حاكم العراق المقبل.. الشروط والمواصفات   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ داود سليمان*

- الأميركيون واحتكار تقرير مصير العراق
- اللمسات الأميركية

- الصورة الأميركية لقائد النظام الجديد
- النموذج القديم والوافدون الجدد

- كبه.. نموذج الوافدين الجدد

قبل أن تبدأ الحرب الأميركية على العراق والحديث يدور عن طبيعة الحكم الذي سيقوم في العراق والكيفية التي سيبنى عليها النظام السياسي الجديد والشخص الذي سيحكم العراق.

وعلى الرغم من سيطرة أميركا على العراق فإن الإدارة الأميركية لم تحدد بعد طبيعة النظام السياسي الذي سيحكم العراق كما لم تستقر بعد على الشخصية التي سترأس ذلك النظام وتولي قيادة دفة العراق رغم تردد العديد من الأسماء للقيام بتلك المهمة، وهو ذات الأمر الذي ينطبق على العراقيين بكافة توجهاتهم السياسية.

وسواء تم تحديد ذلك الشخص ولم يكشف النقاب عنه أو لم يتم تحديده بعد، فإنه يمكن رسم تصور معين للشروط الواجب توفرها في حاكم العراق المقبل.

الأميركيون واحتكار تقرير مصير العراق

لن يكتب النجاح للعلاقة بين الاحتلال والمصالح ما لم يكن لها غطاء سياسي يمنحها الشرعية ويؤسس لها

بالرغم من محاولة الإدارة الأميركية إلباس احتلالها للعراق بلبوس القيم والمبادئ السامية إلا أن عامل المصلحة يظل هو المسيطر في سياستها تجاه العراق. وهو ما يتجلى بوضوح في حرصها على استثمار هذا الاحتلال من خلال الحفاظ على مصالحها.

ولن يكتب النجاح للعلاقة بين الاحتلال والمصالح ما لم يكن لها غطاء سياسي يمنحها الشرعية ويؤسس لها، الأمر الذي يعني ضرورة تنصيب رمز سياسي قد لا يكون مؤثرا على الصعيد المحلي وإن حظي بالتأييد والدعم الأميركي، ويكون قادرا في ذات الوقت على التوفيق ما بين المصالح الأميركية وضرورات المرحلة.

وقد ظهر حرص الولايات المتحدة على الاستفراد بتقرير مستقبل العراق بعد رفضها لأن تلعب الأمم المتحدة أي دور في عراق ما بعد الحرب، على الرغم من ضعف دورها قبل الحرب أو خلالها، أما حلفاء الأمس أعداء اليوم روسيا وفرنسا وألمانيا فقد أظهرت أميركا من خلال تصريحات مسؤولين فيها على أنه لا يحق لمن وقف في وجه شن الحرب على العراق أن يكون له دور بعد انتصارها.

وفي إطار معادلة المنتصر والمهزوم لا يبدو أن أميركا ستلقي بالا لما قد يتفق عليه العراقيون على الرغم من صعوبة اتفاقهم، ولا تبدو الديمقراطية التي تتحدث عنها الولايات المتحدة لتشكيل المستقبل العراقي تثير اهتمامها إلا بالقدر الذي تحقق فيه تلك الديمقراطية المصالح الأميركية.

وتعد تصريحات وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفيلد والتي أعقبت اجتماع الناصرية الذي لم تشارك فيه كل المعارضة العراقية، مثالا واضحا لذلك إذ لم يبد رمسفيلد اهتماما كبيرا بمقاطعة بعض الفصائل العراقية لذلك الاجتماع قائلا إن حرية القرار من طبيعة الممارسة الديمقراطية.

اللمسات الأميركية

تسعى الإدارة الأميركية إلى تعزيز حضورها على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي في العراق من خلال إعادة صياغة البنى الاقتصادية والاجتماعية على نحو غير مسبوق

إضافة إلى هذه التحركات السياسية، تسعى الإدارة الأميركية إلى تعزيز حضورها على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي في العراق من خلال إعادة صياغة البنى الاقتصادية والاجتماعية العراقية على نحو غير مسبوق. فقد ذكرت الصحف الأميركية أن وزارة المالية الأميركية تعمل على وضع خطة لتطوير الاقتصاد العراقي يكون الهدف منها خصخصة القطاع العام وعلى رأسه القطاع النفطي والسماح للشركات الأميركية للدخول إلى السوق النفطي العراقي.

إضافة إلى أنه يجري العمل في واشنطن على إعداد مناهج دراسية جديدة سيتم توزيعها على الطلاب العراقيين تهدف إلى تحسين صورة أميركا ونشر النموذج الديمقراطي الغربي، لتكون منطلقا للوصول للدول العربية الأخرى.

فإذا ما رغبت الولايات المتحدة أن تكون لمساتها واضحة في تغيير بنية المجتمع العراقي للتماهي مع رغباتها فإنه لا يمكن استبعاد الحرص الأميركي على أن يكون لها دور محوري في السلطة العراقية القادمة ومن سيرأس تلك السلطة، ويظهر ذلك جليا في رفض الحاكم الإداري الأميركي للعراق جاي غارنر أو صانع الملوك كما تلقبه بعض الصحف الأميركية الاعتراف بمحمد محسن الزبيدي رئيسا لإدارة مدينة بغداد.

الصورة الأميركية لقائد النظام الجديد

شهدت الإدارة الأميركية خلال الفترة الماضية نقاشا حادا بين وزارتي الخارجية والدفاع عن طبيعة النظام السياسي الذي سيحكم العراق وشخصية قائد ذلك النظام، وسيكون لتلك النقاشات والصراعات داخل الإدارة الأميركية أثر حاسم في رسم صورة مستقبل العراق السياسي.

تسعى الولايات المتحدة لأن يبقى دورها منحصرا في الحكم من خلف الكواليس بعد تنصيب الحكومة الجديدة في بغداد

ففي الوقت الذي رأت فيه الخارجية الأميركية أنه يتوجب على الشخص الذي سيتولى الحكم في العراق أن يحظى بشعبية في داخل العراق ويكون مقبولا على الصعيد الإقليمي وألا تربطه علاقات واضحة بالإدارة الأميركية، فقد كان رأي مخططي البنتاغون أنه من غير المهم النظر إلى تلك الاعتبارات مادام الشخص الذي يتم اختياره سيكون ذا فائدة لتحقيق المصالح الأميركية هناك، وسيتم القبول به إقليميا إذا أبدت الولايات المتحدة رغبتها في أن يكون الشخص المعني هو من توكل له تلك المسؤولية.

وقد أبدى عدد من السياسيين الأميركيين وبعض الكتاب رأيهم بهذا الخصوص، فتوماس فريدمان الذي يعد أحد النافذين لدى صناع القرار في الولايات المتحدة، ذكر في مقال له في نيويورك تايمز أن على الإدارة الأميركية العمل على بناء مسار سياسي يقود إلى سيطرة قادة وطنيين معتدلين يكونوا قادرين على إمساك زمام الأمور في العراق، على أن يبقى دور القوات الأميركية منحصرا في الحكم من خلف الكواليس. اعتبر فريدمان أن هذه تعد فرصة لن تتكرر لإعطاء الانطباع عن نوايا أميركا المستقبلية في العراق.

وهو الأمر الذي أشار إليه عضوا الكونغرس الأميركي جوزيف بيدن وتشيك هاجل في مقال لهما في واشنطن بوست، إذ أشارا إلى أن قيام أميركا بتعيين حاكم للعراق بمفردها سيشكك في شرعية ذلك الحاكم سواء في أعين العراقيين أو في المنطقة.

كما يمكن القول إن تلك الشخصية يجب أن تكون مهتمة بالمجتمع المدني وإنشاء مجتمع مدني قادر على التعامل مع مستجدات الوضع في العراق، إذ يبدى العديد من المسؤولين والمختصين الأميركيين اهتماما واضحا بمسألة المجتمع المدني العراقي القادر على التوجه نحو الديمقراطية والتخلص من تبعات الماضي.

النموذج القديم والوافدون الجدد
أحمد الجلبي

في إطار البحث عن الشخصيات الأوفر حظا في لعب دور حاكم العراق سيكون من الصعوبة بمكان تحديد شخصية بعينها لكثرة الأسماء التي يمكن تداولها في هذا السياق، ولكن يمكن القول إن هناك نموذجا قديما قد طرحت أسماء ممثليه ولازالت ونموذجا جديدا لم يسلط عليهم الضوء كحكام للعراق. وفي هذا السياق يمكن طرح أحمد الجلبي كممثل للنموذج القديم وطرح الدكتور ليث كبة كنموذج للوافدين الجدد على ساحة الترشيحات.

فأحمد الجلبي طرح اسمه ومازال مطروحا للعب دور في عراق ما بعد صدام، في حين تبقى شخصية الدكتور ليث كبة وشخصيات مماثلة له، شخصية غير مطروحة بقوة على الساحة السياسية ولكنها مرشحة للعب هذا الدور.

وقد أثار أحمد الجلبي الكثير من اللغط حوله قبل بدأ الغزو الأميركي للعراق وتزايد الجدل مع دخوله العراق برفقة عدد من الميليشيات العراقية مدينة الناصرية ليبدأ العمل على كسب مؤيدين له في أوساط العراقيين الذين غادرهم وعائلته منذ كان في مرحلة المراهقة عام 1958.

ويحظى الجلبي بعلاقات جيدة مع كل من نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رمسفيلد ونائبه بول وولفويتز والتي يعتبرها من أهم نقاط القوة التي تدعم موقفه للتأهل لقيادة العراق.

غير أنه أدرك بعد دخوله العراق أن مثل تلك العلاقات ستنقلب ضده خاصة بعد فشله في تشكيل تيار قوي في أوساط العراقيين يكون نقطة ارتكاز لتحقيق الهدف المنشود في السيطرة على العراق، وفي محاولته لترميم صورته بدأ يتنصل وينسحب من مناصب وجدها ملتصقة به حتى قبل دخوله العراق كي ينأى بنفسه قليلا عن أميركا، فلم يكترث بأن يكون له دور في إعادة إعمار العراق، كما أبدى عدم رغبته في المشاركة في أي حكومة عراقية مؤقتة قد تتشكل لاحقا وبات جل همه مركزا على العمل لتفعيل المجتمع المدني وخلق ظروف مناسبة لمعيشة العراقيين.

وكما لم يحصل الجلبي على كبير دعم في داخل العراق فقد جوبهت فكرة تنصيبه حاكما ولعب دور في مستقبل العراق باعتراض من قبل بعض العرب الذين يدركون أنه سيكون رجل أميركا في العراق، وهذا أمر لا يرغبون فيه والذي قد يوقعهم في مأزق القبول باحتلال بلد عربي وتنصيب حاكم عليه من قبل الدولة الغازية، الأمر الذي دفع وزارة الخارجية الأميركية التي تدعمها المخابرات المركزية في موقفها هذا، إلى الاعتراض على الجلبي والدخول في خلاف مع البنتاغون التي تريد إعطاء دور حيوي ومهم للجلبي في عراق ما بعد الحرب.

ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد فالجلبي لا يتمتع بسمعة طيبة بخصوص نزاهته، فهو محكوم عليه في قضية مالية في الأردن التي رفضت التعامل معه بناء على تلك القضية. كما لا تكاد الصحف تخلو من الحديث عن تلاعبات مالية قام بها الجلبي وإخوته أثناء وجوده في الخارج.

كبة.. نموذج الوافدين الجدد

الأميركيون الذين اكتشفوا أنهم يجهلون الكثير من الحقائق عن العراق سيعمدون إلى الاعتماد على شخصية تحظى بقبول داخل العراق وخارجه ويحظى بعلاقات مميزة مع أميركا

على النقيض من شخصية الجلبي تأتي شخصية الدكتور ليث كبة، إذ خرج من العراق منذ فترة غير بعيدة (خرج في منتصف السبعينات)، كما يطرح الرجل نفسه على أنه معارض مستقل. وابتعد عن خلافات المعارضة العراقية وحرص على إظهار ذلك عندما حاولت المعارضة العراقية تشكيل هيئة اتصال تكون مهمتها التنسيق بين الإدارة الأميركية وتلك الفصائل في مؤتمر لندن الذي عقد في ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي، وقد أرجع في حينه السبب في الخلاف بشأن الانضمام إلى تلك اللجنة وجود اعتقاد خاطئ لدى المعارضة بأن تلك اللجنة ستكون بمثابة وزارة عراقية بعد تغيير الحكم في العراق.

ينظر إلى الدكتور كبة على أنه يمثل تيارا ثالثا وسط شيعة العراق، فعلى الرغم من خلفيته الإسلامية فهو يصبوا إلى تمثيل القيم الديمقراطية الغربية (فصل الدين عن الدولة) ويرى أن الإطار الديمقراطي خير منهج لصون حقوق الجميع خصوصا السنة.

ويطرح كبة نفسه على أنه "شخص قريب من الإدارة الأميركية مع التشديد على أنه لا يستلم أي دعم سواء من المخابرات المركزية الأميركية أو من وزارة الخارجية الأميركية أو من أي جهاز مخابرات عربي أو غير عربي، على عكس أطراف عراقية أخرى كما يقول عن نفسه، ويعتبر نفسه بأنه الشخصية الشيعية الوحيدة التي تستمع لها الإدارة الأميركية في القضايا التي تتعلق بالشيعة.

بالإضافة إلى علاقته القريبة من الإدارة الأميركية واجتماعه مع مستشارة الأمن القومي الأميركي كوندوليزا رايس للاستيضاح منه ومن العراقيين الذين حضروا الاجتماع (كنعان مكية، ورندا الرحيم، وحاتم المخلص) سبل بناء توافق سياسي في العراق ما بعد صدام، فإن كبة يمتاز بعلاقته الجيدة مع الأطراف المختلفة في المعارضة العراقية، فبعد خروجه من حزب الدعوة الإسلامية انضم إلى المؤتمر الوطني العراقي المعارض الذي يرأسه أحمد الجلبي وذلك قبل أن يصبح مستقلا، وكان يتمتع بعلاقة متميزة مع عبد الحميد الخوئي الذي عمل على لعب دور سياسي في العراق ما بعد الحرب.

ويمتاز د. ليث كبة الذي يشغل منصب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة الهبات القومية من أجل الديمقراطية وهي مؤسسة أميركية، باهتمامه بإنشاء مجتمع مدني حقيقي لتهيئة المجتمع العراقي للسير نحو الديمقراطية، ويرى أنه يجب البدء في بناء شبكات للقوى الديمقراطية ومنظمات شعبية وهيئات متخصصة في مراقبة شؤون العامة.

"فما لا يضمن تحقيقه لن يقدمه الآخرون للعراقيين بل إنهم سيملون عليهم بديلا أو خيارات من بدائل يعمل على فرضها عليهم بالإقناع والإكراه".

ويمكن القول إن أهم البرامج التي قام بها كبه الذي امتاز بكثرة مشاريعه وأفكاره عن الديمقراطية وأنماط الحكم والمجتمع المدني والحكم، قيامه "بحملة وطنية عريضة تعبئ العراقيين" لإرساء وتحقيق الديمقراطية في العراق وتناوله في تلك الحملة المهام الواجب إتباعها للانتقال من الدكتاتورية إلى الديمقراطية والتي تعد برنامج عمل لفترة ما بعد صدام.

على الرغم من أن النقاش بشأن الحاكم القادم للعراق مازال محتدما في الإدارة والنخب الأميركية، فإن الأميركيين الذين اكتشفوا أنهم يجهلون الكثير من الحقائق عن العراق سيعمدون إلى الاعتماد على شخصية تحظى بقبول داخل العراق وفي الوسط العربي خارجه، ويحظى بعلاقات مميزة مع أميركا.
ـــــــــــــــ
*كاتب صحفي فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة