الأبعاد الإستراتيجية للاتفاق الأميركي العراقي   
الاثنين 1429/6/20 هـ - الموافق 23/6/2008 م (آخر تحديث) الساعة 11:14 (مكة المكرمة)، 8:14 (غرينتش)


عبدالجليل زيد المرهون

السياقات السياسية والإستراتيجية
فرص استنساخ التجربة التاريخية
الأمن الإقليمي وحدود المقاربة
دول الخليج بين الفعل والترقب

لقد دار الكثير من النقاش حول الاتفاقية المزمع توقيعها بين العراق والولايات المتحدة الأميركية، والتي ستحدد الملامح بعيدة المدى للعلاقة بين الجانبين، لا سيما على الصعيد الأمني. وعلى الرغم من كونها ثنائية الطرف، فإن هذه الاتفاقية تحوي قدراً كبيراً من المضامين ذات الصلة بالأمن الإقليمي، الخليجي منه على وجه الخصوص.

وإذا ما سارت الأمور على النحو المخطط لها، فستولد من رحم هذه الاتفاقية صورة جديدة لخارطة توزيع القوة السياسية في المنطقة، بل ربما تلامس تداعياتها بعيدة الأثر الوظيفة الجيوبوليتيكية لبعض القوى الإقليمية، على النحو الذي تنبئ به التجربة التاريخية في شمال آسيا وجنوبها الشرقي.

وبالطبع لا يمثل مشروع هذه الاتفاقية إعادة نسخ للتجربتين اليابانية والكورية الجنوبية، لكنه يقترب منها. كما يبدو قريباً في حيثياته من بعض المعاهدات التي عقدتها الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة مع بعض دول شرق أوروبا، وتلك التي عقدتها في أربعينيات القرن الماضي مع الفلبين، وفي سبعينياته مع إندونيسيا.

السياقات السياسية والإستراتيجية
لقد بدأت المفاوضات الرسمية حول الاتفاقية العراقية الأميركية المقترحة في فبراير/شباط 2008، وتقرر على نحو مبدئي التوقيع عليها في يوليو/تموز من هذا العام، على أن يتم البدء في تنفيذها مع مطلع العام 2009.

وترمي هذه الاتفاقية، المعروفة باسم اتفاقية وضع القوات (Status of Forces Agreement) إلى وضع أسس قانونية لتواجد القوات الأميركية على الأراضي العراقية بعد 31 ديسمبر/كانون الأول 2008، وذلك عندما ينتهي العمل بقرار مجلس الأمن الدولي الذي ينظم انتشارها في الوقت الراهن.

وثمة اعتقاد بأن الرئيس الأميركي جورج بوش يرغب في إنجاز هذه الاتفاقية قبل نهاية ولايته، ليتمكن من الإعلان عن تحقيق نصر ما بخصوص الوضع العراقي، فضلاً عن أنها تجعل من الصعب على رئيس ديمقراطي قادم سحب القوات من العراق، لأن وجودها سيغدو عندئذ مستنداً إلى تحالف إستراتيجي يرتبط بجوهر المصالح الدولية للولايات المتحدة.

الحكومة العراقية حرصت من جهتها على التذكير بأن الاتفاقية ستضع نهاية لبقاء العراق تحت تدابير مجلس الأمن الدولي وفقاً للفصل السابع، وتعيده بالتالي إلى وضعه القانوني السابق للقرار المرقم (661)، الصادر في السادس من أغسطس/آب 1990. وحيث يمثل انتهاء مفعول هذا القرار مكسباً سيادياً للعراق.

وعلى الرغم من ذلك ثمة وجه آخر لقضية الاتفاق الأميركي العراقي لا يخدم المتذرعين بإعادة البلاد إلى سابق وضعها السيادي، فهذا الاتفاق تضمن قضايا ماسة بالسيادة من قبيل السيطرة الأميركية على أجواء العراق، والحصول على تسهيلات مفتوحة براً وبحراً، وإقامة قواعد عسكرية دائمة أو طويلة الأمد، وشن عمليات أمنية في الداخل العراقي دون استشارة الحكومة العراقية، والانطلاق من أراضي العراق لضرب أهداف في خارجه دون التنسيق مع حكومته أو إشعارها بذلك.

"
ثمة اعتقاد بأن الرئيس الأميركي جورج بوش يرغب في إنجاز الاتفاقية الأمنية مع العراق قبل نهاية ولايته، ليتمكن من الإعلان عن تحقيق نصر ما بخصوص الوضع العراقي، فضلاً عن أنها تجعل من الصعب على رئيس ديمقراطي قادم سحب القوات من العراق

"
هذا فضلاً عن تخزين عتاد عسكري غير محدد الحجم والنوع. وبطبيعة الحال، هذه قضايا تلامس المستقبل البعيد للعراق والمنطقة، ولم يرد نظيرٌ لها في الاتفاقيات المعدلة خلال العقدين الماضيين مع كل من كوريا الجنوبية واليابان.

والأمر ذاته على صعيد الترتيبات القائمة حالياً بين الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا الغربية، رغم وجود ائتلاف دفاعي جامع هو حلف شمال الأطلسي (الناتو).

بيد أن بعض ما يدور الحديث بشأنه في الاتفاقية الأميركية العراقية المرتقبة قد ورد في الاتفاقية الدفاعية التي وقعتها الولايات المتحدة مع رومانيا في السادس من  ديسمبر/كانون الأول 2005، وهي اتفاقية تم خفض سقفها كثيراً، قياساً بالمسودة الأصلية التي قدمت للبرلمان الروماني، إذ سمح النص الأولي للولايات المتحدة بتخزين مختلف أنواع الأسلحة والانطلاق من الأراضي الرومانية لشن عمليات عسكرية ضد جماعات أو دول تهدد الأمن القومي الأميركي من دون استشارة سلطات بوخارست.

علماً بأن الصيغة النهائية للاتفاقية أتاحت لواشنطن استخدام خمس قواعد عسكرية في البلاد، أبرزها قاعدة "ميخائيل كوغالنيتشيانو" على البحر الأسود. وبالطبع، لم يكن اعتراض البرلمانيين الرومان السبب الوحيد في تعديل مسودة الاتفاقية، بل كذلك الضغوط التي مارستها روسيا في الخفاء والعلن.

لقد طرح المفاوضون العراقيون بعض التسويات الوسط بشأن الاتفاقية المرتقبة مع الولايات المتحدة، من قبيل إقامة قواعد عسكرية أميركية يعاد النظر في وضعها بصورة دورية، ومنح القوات الأميركية ممرات محددة في أجواء العراق بدلاً من وضع هذه الأجواء تحت السيطرة الأميركية. كما طُرح حلاً يقضي بتشكيل مقر تنسيق جوي مؤقت يسيطر على الحركة الجوية.

فرص استنساخ التجربة التاريخية
وتشير التقديرات إلى أن عديد القوات الأميركية في العراق سوف يتقلص، في حالة تواجدها طويل الأمد، إلى خمسين ألف عنصر، ترابط في قواعد عسكرية خارج المدن الكبرى.

وحسب بعض التسريبات الإعلامية، فإن الاتفاقية المقترحة مع واشنطن تقضي بإقامة خمسين قاعدة عسكرية دائمة للولايات المتحدة في العراق. ولكن دعونا نقول على نحو مباشر إن هذا الرقم ينطوي على شيء من المبالغة، والأرجح أن التسريب الإعلامي هذا قد خلط بين أمور عديدة ذات صلة بتواجد القوات الأميركية.

وما يمكن قوله هنا، هو أن التحليل الأولي لتكوين العراق الجغرافي، كما بيئته الجيوسياسية المحيطة، لا يفضي بحال من الأحوال إلى القول بحاجة الولايات المتحدة لخمسين قاعدة عسكرية. كذلك، فإن هذا الرقم لا ينسجم والعدد المرجح للقوات الأميركية التي ستبقى في العراق.

وعلى سبيل المثال، توجد للولايات المتحدة 26 قاعدة عسكرية في ألمانيا، يقيم فيها 75 ألفا و603 جنود أميركيين. وتبلغ مساحة ألمانيا 357 ألف كيلومتر مربع، مقابل 437 ألف كيلومتر للعراق، وتحيط بألمانيا تسع دول بينما تحيط بالعراق ست دول.

"
من الصعب تصوّر أن الولايات المتحدة لن تحتفظ بقواعد عسكرية طويلة الأمد في العراق. وليس ثمة أهمية كبيرة للتعريف التقني لماهية هذه القواعد، ما دامت تتمتع بإمكانيات لوجستية يعتد بها على صعيدي القوة الضاربة والقدرة الاستطلاعية
"
وأهم من ذلك، أن ألمانيا تمثل الموقع الأكثر محورية في القارة الأوروبية، بل لا يمكن مقاربة البيئة الإستراتيجية لأوروبا سوى بالانطلاق منها.
وهذا أمر مفهوم على أي حال.

وفي العام 2004، كان في العراق 12 قاعدة أميركية من الفئة المصنفة بالقواعد الثابتة. ويستخدم البنتاغون مصطلح القواعد طويلة الأمد (ong-term military bases) للإشارة إلى القواعد الثابتة. ولا يعبر هذا المصطلح بالضرورة عن قواعد دائمة (permanent military bases).

وحسب التصوّرات الإستراتيجية الجديدة، وتناغماً مع التقليص التدريجي لعدد القواعد الأميركية خارج الولايات المتحدة خلال الخمسة عشر عاماً الأخيرة، بدأت القواعد الكبيرة، التي تقدم جميع الخدمات (large, full-service bases) تفقد مكانتها لمصلحة المرافق الأصغر، المجهزة بما هو ضروري فقط (smaller , more bare-bones facilities)، والتي قد لا تقيم فيها أي عناصر من القوات المسلحة على أساس دائم.

ومبدئياً لا يتم إنشاء القواعد والمرافق العسكرية الأميركية إلا بعد أن تدعو الدولة المضيفة الولايات المتحدة إلى القيام بذلك، وتوقع اتفاقاً خاصاً بالوضع القانوني للقوات، وحرية الوصول إلى القواعد والمرافق المختلفة.

وعلى سبيل المثال، يستند الوجود العسكري الأميركي في كوريا الجنوبية إلى معاهدة الدفاع المشترك، التي وقعت بين الدولتين في العام 1954. كذلك، مُنحت الولايات المتحدة في اتفاقيتها العسكرية مع الفلبين عام 1947 حق الوصول إلى قاعدتي كلارك الجوية وسوبك البحرية وعدد من المرافق الأصغر حجماً.

وبعد 35 عاماً انسحبت القوات الأميركية من الفلبين على خلفية تطورين، الأول التنازل الأميركي الطوعي عن قاعدة كلارك بعد أن لحقت بها أضرار جسيمة جراء انفجار بركاني. والثاني رفض مجلس الشيوخ الفلبيني لاتفاقية تم التوصل إليها عبر مفاوضات جديدة.

وعلى الرغم من التفصيل سابق الذكر، يصعب تصوّر أن الولايات المتحدة لن تحتفظ بقواعد عسكرية طويلة الأمد في العراق. وليس ثمة أهمية كبيرة للتعريف التقني لماهية هذه القواعد، ما دامت تتمتع بإمكانيات لوجستية يعتد بها على صعيدي القوة الضاربة والقدرة الاستطلاعية.

الأمن الإقليمي وحدود المقاربة
وفي الحقيقة لم تتجه أي من التصوّرات الأميركية الخاصة بالانسحاب من العراق إلى القول بإنهاء الوجود العسكري فيه ومغادرته من دون إقامة قواعد ارتكاز يمكن الاستناد إليها في إدامة وتعزيز مقاربة الولايات المتحدة الراهنة للأمن الإقليمي.

وعلى نحو مبدئي يُراد للوجود الأميركي في العراق أن يغدو، في يوم ما، الأكثر تقدماً بالمعيار النوعي على صعيد القوة الأميركية المنتشرة في المنطقة، وينهض تالياً بالدور الطليعي فيما يمكن تعريفه "بالموازن الخارجي" (foreign- balancer) في معادلة أمن الخليج.

ونحن هنا لسنا أمام تحوّل تاريخي بالمعنى الكامل للمصطلح، إذ إنّ هذا الرهان، كان قائماً منذ حرب الخليج الثانية، ذلك أنّ العراق قد عُزل إستراتيجياً وحُيّدت قوته منذ تلك الحرب. بيد أنّ خيار الموازن الخارجي، لم يعثر على معطىً متقدم على النحو الذي هو عليه اليوم، فالانتشار العسكري الأميركي في المنطقة قبل غزو العراق لم يكن ليُقدَّر له أن يرتقي بالصورة التي نشهدها اليوم.

وإضافة لفارق القدرات اللوجستية فإن الوجود الأميركي في بلاد الرافدين يتمتع بمعطىً سياسي لم يتم الأخذ به في بقية دول الخليج، وهذا المعطى يتمثل في جعل العراق ساحة متقدمة للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، بصورة تفوق وضع الداخل الخليجي، بل وحتى تركيا الأطلسية.

وإضافة لصلته المباشرة بأمن الخليج، واستتباعاً أمن الطاقة النفطية، يرتبط الوجود العسكري الأميركي في العراق بأمن إسرائيل وموقعها في المدرك الإستراتيجي الكوني للولايات المتحدة.

دول الخليج بين الفعل والترقب
"
قد يكون بالمقدور اليوم الإشارة على نحو مباشر لبعض الفرقاء الرابحين أو المتضررين من الحدث المرتقب، لكن الصورة أكثر تعقيداً مما تبدو لأول وهلة، فهذه الاتفاقية سوف ترسم خارطة جديدة لتوزيع القوة السياسية وطبيعة الوزن والدور الإقليمي للأطراف المختلفة
"
وإذا كان البُعد الإقليمي للقوة العسكرية الأميركية في العراق ساطعاً لا لبس فيه، فإن تأثير دول الخليج في المعادلة العراقية لا يبدو واضحاً، إن لم نقل لا وجود له.

وإضافة لهواجسها من مسار الوضع العراقي، بدت دول الخليج معنية بالتوترات الأميركية الإيرانية، الدائرة في العراق وعليه. وهذه الدول لا تمثل اليوم كتلة عازلة بين إيران والولايات المتحدة، لكنها لا تجسد في الوقت نفسه همزة وصل بين الجانبين، وعليها الآن أن تتقدم خطوة إلى الأمام لتكون جزءا من مقاربة الحل.

وأن العلاقات الخليجية الإيرانية لا يمكن أن تغدو مستقرة، غير مضطربة أو وجلة، دون مقاربة خليجية واضحة للوضع في العراق، مقاربة تجيب على ما يريد الخليجيون فعله وما بمقدورهم تحقيقه، وتحدد بجلاء خطوط الالتقاء بينهم وبين بقية الفرقاء، وفي الطليعة منهم القوى السياسية العراقية ذاتها.

وبعد ذلك لا بد لدول الخليج أن تحدد رؤيتها للمدى الذي يمكن أن تذهب إليه في ضبط سياستها الإقليمية على إيقاع الحدث العراقي، وطبيعة تقديرها لمحصلة ذلك على مناخ الأمن الإقليمي، كما بيئة الداخل العراقي ذاته، إذ لم يعد بالمقدور الفصل بين الأمرين.

وما يمكن قوله ختاماً هو إن اتفاقية وضع القوات الأميركية في العراق سوف تمثل علامة فارقة في التاريخ السياسي لهذه المنطقة، وذلك على النحو الذي أحدثته المعاهدات الأميركية المماثلة في أوروبا وشمال آسيا وجنوبها الشرقي.

فنحن هنا بصدد تأطير إستراتيجي بعيد المدى لخيارات واشنطن في العراق، المتداخلة عضوياً بالسياق الكلي لمقاربتها الإقليمية، على الصعيدين الأمني والسياسي، كما في حيثياتها الاقتصادية والثقافية.

وقد يكون بالمقدور اليوم الإشارة على نحو مباشر لبعض الفرقاء الرابحين أو المتضررين من الحدث المرتقب، لكن الصورة أكثر تعقيداً مما تبدو لأول وهلة، فهذه الاتفاقية سوف ترسم خارطة جديدة لتوزيع القوة السياسية وطبيعة الوزن والدور الإقليمي للأطراف المختلفة.
ـــــــــــ
كاتب بحريني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة