انخفاض خسائر الناتو بأفغانستان.. دلائل ومؤشرات   
السبت 1435/3/25 هـ - الموافق 25/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 14:25 (مكة المكرمة)، 11:25 (غرينتش)
مصباح الله عبد الباقي



 نجاح الإستراتيجية الأميركية
ماذا يتوقع في المستقبل؟

طبقا لتقرير نشرته وكالة أسوشيتد برس يوم 31 ديسمبر/كانون الأول 2013، فقد انخفضت خسائر القوات التابعة لحلف شمال الأطلسي (NATO) في أفغانستان خلال عام 2013 إلى أقل مستوياتها منذ ست سنوات ماضية، بينما ارتفعت خسائر القوات الأفغانية في نفس السنة إلى أعلى مستوياتها منذ 12 عاما.

وكانت خسائر القوات الأجنبية في العام الماضي 151 قتيلا، بينما وصل هذا العدد عام 2012 إلى 394 قتيلا، وكان أكثر هذه الدول خسارة الولايات المتحدة الأميركية، فقد وصلت خسائرها إلى 118 قتيلا وكان عدد ضحاياها عام 2012 هو 297 شخصا، أما خسائر القوات الأفغانية فقد ارتفعت إلى 2767 قتيلا عام 2013، بينما كان عدد ضحاياها في العام الذي كان قبله 1870 شخصا.

هذا التقرير وأمثاله يثير عدة تساؤلات لدى المهتمين بالشأن الأفغاني، منها تساؤل حول هذا التحول المفاجئ في ميزان الخسائر، ومنها تساؤلات حول مستقبل أفغانستان في ضوء الظروف الحالية وخاصة بعد نهاية مهمة قوات الناتو في أفغانستان بنهاية عام 2014.

نجاح الإستراتيجية الأميركية
طالت الحرب الأميركية على الإرهاب المزعوم، وبدأت إدارة باراك أوباما تشعر بضغوط سياسية واجتماعية واقتصادية للأسباب التالية:

تكلفة الحرب بلغت من أربعة إلى ستة تريليونات دولار، ويشمل هذا المبلغ التكلفة المباشرة وغير المباشرة للحرب، وهذه المبالغ الخيالية عرضت الحكومة الأميركية لضغوط اقتصادية شديدة

1- خسائر الجيش الأميركي في الأرواح: فإن حمل توابيت قتلى الجيش الأميركي بصورة مستمرة إلى الولايات المتحدة، ونقل الجرحى والمعاقين أو الذين تعرضوا لأمراض نفسية خطيرة بسبب الضغوط النفسية الشديدة نتيجة الظروف القتالية في أفغانستان قد عرّض الإدارة الأميركية لضغوط سياسية واجتماعية شديدة، حيث فقد الجيش الأميركي أكثر من 2162 جنديا وضابطا في هذه الحرب، كما بلغ عدد المعاقين والجرحى من أفراد هذا الجيش 19541 شخصا وفق المصادر الرسمية في البنتاغون.

كما أن الإدارة الأميركية تتعرض باستمرار لضغوط عالمية بسبب المجازر التي يرتكبها الجيش الأميركي ضد الشعب الأفغاني، وبسبب سقوط الضحايا من المدنيين في الهجمات التي كان الجيش الأميركي يشنها في قرى أفغانستان.

2- الضغوط الاقتصادية: لا يخفى أن الجيش إذا كان في حالة استنفار تزداد تكلفته أضعاف أضعاف تكلفته في الظروف العادية، والجيش الأميركي يخوض أطول معركة في تاريخ بلاده، فقد مكث أكثر من عقد كامل وهو يخوض حربا ضد المقاومة الأفغانية المسلحة.

وإذا أضفنا إلى ذلك ما تحملته أميركا في العراق من المصاريف فإن تكلفة الحرب -كما تقول بعض التقارير- بلغت من أربعة إلى ستة تريليونات دولار، ويشمل هذا المبلغ التكلفة المباشرة وغير المباشرة للحرب، وهذه المبالغ الخيالية عرضت الحكومة الأميركية لضغوط اقتصادية شديدة.

لما ازدادت هذه الضغوط على إدارة أوباما قررت أن تخففها عن نفسها عن طريق حسر قوات الناتو إلى قواعدها المحصنة التي شيدتها لنفسها وسحبها من المواجهة مع المقاومة المسلحة في مختلف أنحاء أفغانستان، على أن تتولى القوات الأفغانية المسؤوليات الأمنية بدلا منها في المناطق التي تنسحب منها تلك القوات.

وكانت لهذه الإستراتيجية نتائجها التي توقعتها القيادة الأميركية، فانخفضت خسائرها في الأرواح إلى أقل مستوياتها في السنة الماضية التي سلمت فيها المسؤوليات الأمنية إلى القوات الأفغانية، وبذلك أيضا تكون التكاليف المالية قد انخفضت، لأن الجيش إذا لم يكن في حالة استنفار دائم، ولم تتعرض آلياته للهجمات المدمرة تنخفض تكاليفه عما إذا كان في حالة حرب مستمرة.

وبعكس ذلك ارتفعت خسائر القوات الأفغانية، من الجيش والشرطة والأمن، لأن الهجمات التي كانت توجه لقوات الناتو من قبل المقاومة المسلحة تتلقاها الآن القوات الأفغانية، إلى جانب ضعفها في جانب التسليح والتجهيز، وضعفها في التدريب والإعداد، ومن ثم يتوقع أن ترتفع خسائر القوات الأفغانية في السنوات المقبلة إذا سارت الأمور على نفس المنوال.

ماذا يتوقع في المستقبل؟
تدل الشواهد على أن أميركا كانت تخطط من البداية للبقاء في أفغانستان، وكانت تفرض على أفغانستان ظروفا معينة بحيث لا يكون للشعب الأفغاني فيها خيار سوى القبول بالقواعد الأميركية الدائمة في أفغانستان والتنازل عن السيادة الوطنية أو العودة إلى الفوضى والاقتتال الداخلي والحروب الداخلية المدمرة.

ومن تلك الشواهد التي تدل على أن أميركا كانت من بداية تدخلها عام 2001 تهيئ الظروف للبقاء في أفغانستان، ما يلي:

1- تهيئة الظروف لتقوية المقاومة: لما تدخلت أميركا في أفغانستان، وانهزمت حركة طالبان بعد الهجوم الأميركي وسقطت حكومتها خلال شهر واحد تقريبا، لم تكن هناك مقاومة تذكر لا من قبل حركة طالبان ولا من قبل غيرها لأكثر من سنتين تقريبا.

وبدأت القوات الأميركية في هذه الفترة تقوم بإجراء عمليات استفزازية في الولايات الجنوبية والجنوبية الغربية، كما أن الأميركيين أعادوا تسليح بعض العصابات التي قامت بدورها بأعمال استفزازية، كل ذلك أدى إلى أن تعيد المقاومة ترتيب صفوفها، ويبدو الآن أن تلك السياسة كانت مخططا لها من قبل الجهات التي ترسم الإستراتيجيات للجيش الأميركي لتبرر عن طريقها أمر بقاء قواتها في أفغانستان.

2- الإهمال في تسليح الجيش الأفغاني وتجهيزه: لو كانت أميركا تنوي الانسحاب من أفغانستان، لأعدت الجيش الأفغاني إعدادا جيدا، ولسلحته تسليحا مناسبا لمهمته، ولجهزته بتجهيزات ضرورية بحيث يغني عن وجود القوات الأجنبية في أفغانستان.

سياسة أميركا وسلوكها في أفغانستان يدل دلالة واضحة على أن أميركا لا تريد سحب قواتها من أفغانستان في القريب العاجل، لأن الجيش الأفغاني ضعيف التسليح، فاقد المهارات

بيد أن سياسة أميركا وتعاملها بهذا الخصوص يدل دلالة واضحة على أن أميركا لا تريد سحب قواتها من أفغانستان في القريب العاجل، لأن الجيش الأفغاني ضعيف التسليح، فاقد المهارات والتجهيزات، والسلاح الذي يملكه الجيش الأفغاني ليس أقوى مما تملكه الشرطة في الدول الأخرى، وهو جيش لا يملك قوات جوية مؤثرة.

وقد علمت من مصدر موثوق فيه أن أحد كبار مسؤولي وزارة الدفاع الأفغانية طلب من وزير الدفاع الأميركي السابق في إحدى زياراته أن تخصص أميركا جزءا بسيطا من الميزانية التي تصرفها أميركا على جيشها في أفغانستان، وهو سيضمن له إعداد جيش أفغاني مؤهل في فترة وجيزة سيغني عن تواجد القوات الأجنبية في أفغانستان، وسيخفف ذلك خسائر قوات الناتو في الأرواح والعتاد، لكنه لم يعر أي اهتمام لهذا الاقتراح.
 
وعلى خلفية ذلك اضطر الرئيس الأفغاني أن يتحدث بصراحة تامة في حفل افتتاح "مجلس الأعيان" (لويا جركا) الأخير يوم 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2013 حين قال: "كنا نريد منهم (الأميركيين) أن يصرفوا مساعداتهم بصورة صحيحة وفق قوانين أفغانستان وعن طريق حكومتها، وكنا نريد منهم أن يدربوا جيشنا وشرطتنا تدريبا جيدا. التدريب الضعيف الذي يقومون به اليوم لا يرقى إلى المستوى المطلوب، ولا نقبله".
 
وأضاف "أطلب منهم طائرات نفاثة لكنهم يعرضون علي طائرات تستخدم لغرض التدريب، طلبت منهم الدبابات لكنهم عرضوا علينا سيارات ذات دفع رباعي، مثل هذه السيارات أستطيع أن أشتريها من اليابان بنفسي، أنا أريد جيشا أفغانيا قادرا على الدفاع عن أرضه".

ومما يدل على أن أميركا لا تريد أن يتقوى الجيش الأفغاني ويصل إلى مرحلة يستغني فيها عن تواجد القوات الأميركية في أفغانستان، أن الجيش الأميركي يملك حوالي 2600 دبابة وسيارة مصفحة في أفغانستان، وثمن كل مصفحة مليون دولار، وتكلفة نقل كل هذه المصفحات إلى أميركا خمسمائة مليون دولار، ولا تريد وزارة الدفاع الأميركي دفع هذا المبلغ الكبير لنقل هذه المصفحات، فطلبت الحكومة الأفغانية الحصول عليها.

غير أن الأميركيين رفضوا هذا الطلب بحجة أن الجيش الأفغاني لا يستطيع التعامل مع هذه المصفحات، وقرروا تفكيك هذه المصفحات وبيع كل مصفحة باثني عشر ألف دولار في الخردة. هل هذا تعامل من يريد تدريب الجيش الأفغاني وتسليحه وتجهيزه؟ وهل هذا تعامل من يريد أن يتقوى هذا الجيش ليغني عن تواجد القوات الأجنبية في أفغانستان؟

3- الحيلولة دون المصالحة بين الأطراف الأفغانية: لو كانت أميركا تنوي سحب قواتها من أفغانستان لهيأت الظروف والأوضاع للمصالحة بين الحكومة الأفغانية وأحزاب المقاومة المسلحة خلال السنوات الماضية، و لو شاركت هذه الأحزاب في العملية السياسية لما بقي أي مبرر لبقاء القوات الأميركية.

وقد صرح الرئيس الأفغاني في الحفل الختامي لمجلس الأعيان (لويا جركا) يوم 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2013 بالقول: إن مفتاح المصالحة في المقام الأول بيد أميركا ثم بيد باكستان ثانيا، وإن أميركا لها علاقات سرية بحركة طالبان، فهي تستطيع أن تساعد في بدء المحادثات بين "المجلس الأعلى للمصالحة" وبين حركة طالبان، كما أن أميركا تستطيع أن تضغط لهذا الغرض على باكستان التي لها صلات قوية مع حركة طالبان".

وأضاف كرزاي في حوار له مع جريدة لوموند الفرنسية: إنني لما سافرت إلى أميركا في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 لإجراء محادثات مع القيادة الأميركية حول عملية المصالحة في أفغانستان، كانت أميركا في حقيقة الأمر تتحدث معي نيابة عن طالبان، فهي قطعا في موقف تستطيع فيه أن تساعد في عملية المصالحة في أفغانستان.
إن أصرت أميركا على البقاء في أفغانستان فإنها ستشجع عدم الاستقرار لتبرر وجودها كما فعلت في العقد المنصرم، وإن سحبت قواتها دون مصالحة وطنية  ستعود الأطراف المحلية للاقتتال الداخلي

مع كل هذه التصريحات الجازمة للرئيس الأفغاني فإن أميركا كانت تستطيع أن تلعب دورا إيجابيا في عملية المصالحة بين الأطراف الأفغانية المتحاربة، لكنها لم تفعل ذلك، بل لعبت دورا سيئا للحيلولة دون المصالحة بين الأطراف الأفغانية، لأنها كانت تخطط للبقاء في أفغانستان، ولو تصالحت الأطراف الأفغانية المتحاربة لما بقي أي مبرر لبقاء القوات الأجنبية في أفغانستان.

بعد كل هذه المحاولات للبقاء في أفغانستان، ولما اشترط كرزاي بدء عملية المصالحة بين الأطراف الأفغانية لتوقيع الاتفاقية الأمنية التي تضمن لأميركا إنشاء القواعد العسكرية الدائمة في أفغانستان، هددته أميركا بإعادة أفغانستان إلى مرحلة الحروب الداخلية المدمرة.

وعندما سئل كرزاي من قبل مراسل جريدة لوموند الفرنسية عن لقائه بـ"جيمز دابنز" المبعوث الأميركي الخاص لأفغانستان وباكستان، قال: قال لي جيمز دابنز وهو ديبلوماسي ذكي محنك: إذا لم يتم توقيع الاتفاقية الأمنية بين الطرفين فإن الصلح لن يعود إلى أفغانستان، وقد فهم حامد كرزاي من كلامه هذا تهديدا مباشرا، وقال يمكن أن يتم تفسير هذا الكلام بأن أفغانستان إن لم توقع الاتفاقية الأمنية ستشجع أميركا الحروب الداخلية والفوضى وعدم الاستقرار والمشاكل في أفغانستان.

خلاصة القول: إن أميركا إن أصرت على البقاء في أفغانستان عن طريق إنشاء قواعد فيها، فإنها ستشجع عدم الاستقرار لتبرر وجودها كما فعلت في العقد المنصرم، ويكون ذلك سببا لاستمرار القتال في أفغانستان، وإن سحبت قواتها من غير أن تساعد في إبرام عقد المصالحة بين الأطراف الأفغانية المتحاربة ستعود هذه الأطراف إلى الاقتتال الداخلي.

ولكنها في المقابل إن رعت مصالحها ومصالح دول المنطقة ومصالح أفغانستان ورضيت بسحب قواتها بعد تهيئة الظروف للمصالحة الأفغانية الحقيقية، فإن أفغانستان ستنعم بالأمن والاستقرار، وباستقرارها سيستقر الوضع في المنطقة كلها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة