فورست جمب   
الاثنين 21/5/1434 هـ - الموافق 1/4/2013 م (آخر تحديث) الساعة 8:06 (مكة المكرمة)، 5:06 (غرينتش)
توجان فيصل

لم يحدث في تاريخ الأردن كله أن أثارت أية مادة صحفية ردود الفعل الغاضبة التي أثارها ما كتبه الصحفي جيفري غولدبيرغ في مجلة "أتلانتك"، والذي يأتي ضمن ما يسمى في الصحافة وضع "بروفايل" لشخصية عامة. والسبب الحقيقي في ردود الفعل تلك كانت ذات أقوال (وبعض أفعال) الملك التي أدلى بها للصحفي غولدبيرغ بعد عام من توليه العرش عام 1999، وانتهاء بلقاءات مطولة أعطاها  قبل شهر في الديوان الملكي وبحضور مسؤولي الديوان.

ولمواجهة الغضب الشعبي أصدر الديوان الملكي بيانا إنشائيا يزعم احتواء المقال مغالطات وإخراج الأمور من سياقها ونسبة أقوال للملك بصورة غير دقيقة وغير أمينة.. فجاء رد غولدبيرغ بالتهديد بتحميل كامل الملف الصوتي للمقابلة على الإنترنت. فجرى اللجوء لبعض الصحفيين المحليين لتحميل الأمر "للترجمة" غير الأمينة  للمقال، اعتمادا على كون الغالبية الساحقة من الأردنيين قرأت تلك الترجمة وليس النص الإنجليزي.

تكذيب الصحفي غولدبيرغ كان أمرا مستحيلا، فلجأ القوم إلى القول إنه لا يعرف الحساسيات المحلية، وكأنه يخوض بمقالته انتخابات بلدية في الأردن!!

ولأن تكذيب الكاتب استحال، تراجع هؤلاء للقول إنه لا يعرف "الحساسيات المحلية" (وكأن غولدبيرغ يخوض بمقالته انتخابات بلدية في الأردن!!)، بتقديم شروحات لما قاله الملك تتعامل مع الشعب وكأنه لا يفهم ما قيل ابتداء، فقام كل بإسقاط تفسيره على ما نشر بما أنتج خليطا عجيبا متناقضا! وهي بمجملها حملة تستخف بعقول الأردنيين.

عادة أنا أقرأ النصوص الإنجليزية بلغتها، ولكنني في حالات كهذه أقرأ  الترجمة العربية أيضا لتبين مدى دقتها وأمانتها. والحقيقة أن الترجمة الكاملة للمقال المطول والذي قام بها موقع "خبرجو" المتداول محليا كانت أمينة للغاية، باستثناءات محدودة حابى فيها المترجم الملك في ترجمة بعض عباراته التي صرح لغولدبيرغ أنه قالها لقادة الإخوان المسلمين، واصفا بها حديثهم (حين التقاهم قبل تشكيله ما أسمي بـ"لجنة الحوار" لوضع تصور للإصلاح ولقانون انتخاب لم يؤخذ لاحقا بأي من توصياتها)، وأعقب أن كلامه ذاك جعل الإخوان يفغرون أفواههم مصعوقين، مضيفا -لتنوير الصحفي الأميركي "بطبائع العرب عند الحوار"- توصيفا لتلك الطبائع بعبارة تصدم أكثر.. ومع ذلك فإن الترجمة العربية لم تَعُد لكلمات الملك الأصلية التي قالها بالعربية لقادة الإخوان ويمكن أخذها منهم، ولا هي ترجمت توصيفه بعبارة إنجليزية عامية لطبائع العرب في الحوار بدقة مع أن لتوصيفه ذاك رديف عامي عربي مطابق، بل اختارت عبارات مشذبة من مثل "حماقات" و"كلام فارغ" و"نحن العرب نتملق بعضنا".

وبغض النظر عن أسباب رفض الإخوان المشاركة في تلك اللجنة، والتي منها ما يورده الملك من تبعيتهم للمرشد العام لتنظيمهم وطموحهم لوراثة الحكم في كافة دول الربيع العربي، إلا أن ما قاله الملك لهم وهو يدعوهم يوفر بحد ذاته سببا قويا لرفض الدعوة.

ولكن أهم ما لم يتطرق له أي من هؤلاء الصحفيين -ولا تطرق له محللون أردنيون يعيشون في الخارج ظهروا للواجهة فجأة لأنهم استفتوا في تفسير ما يعنيه الملك، من أمثال "علي يونس" الذي أسمع باسمه لأول مرة في حياتي ولكنه يتكرر الآن في أكثر من مقال كما لو كان "وصفة" عيادة حكومية- هو وصف الملك نفسه بقوله: بالنظر للوراء إلى حياتي، كنت "فورست جمب". و"فورست جمب" بطل فيلم سينمائي يحمل اسمه.

عدم تطرق الأردنيين لهذا جاء لكون غالبيتهم الساحقة -وأنا أتحدث عن عامة الناس كما عن نخب سياسية وثقافية- لم يشاهدوا فيلم "فورست جمب" الذي يعتبر علامة فارقة في تاريخ السينما الأميركية ومضمونه سياسي بامتياز، إذ يقدم قراءة ناقدة مختلفة ومتميزة لتاريخ وحال السياسة الأميركية والمجتمع الأميركي.

والفيلم بني على رواية أدبية ونال جوائز عدة وانتشر في أميركا تحديدا بما جعله جزءا من ثقافة كل أميركي تقريبا، بحيث دخل اسم بطل القصة "فورست جمب" قاموس اللغة المعولمة كتوصيف لشخصية بعينها.

وهذا "الترميز" باسم بطل قصة، والذي مجرد ذكره يستدعي "بروفايلا" لشخصية بمواصفات محددة، شائع عالميا منذ قرون. ومن الأكثر شيوعا لدينا لقدمه التاريخي "دون جوان" بطل رواية الكاتب والشاعر الإسباني "تيرسو دي مولينا"، و"دون كيشوت" بطل رواية الكاتب الإسباني أيضا "سيرفانتس". فيما أبرز الترميزات الدرامية  العربية هو "غوار الطوشة".

ولا يعيب الشعب الأردني أن لا يكون مطلعا على ترميزات غيره وبخاصة المستجدة منها، ولكن يعيب الكتاب والمحللين الأردنيين عدم إضاءتهم تلك الرموز لقرائهم لحظة تصبح متعلقة بنا بسلبياتها أو إيجابياتها، وينظر إلينا -وحتما يجري التعامل معنا- عبرها.

وهذه إنارة مختصرة للشخصية التي أسمى الملك نفسه باسمها: "فورست جمب" ولد بعاهة جسدية تعيق سيره، ولكن الأهم أنه ولد بإعاقة ذهنية. ويبدأ الفيلم بتركيب دعامتين لساقيه كي يقوى على السير، وترفض المدرسة العامة قبول تسجيله لأن مستوى ذكائه يأتي دون الحد الأدن المقبول بدرجة 75 فقط. يعاني فورست جمب من اضطهاد زملائه له، إلا فتاة صغيرة يتيمة الأم مظلومة. ولكونها لا تستطيع حمايته تنصحه بالركض ليهرب منهم. ولشدة ذعره يركض بقوة وسرعة تكسر دعامات ساقيه فتطلقهما للريح.

تشبيه الملك عبد الله نفسَه بفورست جمب لم يأت عابرا ولا خارج سياق المقابلة والأحداث التي تتناولها والتحليل الذي يتخللها، كحديثه هو عن "سذاجته" وافتراضه -بناء على خدمته في الجيش- أن المخابرات ستقول له "نعم سيدي"

وفي إحدى مرات هربه يعبر ساحة بيسبول في مدرسة بسرعة فائقة مما يجعل مدربي الفريق يسجلونه طالبا متجاهلين قدراته العقلية، وهذا أول انتقاد للنظام التعليمي الأميركي. يليه أن ذات الأمر يأخذه للجامعة في منحة رياضية فيتخرج بشهادة جامعية بعد أربعة سنوات لم يمارس فيها سوى الركض. ويصطاده الجيش متطوعا لحرب فيتنام التي يصلها فيما يختلط صوت المروحية التي تحمله بصوت أغنية تتحدث عن حروب أميركا العبيثة والجائرة التي يدفع إليها المستضعفون دون أبناء "السيناتورات" والمتنفذين، في بداية لسلسة انتقادات عميقة لسياسات أميركا وحروبها.

ولكن بالنسبة للمجند فورست جمب كل ما يتعلمه في الجيش هو تنفيذ الأوامر قائلا "نعم سيدي". فيبرع في لعبة أخرى هي البنغ بونغ (كرة الطاولة)، لأن العسكري الذي علمه إياها قال إن كل ما عليه هو أن يركز انتباهه على الكرة فقط، فيلتزم بالأمر بما يجعله بطل رياضة أخرى، فيوظف اسمه وصورته لاحقا لترويج مضارب وقمصان رياضية في أميركا والصين (النقيضين سياسيا) التي ذهب إليها للمشاركة في مباريات بطولة بنغ بونغ.

وفي فيتنام، وبالصدفة ودون قصد بطولي، ينقذ بعض زملائه بتهور الجاهل بالخطر، فيعطى وساما ويصبح بطل حرب يروج به لحشد مجندين متطوعين.. ومع ذلك يجد نفسه يخطب ضد الحرب لمجرد أنه انحشر خطأ في طابور "هبيين" مناهضين للحرب، وهو تعلم في الجيش ضرورة عدم الخروج عن الطابور! وهناك  يلتقي ثانية صديقة طفولته وحب حياته التي لا تبادله مشاعره وتغادر مع صديقها "الهبّي"، فيبدأ بالركض عبر الولايات لينفس عن ضيقه، فيشاع أنه يركض لقضية، فيتبعه كثر من مهووسي القضايا والركض..
 
وفي سياق حياته تلك تمر عليه كل أحداث أميركا السياسية المفصلية دون أدنى مؤشر على استيعابه لها، حتى الرؤساء الذين التقوه في مراسم تكريم دعائية لا يعرف لِمَ قُتلوا أو عزلوا!! ومع أنه يرد على كل من يصفه بالغباء بمقولة أمه: "الغبي هو من يتصرف بغباء"، إلا أن أول ما يسأل عنه بقلق حين يكتشف أن الطفل الذي أتت به إليه صديقته قبل وفاتها هو ابنه: هل هو ذكي؟؟ ويسعد لتأكيدها أنه من أذكى رفاقه، ويحرص بعد وفاتها على تعليمه بطريقة متفانية.

وتشبيه الملك عبد الله نفسَه بفورست جمب لم يأت عابرا ولا خارج سياق المقابلة والأحداث التي تتناولها والتحليل الذي يتخللها، منها حديثه هو عن "سذاجته" وافتراضه -بناء على خدمته في الجيش- أن المخابرات ستقول له "نعم سيدي"، ونفيه تهمة لعب القمار مستشهدا بعدم إمكانيتها لسبب جلي وهو "أنني لا أستطيع العد، السبعة تبدو لي كالثمانية".

ولفهم الملك واستكمال "البروفايل" الذي  يرسمه لنفسه، تجب مشاهدة فيلم "فورست جمب". وهذا قد ينصفه من جهة فهم شخصيته ويحقق له بعض التعاطف الشخصي، ولكن حتما ليس مع سياساته أو قبولا بسلطاته المطلقة. فالسياسة لها أهلها وخيرتهم يوجدون في المعارضة. "خيرتهم" تعني المهنية والخلق، وحتما كان الملك وابنه (الذي يظهر هو أيضا قلقا عليه ويستشعر بعض الندم على تسميته وليا للعهد في سن مبكرة) الذي لأجله يفكر في التحول للملكية الدستورية (مؤجل لحين تولي ابنه للعرش بعد عشرات السنين)، سيكونان في مأمن أكثر بينهم عما هم فيه بين ثلة انتهازيين وقع في أيديهم وتكشفوا له متأخرا فانتقدهم جميعا في مقابلته.

يبدو الملك "كضربة حظ" أتيحت لمن يريدون عبور الربيع ممسكين إلى أكبر حد ممكن بمقاليد الحكم من وراء ستار، ومراكمين ومحصنين منافع منه تبقيهم في حال "ملوكي" في الداخل أو في المنفى. هو قاطرة عبور لهم ليس أسهل من أن يقال له "لا"، ليس فقط إن فكر في "التنحي" لإحساسه بأن المسؤولية تفوق قدراته، بل حين فكر بتبني "أجندة إصلاح وطنية" استغرقت جهد عام، كل ما لزم لوقفها قول أحد أبرز الأعيان (ديناصورات الحكم) إن: هذه قفزة في المجهول! بل يقال له "تسك" غير المسبوقة في مخاطبة رؤساء الدول لكل ما لا يعجبهم، وهو ما اعترف به الملك قبل سنوات في لقاء صحفي في مؤتمر دافوس أثار موجة ضحك بين حضور أجنبي ملء قاعة مسرح!!

المعارضة الأردنية والعربية لم تدخل السياسة بالوراثة أو التعيين، بل لأنها مؤهلة باستعداداتها الفطرية وبعلمها. ومع أن غالبية هؤلاء لم يتح لهم الاطلاع على دهاليز السياسة عبر مواقع الحكم، ولا رافقوا ملكا مطلق السلطات في جولاته، ولا سمعوا منه كأب ما يفيض به من أسرار في بيته مما لا يقوله في العلن.. بل إن قيادات ومرجعيات المعارضة الأكبر سنا تشكل وعيها وبرامجها في عهد لم تكن فيه لا فضائيات ولا إنترنت، وكانت الصحف والكتب تصادر على الحدود، والإذاعات يجري التشويش عليها؛ ومع ذلك يظل آخر ما يمكن اتهام المعارضة به أنها ليست مطلعة وواعية لما يدور في العالم.

المعارضة الأردنية التي تسمى "الحراك" الآن تمثل العشائر الشرق أردنية تحديدا رغم مشاركة متزايدة لذوي أصول فلسطينية متحدّين ضغوط ساسة "فرق تسد"، فيما تبقى إضافة "إسلامية" لتمييز أنشطة الإخوان

والمعارضة الأردنية التي تسمى "الحراك" الآن تمثل العشائر الشرق أردنية تحديدا رغم مشاركة متزايدة من ذوي أصول فلسطينية متحدّين ضغوط ساسة "فرق تسد"، فيما تبقى إضافة "إسلامية" لتمييز أنشطة الإخوان جراء تقوقعهم وتأرجح سياساتهم.

وتعود مطالبة "الحراك" بدستور منسوخ عن الدستور البريطاني للعام 1920(قبل تشكيل الإمارة) حين عقد زعماء العشائر الأردنية مؤتمر أم قيس لتقرير مصير البلاد وصورة الحكم فيها. وأولئك هم آباء العجائز الذين اصطحب الملك غولدبيرغ في مروحيته للقائهم في الكرك، قائلا: "اليوم سأجلس مع الديناصورات القديمة"، فيما الديناصورات الوحيدة في الجلسة كانوا بضعة إخوة كلهم صنائع الحكم الفاسدة (لا تؤول لهم مشيخة العشيرة) وبرامج حزبهم المزعوم لتغطية طموحهم لوراثة الحكم هي محض "حماقة" كما وصفها الملك، ولهذا يعمد هؤلاء لتقديم عينات منتقاة من عجائز بسطاء أو حتى خرفين للملك وزواره على حدة، بعيدا عن أهل الجنوب رواد كافة الانتفاضات الشعبية.

ما يظهره لقاء الملك يتجاوز شخصه والغضب الشعبي المبرر تجاهه، فهو امتحان تأهل يطرح القضية الأهم، وهي جواز أن يتم توريث حكم بلد، بما فيه ومن فيه، لفرد وعبر إرادة فرد أو بتطويع إرادته وابتزازه للقفز عن إرادة شعب بأكمله وحقه الطبيعي بزعم أنه غير مؤهل جمعا.. فيما هذا الزعم يمثل بحد ذاته جريمة ضد الإنسانية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة