينتش)






















صالح محمد النعامي

"الأسلمة" و"الفلسطنة" في مواجهة "الأسرلة"
إسرائيل وخيارات العمل ضد الحركة

لا تكاد التقارير الدورية التي ترفعها الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية ومراكز البحث التابعة لها للحكومات التي تعاقبت على إدارة دفة الأمور في الدولة العبرية خلال العقدين الماضيين حول الموقف من فلسطينيي 48، تخلو من استنتاج مفاده أن الحركة الإسلامية هناك بزعامة الشيخ رائد صلاح تمثل خطراً إستراتيجياً على الدولة.

من هنا يكون من الخطأ الاعتقاد بأن الحرب التي تشنها الدولة العبرية ضد الحركة الإسلامية قد توقفت رحاها بعدما فشلت كل من الأجهزة الاستخبارية والمستوى السياسي في إسرائيل في إدانة هذه الحركة وتجريم زعيمها، وبعدما تبين للجميع أن الإفراج عن الشيخ صلاح شكل دليلاً على أن الجبل تمخض فولد فأراً.

فقد تهاوت الاتهامات التي وجهتها المخابرات الإسرائيلية الداخلية "الشاباك" للحركة، وسقطت هذه الاتهامات في اختبار القضاء الإسرائيلي نفسه، وعجزت الدولة العبرية عن التدليل على وجود أي علاقة بين الحركة الإسلامية بقيادة صلاح والجهد المقاوم لحركة حماس، ولم تتمكن من إثبات أي علاقة للحركة بأي جهة خارجية "معادية" للدولة.

الحرج الشديد الذي أصاب دوائر صنع القرار في الدولة العبرية بعد تهاوي منظومة الأكاذيب والأباطيل التي فبركتها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ضد الحركة، لم يحل دون احتدام الجدل مجدداً داخل المؤسستين الأمنية والسياسية حول سبل مواجهة المخاطر التي ترى المحافل الإسرائيلية أن الحركة الإسلامية تمثلها.

"الأسلمة" و"الفلسطنة" في مواجهة "الأسرلة"
"
يشكل اهتمام الحركة الإسلامية بالانتخابات المحلية تحديداً دليلاً آخر على ما تعتبره المؤسسة الأمنية الإسرائيلية "توجهات انفصالية" تحكم عمل الحركة الإسلامية
"
هناك الكثير من مظاهر الخطر التي تراها الدولة العبرية في الحركة الإسلامية. فالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية ترى أن الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد ترفض في واقع الأمر شرعية إسرائيل.

ويدلل القائمون على هذه المؤسسة على ذلك من خلال الإشارة إلى مواظبة الحركة على رفض المشاركة في الانتخابات التشريعية الإسرائيلية على الرغم من أن أعضاءها يتمتعون بحق المشاركة في هذه الانتخابات لكونهم يحملون الهوية الإسرائيلية.

ويشكل اهتمام الحركة الإسلامية بالانتخابات المحلية تحديداً دليلاً آخر على ما تعتبره المؤسسة الأمنية الإسرائيلية "توجهات انفصالية" تحكم عمل الحركة الإسلامية.

هنا من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن تخلف أعضاء الحركة الإسلامية وأنصارها عن المشاركة في الانتخابات التشريعية يخدم تحديداً اليمين الإسرائيلي، حيث إنه كلما زادت مشاركة فلسطينيي 48 في الانتخابات عزز ذلك من قوة الأحزاب العربية أو الأحزاب والحركات اليسارية الممثلة في البرلمان الإسرائيلي.

لكن ما يهم المؤسسة الأمنية هو الدلالات الكامنة وراء موقف الحركة الإسلامية من الانتخابات التشريعية.

يسود إجماع داخل المؤسسة الأمنية على أن الحركة الإسلامية تنطلق في أنشطتها لتحقيق هدف عام وكبير وهو "أسلمة" و"فلسطنة" المجتمع العربي داخل فلسطين 48، وحمايته من جهود الدولة العبرية لـ"أسرلة" هذا المجتمع، عبر دمجه في الأكثرية اليهودية.

في "إسرائيل" يرون أن الحركة الإسلامية قطعت شوطاً كبيراً في تحقيق هذا الهدف، الأمر الذي تعتبره إسرائيل مصدراً لمخاطر كبيرة على أمنها ووجودها. لا يختلف أثنان داخل المؤسسة الحاكمة في الدولة العبرية على أن مجرد التوجه نحو التدين داخل أوساط فلسطينيي 48 يعزز من "أسلمة" هذا المجتمع و"فلسطنته".

لقد عملت الدولة العبرية على تعزيز بذور "الأسرلة" لدى فلسطينيي 48 بكل ما أوتيت من قوة، وسعت إلى صهرهم في بوتقة المجتمع الإسرائيلي مع الأغلبية اليهودية، وحاولت تحييد فعل كل مركبات الهوية العربية والإسلامية والفلسطينية لدى هؤلاء الفلسطينيين، لكنها فشلت في ذلك فشلاً كبيراً.

ويرجع وزير الأمن الإسرائيلي الداخلي جدعون عيزرا، الذي كان يشغل في السابق منصب القائم بأعمال مدير المخابرات، ذلك الفشل إلى جهود الحركة الإسلامية بقيادة رائد صلاح. لكن فشل مؤسسة الحكم الإسرائيلية لم يقف عند هذا الحد، بل فشلت أيضا في سلخ فلسطينيي 48 عن إخوانهم الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وحسب إسرائيل، فقد لعبت الحركة الإسلامية دوراً أساسيا في تعزيز التواصل بين فلسطينيي 48 وإخوانهم في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتمثل هذا التواصل في دور الحركة في إغاثة المعوزين والفقراء وأسر الشهداء، الأمر الذي تعتبره الدولة العبرية جهودا غير مباشرة من قبل الحركة لدعم المقاومة الفلسطينية وحركاتها. في نفس الوقت فإن الأجهزة الأمنية الصهيونية تعتبر أن لهذا التواصل مخاطر أمنية، تتمثل في سهولة تجنيد فلسطينيي 48 في تنفيذ عمليات المقاومة التي تنفذها الفصائل الفلسطينية داخل إسرائيل.

وقد عرض يوفال ديسكين رئيس المخابرات الإسرائيلية الداخلية "الشاباك" مؤخراً ما اعتبره معطيات "مقلقة" حول دور فلسطينيي 48 في عمليات المقاومة الاستشهادية داخل إسرائيل. و يدعي خبراء الأمن الإسرائيليون أن هناك علاقة طردية بين القرب من الحركة الإسلامية وبين استعداد فلسطينيي 48 للمشاركة في عمليات المقاومة.

"
في إسرائيل يعبرون دائما عن امتعاضهم من المهرجان السنوي الذي تقيمه الحركة الإسلامية في مدينة "أم الفحم" بعنوان "الأقصى في خطر"، وتعتبره  عبارة مهرجان لـ"التحريض" على الدولة العبرية
"
لكن أكثر ما أثار حفيظة دوائر صنع القرار في الدولة العبرية هو ادعائهم أن الحركة الإسلامية تعمل دوماً على رفع سقف المطالب الوطنية الفلسطينية في المفاوضات وتمنع السلطة الفلسطينية والأطراف العربية الأخرى من أي تراجع وتنازل في القضايا المهمة وبالذات في كل ما يتعلق بمستقبل القدس والمسجد الأقصى.

ففي إسرائيل يعبرون دائما عن امتعاضهم من المهرجان السنوي الذي تقيمه الحركة الإسلامية في مدينة "أم الفحم" بعنوان "الأقصى في خطر"، وتعتبر المخابرات الإسرائيلية أن هذا المهرجان عبارة مهرجان لـ"التحريض" على الدولة العبرية، ومناسبة لتذكير قادة السلطة الفلسطينية والحكومات العربية أنه لن تكون هناك تسوية بدون استعادة القدس والمسجد الأقصى.

تبني قضية القدس والمسجد الأقصى على وجه الخصوص يقلق كثيراً دوائر صنع القرار في الدولة العبرية. ولعله من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى قيام المخابرات باستدعاء أحد قادة الحركة قبيل أيام من الإفراج عن الشيخ رائد وتحذيره من التعرض لقضية المسجد الأقصى، وتهديده بقيام الحكومة الإسرائيلية بضرب الحركة مجدداً.

وبالنسبة لدوائر صنع القرار في الدولة العبرية فإن جهود الحركة الإسلامية في ترميم القرى والمساجد التي دمرتها قوات الاحتلال بعيد حرب عام 48 وإقامة الصلاة فيها أيام الجمعة، يسلط الضوء مجدداً على قضية اللاجئين الفلسطينيين الذين هجروا من أراضيهم وانتزعوا من منازلهم.

والذي يثير حفيظة المؤسسة الأمنية والسياسية في الدولة العبرية هو حقيقة قدرة الحركة الإسلامية على الانتشار والتوسع في النسيج الاجتماعي لفلسطينيي 48.

في الدولة العبرية يعتبرون الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد الحركة السياسية الأكبر التي تمثل فلسطينيي 48. في نفس الوقت فإن الإفراج عن الشيخ رائد صلاح دون أن تستطيع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية إثبات صحة الاتهامات ضده شكل مصدر قوة إضافية لهذه الحركة، وزاد من مظاهر التعاطف الجماهيري معها.

إسرائيل وخيارات العمل ضد الحركة
السؤال الذي يطرح هنا، ما هي الخيارات التي تضعها دوائر صنع القرار في الدولة العبرية لمواجهة الحركة الإسلامية.

فقد تبين مؤخراً أن الحكومة الإسرائيلية تدرس توصية تقدمت بها المخابرات الإسرائيلية الداخلية "الشاباك" للإعلان عن الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح كحركة غير قانونية وحظر نشاطها، ومنعها من المشاركة في الانتخابات المحلية.

"
تدرس الحكومة الإسرائيلية توصية تقدمت بها المخابرات الإسرائيلية الداخلية "الشاباك" للإعلان عن الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح كحركة غير قانونية وحظر نشاطها، ومنعها من المشاركة في الانتخابات المحلية
"
الإعلان عن الحركة الإسلامية حركة غير قانونية يعني إغلاق جميع مؤسساتها الدينية والتعليمية والإعلامية والسياسية والاجتماعية والخيرية. في نفس الوقت فإنه سيكون من حق أجهزة الأمن الإسرائيلية ملاحقة كل شخص يثبت انتماؤه للحركة الإسلامية.

ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أنه ليس فقط المخابرات هي التي تدعو إلى إخراج الحركة الإسلامية عن دائرة القانون، فجميع حركات وأحزاب اليمين في الدولة العبرية التي تتمتع بالأكثرية البرلمانية تؤيد هذا الاقتراح، وعددً من الشخصيات المهمة في حزب العمل، على وجه الخصوص. لكن في المقابل هناك تحفظات قوية على هذا الاقتراح.

فبعض الأجهزة الأمنية بالإضافة للصحافة والعديد من مراكز البحث ترى أن تطبيق هذا الاقتراح ينطوي على خطورة كبيرة. وحسب وجهة النظر هذه، فإن اعتبار الحركة الإسلامية حركة غير قانونية يعني دفع أعضائها للعمل ضد الدولة بشكل سري، وعندها سيكون من الصعوبة على أجهزة الدولة الأمنية والاستخبارية متابعتها ورصد تحركاتها، في نفس الوقت، فإن هذا سيدفع الحركة إلى مزيد من التطرف في المواقف السياسية، وقد يدفعها للعمل على المس بالدولة العبرية ومؤسساتها.

الذين يعارضون إخراج الحركة الإسلامية عن دائرة القانون يقترحون في المقابل، تشديد الرقابة القانونية ضدها، والتوسع في ممارسة الإجراءات الأمنية ضد عناصرها، مثل الاعتقال الإداري، إلى جانب فرض رقابة مشددة على عمليات تجنيد الأموال التي تقوم بها الحركة الإسلامية في الخارج.

في الدولة العبرية يدعون أنه على الرغم من فشلهم في الربط بين الحركة الإسلامية وتمويل عمليات المقاومة التي تقوم بها حركة "حماس"، وفشلهم في إثبات أن تقديم الدعم المالي لأسر الشهداء يمثل دعماً غير مباشر للمقاومة، فإنهم يؤكدون أن تقديم المعونات المالية لأسر الشهداء وخصوصاً الذين يقضون نحبهم في العمليات الاستشهادية يعتبر دعماً مباشراً لفعل المقاومة، وبالتالي يتوجب منع الحركة الإسلامية من مواصلة تقديم الدعم المالي لأسر الشهداء والمعوزين.

ومن المفارقة أن وزارة شؤون الرفاه الاجتماعي في الدولة العبرية تقدم المساعدات المالية وتتبنى أسر المجرمين اليهود الذين اعتقلوا على خلفية ارتكابهم مجازر ضد المدنيين الفلسطينيين.

"
الذي لا يختلف عليه اثنان من صناع القرار في الدولة العبرية هو حقيقة يأسهم من إمكانية "أسرلة" المجتمع العربي داخل فلسطين 48، وتحييد مظاهر الأسلمة والفلسطنة فيه
"
مما تقدم يجب ألا يعني لأحد أن الدولة العبرية تتخذ مواقف مغايرة من بقية الأحزاب والحركات السياسية التي تمثل فلسطينيي 48، لكن طابع عمل الحركة الإسلامية يمنح مؤسسات الدولة هامش مناورة أكبر للعمل ضدها.

الذي لا يختلف عليه اثنان من صناع القرار في الدولة العبرية هو حقيقة يأسهم من أي إمكانية لـ"أسرلة" المجتمع العربي داخل فلسطين 48، وتحييد مظاهر الأسلمة والفلسطنة فيه، من هنا انتقل الساسة في الدولة العبرية إلى محاولة التوصل لحل لـ"معضلة" فلسطينيي 48 ضمن الصيغ السياسية التي تقترح لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

لعل الصيغة الأكثر رواجاً هنا هي تبادل الأراضي بين الدولة الفلسطينية التي يفترض أن تقام في ظل أي تسوية سياسية وبين إسرائيل. وضمن هذه الصيغة يقترح أن يتم ضم المناطق في إسرائيل التي تضم أكبر تجمع لفلسطينيي 48، وتحديداً المثلث وأجزاء من الجليل للدولة الفلسطينية، في حين يوافق الفلسطينيون على ضم التجمعات الاستيطانية الكبرى للدولة العبرية.

يدرك صناع القرار في الدولة العبرية أن لا أحد في السلطة الفلسطيني ولا من بين ممثلي فلسطينيي 48 يمكنه الموافقة على هذا الاقتراح، لكن الإصرار على الصيغة واتساع دائرة المؤيدين لها داخل إسرائيل يظهر حجم المعضلة التي بات فلسطينيو 48 يمثلونها للدولة العبرية.



ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة