آفاق التيار الثالث في الواقع الفلسطيني   
الأحد 21/2/1428 هـ - الموافق 11/3/2007 م (آخر تحديث) الساعة 14:49 (مكة المكرمة)، 11:49 (غرينتش)


أحمد سعيد نوفل

كشف اتفاق مكة بين حركتي فتح وحماس هيمنة الحركتين على الخريطة السياسية الفلسطينية، وتهميش التنظيمات والفصائل الأخرى التي تم استبعادها من المفاوضات.

علما بأن اتفاق مكة لم يتناول تحسين العلاقات بين فتح وحماس فقط بعد الاقتتال الداخلي بينهما، بل تطرق كذلك إلى مواقف سياسية تتعلق بثوابت القضية الفلسطينية التي تهم جميع التيارات السياسية الفلسطينية.

كما أظهرت الانتخابات التشريعية الفلسطينية، ضعف التنظيمات اليسارية الفلسطينية في الواقع الفلسطيني بسبب توزيع غالبية مقاعد المجلس التشريعي على حركتي حماس وفتح.

"
خلال سنوات المقاومة الفلسطينية المسلحة كانت فتح والجبهة الشعبية تستقطبان المستقلين والتنظيمات الأخرى على أساس الفرز الأيديولوجي بين فتح التي كانت تمثل اليمين الفلسطيني، وبين الجبهة الشعبية التي كانت تقود اليسار الفلسطيني
"
يذكر هذا الموقف بما حدث بعد حرب يونيو/حزيران 1967، واتفاق حركة فتح مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على دخول منظمة التحرير الفلسطينية.

فقد كانت معظم الاجتماعات تتم بين قيادات التنظيمين للاتفاق على توزيع مقاعد المجلس الوطني الفلسطيني واللجنة التنفيذية للمنظمة من دون إشراك واسع ومباشر للتنظيمات الصغيرة الأخرى في تلك اللقاءات، حيث كان عليها الخضوع على مضض لما يتم الاتفاق عليه.

وخلال سنوات المقاومة الفلسطينية المسلحة كان التنظيمان الرئيسيان في العمل الوطني الفلسطيني يستقطبان المستقلين والتنظيمات الأخرى على أساس الفرز الأيديولوجي، بين فتح التي كانت تمثل اليمين الفلسطيني، وبين الجبهة الشعبية التي كانت تقود اليسار الفلسطيني.

وشهدت منظمة التحرير الفلسطينية صراعات بين جناحي اليمين واليسار، وإن كانت الغلبة دائما لجناح اليمين الذي كانت تقوده فتح التي امتلكت المال وهيمنت على المؤسسات الفلسطينية وحظيت بالاعتراف العربي الرسمي بها.

بينما كان اليسار الفلسطيني يعاني من الضعف في التنظيم وعدم القدرة على الانتشار الجماهيري بسبب الحصار والملاحقة اللذين كان يعاني منهما من قبل الأنظمة العربية.

وعاش النضال الفلسطيني في فترة السبعينيات والثمانينيات الكثير من الاختلالات بسبب الاختلاف في المواقف بين اليمين واليسار الفلسطيني، وهيمنة حركة فتح على القرار الفلسطيني، واستبعادها مشاركة فعلية للجبهة الشعبية في ذلك القرار.

وكانت فتح تريد أن يكون اليسار الفلسطيني ديكورا أكثر من كونه تيارا سياسيا يمثل رؤية وطنية مختلفة عن رؤية فتح للثوابت الوطنية الفلسطينية.

الصورة حاليا اختلفت لأن حركة حماس تعلمت كثيرا من الأخطاء التي وقع فيها اليسار الفلسطيني طيلة السنوات الماضية. فقد استطاعت من خلال المؤسسات التي أوجدتها فتح نفسها أن تصل إلى السلطة بشكل ديمقراطي، وتتعدى المساحة التي حددتها لها فتح في الساحة الفلسطينية، لتصبح الفصيل الأكثر شعبية.

كما استطاعت الحكومة التي شكلتها أن تصمد على الرغم من العقبات التي وضعت في طريقها من قبل بعض رموز فتح، لإفشالها منذ اللحظة الأولى لفوزها في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني وتشكيلها للحكومة الفلسطينية.

ويمكن إطلاق مصطلح القطبية الثنائية على النظام السياسي الذي ساد في المجتمع الفلسطيني حاليا بعد نجاح حماس في الانتخابات التشريعية، بعد أن كان أحادي القطبية طيلة السنوات الماضية، التي هيمنت فيها فتح على منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى القرار السياسي الفلسطيني.

مع التأكيد على أن التنظيمين فتح وحماس يمثلان اليمين في الساحة الفلسطينية، على أساس عدم صحة إطلاق مصطلح التيار الوطني على حركة فتح، وكأن حركة حماس ليست بالتيار الوطني.

"
الواقع الجديد الذي فرضه فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية واتفاق مكة طرح إشكالية جديدة في النظام السياسي الفلسطيني، وهي: أين تنظيمات اليسار الفلسطيني من الواقع الجديد والتطورات في الساحة الفلسطينية؟
"
هذا الواقع الجديد الذي فرضه فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية واتفاق مكة طرح إشكالية جديدة في النظام السياسي الفلسطيني، وهي: أين تنظيمات اليسار الفلسطيني من الواقع الجديد والتطورات في الساحة الفلسطينية؟ وما هي الأسباب التي دفعت تلك التنظيمات والأحزاب اليسارية إلى طرح فكرة قيام تيار ثالث في الساحة الفلسطينية يضم جميع تلك التنظيمات؟

لا شك أن اليسار الفلسطيني وجد نفسه أمام معضلة كبيرة في حال استمرار تراجع شعبيته، وذلك للأسباب التالية:

أولا: أن الخاسر الأكبر في الانتخابات التشريعية الفلسطينية كان هو تيار اليسار الفلسطيني الذي لم يحصل عليه سوى سبعة مقاعد من أصل 132 مقعدا (9%) فقط، بينما حصلت حماس على 75 مقعدا وفتح على 45 مقعدا.

ثانيا: أن دوره قد همش في اتفاق مكة مما جعله يرفض منطق "المحاصصة" الذي ساد المباحثات والحوارات الثنائية بين فتح وحماس واقتسام المناصب الوزارية بينهما وترك بقية الحقائب الثانوية للمستقلين والكتل البرلمانية الأخرى.

ثالثا: وجود اختلاف كبير في المواقف السياسية بين اليسار واليمين الفلسطيني من قضايا عديدة مطروحة على الساحة الفلسطينية.

رابعا: تراجع التأييد الجماهيري لتيار اليسار الفلسطيني، لعدم قدرته على بلورة موقف موحد من مختلف القضايا السياسية المصيرية.

خامسا: وجود أغلبية فلسطينية صامتة ابتعدت عن النشاط الفلسطيني، بسبب ما عانته الساحة الفلسطينية من اقتتال بين فتح وحماس، ومن هيمنة فتح طيلة السنوات الماضية على القرار الفلسطيني. ومن الممكن الاستفادة من تلك الفئة والحصول على تأييدها.

سادسا: رفض الجبهة الشعبية -وهي الفصيل اليساري الرئيسي في الساحة الفلسطينية- المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، مما يؤهلها لقيادة المعارضة داخل المجلس التشريعي الفلسطيني وخارجه.

سابعا: المصداقية التي يتمتع بها تيار اليسار في الشارع الفلسطيني، لموقفه من الاقتتال الفلسطيني، وسعيه إلى اتفاق على أساس وثيقة الوفاق الوطني، التي مثلت الشراكة الحقيقية لجميع الفصائل والتيارات السياسية قبل اتفاق مكة.

ثامنا: رفضه لحالة الاستقطاب التي تحاول كل من فتح وحماس القيام بها، في محاولة لكسب بعض التيارات اليسارية إلى جانبها، مما يؤدي إلى تشرذم أكبر لليسار الفلسطيني.

"
ملوح: الفلسطينيون يعيشون هذه الأيام وضعا جديدا يفرض عليهم العمل على وجود تيار ثالث بعيدا عن التيار الإسلامي الذي تقوده حركة حماس والتيار الوطني الذي تقوده حركة فتح
"
ووجدت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أنها أكثر الأطراف قدرة على توحيد صفوف اليسار الفلسطيني، وأنها الحاضن الرئيسي لهذا التيار، لتاريخها الطويل في النضال الفلسطيني ولمصداقيتها على مر السنوات في المحافظة على الثوابت الوطنية الفلسطينية.

كما أن الجبهة الشعبية أدركت حجم التراجع في تأييد الجماهير الفلسطينية لليسار الفلسطيني، لأسباب مرتبطة بالعمل الوطني الفلسطيني نفسه، ولضعف اليسار العالمي والعربي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

فقد اعترف الزعيم الروحي للجبهة الشعبية الدكتور جورج حبش بالأزمة التي يمر بها اليسار الفلسطيني، وبحالة الانكفاء والتهميش التي وصل إليها اليوم.

هذا إلى جانب أن الجبهة الشعبية تجمع بين الأيديولوجية اليسارية العالمية والأبعاد القومية العربية. ولهذا فقد دعت على لسان عبد الرحيم ملوح نائب الأمين العام للجبهة من سجنه إلى قيام التيار الثالث، على أساس أنه تيار ديمقراطي يستطيع أن يلعب دوراً مهما في حياة المجتمع الفلسطيني والنظام السياسي، لأن الجماهير الفلسطينية ستنظر إليه بجدية، وسيكون هذا التيار مؤهلا للعب دور في الساحة الفلسطينية في المرحلة المقبلة.

وحدد القوى التي سيتشكل منها التيار الثالث بأنها إضافة إلى الجبهتين الشعبية والديمقراطية، حزب الشعب وجبهة النضال، والاتحاد الديمقراطي الفلسطيني "فدا" والمبادرة الوطنية.

وانتقد ملوح عدم متابعة الجهود لتشكيل التيار الثالث، وعدم إخراجه للنور، لأن الفلسطينيين يعيشون هذه الأيام وضعا جديدا يفرض عليهم العمل على وجود تيار ثالث بعيدا عن التيار الإسلامي الذي تقوده حركة حماس، والتيار الوطني الذي تقوده حركة فتح.

وعلى تلك القوى أن تستعيد دورها في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في فلسطين. وحذر ملوح من أنه إذا لم تتفق تلك القوى على تشكيل التيار الثالث، فإنها ستصاب بضربة قاتلة تمنعها من لعب دور مؤثر في الحياة السياسية الفلسطينية.

ويكمن الجانب المهم لتشكيل التيار الثالث في لعب دوره الوطني "التحرر الوطني" خاصة أن هذه الكتلة السياسية تمثل ثقلا في المجتمع والحياة السياسية إذا تم تجميعها في تيار ثالث موحد وفق برنامج وأهداف موحدة.

لقد أظهرت استطلاعات الرأي في الأراضي الفلسطينية، وجود أغلبية صامتة تقدر بحوالي 40% من الفلسطينيين، الذين لا يشاركون في الانتخابات ولا يؤيدون التنظيمات الفلسطينية.

ويستطيع التيار الثالث أن يستقطب نصفهم على الأقل إذا شعر المواطنون الفلسطينيون بأن هذا التيار بديل فعلي وملائم لتوجهاتهم السياسية. هذا مع وجود الآلاف من الفلسطينيين الذين فقدوا ثقتهم في السلطة الوطنية بسبب الفساد الذي تفشى داخلها، فآثروا الابتعاد عن النشاط السياسي إلى حين وضوح الصورة في العمل الوطني الفلسطيني.

"
وجود التيار الثالث سيؤدي إلى توزيع المسؤوليات الوطنية على جميع التيارات السياسية الفاعلة في الساحة الفلسطينية بدلا من إبقائها في أيدي من احترف السياسة وأوصل القضية الفلسطينية إلى ما وصلت إليه
"
وبعد تشكيل المبادرة الوطنية الفلسطينية وتعزيز دورها في وقف الاقتتال بين فتح وحماس، إلى جانب الجبهة الشعبية، بات في حكم المؤكد استمرار الدعوة إلى الإعلان عن تشكيل التيار الثالث.

والواقع أن وجود تيار ثالث في الساحة الفلسطينية يعتبر أمرا طبيعيا في ظل وجود التيار الذي تقوده فتح، والتيار الإسلامي الذي تقوده حماس.

ويستطيع التيار الثالث أن يحدد موقفه من الثوابت الرئيسية في الساحة الفلسطينية على أساس استمرار النضال الوطني بجميع أشكاله، لإزالة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على كامل الأراضي المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين على أساس قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، وإزالة المستوطنات الإسرائيلية من الأراضي الفلسطينية ووقف بناء الجدار العنصري.

وكما يمكنه تفعيل دور منظمة التحرير الفلسطينية في النضال الفلسطيني، لكي تضم جميع الحركات والفصائل الفلسطينية في داخل فلسطين وفي الشتات. كما يستطيع التيار الثالث إلى جانب التنظيمات الرئيسية ضم شخصيات وطنية وبعض المستقلين وقوى المعارضة اليسارية والقومية.

وسيؤدي وجود تيار ثالث إلى إيجاد حالة من التوازن في النظام السياسي الفلسطيني الذي تتقاسمه فتح وحماس.

وفي السابق كانت حركة فتح تضع العراقيل أمام وجود تيار قوي تخشى أن يؤثر على هيمنتها على القرار الوطني الفلسطيني، ولهذا فقد ساهمت في إضعاف التنظيمات اليسارية عن طريق استقطاب بعضها.

أما اليوم وبعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية، فإن فتح وجدت أن الخطر عليها قد جاءها من التيار الإسلامي بزعامة حماس وليس اليساري بقيادة الجبهة الشعبية.

وجود التيار الثالث سيؤدي إلى توزيع المسؤوليات الوطنية على جميع التيارات السياسية الفاعلة في الساحة الفلسطينية، بدلا من إبقائها في أيدي من احترف السياسة وأوصل القضية الفلسطينية إلى ما وصلت إليه.
ـــــــــــــــ
كاتب أردني 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة