الأزمة السورية ومنظومة أمن التعاون الخليجي   
الثلاثاء 12/4/1433 هـ - الموافق 6/3/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:25 (مكة المكرمة)، 11:25 (غرينتش)
غازي دحمان

يتساءل الكثير من المراقبين والمحللين المتابعين للسلوك والمواقف الخليجية من الأحداث التي شهدتها المنطقة ولا تزال -وخاصة الأزمة السورية- عن سر التطور الحاصل في التفكير الإستراتيجي الخليجي، وعن الدافع وراء تطوير وتوسيع دائرة اهتماماته، بعد أن بقيت محصورة لأكثر من عقدين من الزمان في إطار الدائرة الضيقة للحدود الخليجية، ولا تتعدى اهتماماته درء المخاطر الآنية والمحتملة، مما أكسبه صبغة دفاعية صرفة، لينتقل -خلال مرحلة الربيع العربي- إلى طور المبادرة في الأزمة اليمنية، ثم ليتخطى ذلك إلى نمط جديد من التعاطي مع الأزمات من خلال موقفه من الأزمة السورية.
تولت دول الخليج طرح العديد من المخارج للأزمة السورية، ولكن استمرار رفض النظام وتعنته هو المسؤول عن تطوير الموقف الخليجي إلى هذا النمط من التعاطي السياسي

والواقع أن موقف دول منظومة مجلس التعاون الخليجي من الأزمة السورية يحتمل تفسيرات متعددة، وخاصة لجهة اصطفاف هذه الدول في الجانب المعادي للنظام السوري، وحرقها لكل مراكب العودة إلى موانئ التصالح والتفاهم مع نظام دمشق، حتى وصل الأمر إلى حد إعلان نيتها إسقاط النظام بكل الوسائل والطرق المتاحة.
ولا ينفي ذلك حقيقة أن دول المنظومة -إن بشكل منفرد أو في إطار عملها كمنظومة- قد تولت طرح العديد من المخارج للأزمة السورية، وشكلت مبادراتها الدينامية الأساسية والمحركة لمبادرة الجامعة العربية تجاه الأزمة السورية. وإن استمرار رفض النظام وتعنته هو المسؤول عن تطوير الموقف الخليجي إلى هذا النمط من التعاطي السياسي.

ولا شك في أن مراكز صنع القرار وجهات تقدير وبناء المواقف في منظومة التعاون الخليجي تدرك أن موقفها هذا من النظام السوري يحمل في طياته قدراً من المخاطرة المحسوبة، انطلاقا من واقع وجود شبكة من العلاقات المعقدة ينضوي في إطارها النظام السوري، وهذه الشبكة تتلامس وتتقاطع في بعض أجزائها مع بعض مكونات البيئة الأمنية والإستراتيجية لمنظومة التعاون الخليجي، بل وتمتد بعض أذرعها واستطالاتها إلى داخل مكونات بعض مجتمعات الإقليم، بما فيها مجتمعات دول مجلس التعاون الخليجي ذاتها، انطلاقا من اعتبارات فوق وطنية تكرست في واقع الإقليم على مدار العقد الماضي.

غير أن الملاحظ هو أن الأزمة السورية جاءت في ظل ما يمكن أن يسمى "مرحلة النهوض الخليجي"، التي عبرت عن نفسها من خلال سعي دول هذه المنظومة إلى إعادة تعريف دورها الإستراتيجي بما يتضمنه من إعادة تقويم للمكانة الجيوإستراتيجية في إطار البيئة الدولية المتغيرة، وما يتطلبه هذا الأمر من استعدادات وتجهيزات مواكبة، وتوفير الإمكانيات اللازمة، بدءاً من الانسجام في عملية صنع القرار داخل المنظومة، ووصولاً إلى خلق الأدوات القادرة على تفعيل هذه القدرة وتطويرها.

التغييرات التي تشهدها المنطقة كان لها انعكاسها المباشر في التخطيط الإستراتيجي والأمني في دوائر المنظومة الخليجية, كما بدا واضحا عبر مشاركة " درع الجزيرة " في تهدئة الأوضاع في البحرين

ومما لا شك فيه أن نواة هذه التوجهات كانت قد أسست لها جملة من المعطيات التي شهدتها البيئة الإستراتيجية لمنظومة دول مجلس التعاون الخليجي، وقد وفر التحدي الإيراني الناهض الغطاء الشرعي والمحفز الأساسي لمثل هذا المتغير، حيث بدا الموقف الخليجي وكأنه استجابة للتحدي الوجودي الذي تفرضه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، باعتبارها قوة متطلعة لأن تتحول إلى إمبراطورية نفطية تتحكم في إنتاج النفط وطرق تصديره تحت خيمة سلاحها النووي الآتي ولو بعد حين، وفي ظل جراحة جغرافية للإقليم بدأت في تجهيز مشارطها لإعداد خرائط تتوافق مع خطوط حلم الإستراتيجية الإيرانية (ثلثا العراق، كل البحرين، شرق السعودية)، وسيطرة على القرار في كل من الكويت والإمارات المتحدة، ووضع عُمان تحت الوصاية الجغرافية، وسوريا تحت الوصاية السياسية.

وثمة عامل آخر دفع بدول منظومة التعاون الخليجي إلى هذا النمط من الاستنفار، يتمثل في تراخي القدرة الأميركية في المنطقة، وتراجع الاهتمام الإستراتيجي الأميركي بالمنطقة، بسبب الضعف الذي أصاب بنية وهيكلية القوة الأميركية والذي لم يعد خافية على العيان، مما جعل أميركا لاعباً غير مؤثر، أو على الأقل غير حاسم، في الكثير من القضايا، ولعل قضية التسلح النووي الإيراني خير شاهد على ذلك.

لا شك أن هذه المتغيرات -بما تشهده من تحديات ذات طابع وجودي، وأخرى تتعلق بمستقبل دور ومكانة دول منظومة التعاون الخليجي، في ظل مؤشرات إقليمية ودولية وفرتها معطيات السنة الأخيرة، عبر طيف واسع من الأحداث والتغيرات الجيوإستراتيجية العميقة- كان لها انعكاسها المباشر في التخطيط الإستراتيجي والأمني في دوائر المنظومة الخليجية، وقد بدت بعض تجلياتها واضحة من خلال تفعيل عمل بعض التشكيلات الميدانية وإظهار جاهزيتها العملية في إطار الفضاء الأمني الخليجي، عبر مشاركة "درع الجزيرة" في تهدئة الأوضاع في البحرين، وما تلاها من أحاديث وتصريحات بعض القادة الخليجيين حول التفكير في إحداث توازن قوى إستراتيجي، ربما تشتمل مكوناته على العنصر النووي، لمواجهة التحدي الذي تفرضه إيران على المنطقة.

ومن الطبيعي أن دول الخليج -حتى تستطيع أن تصبح لاعباً مؤثراً في المنطقة- تحتاج -إضافة إلى تجهيز البنى والتشكيلات الإستراتيجية اللازمة- إلى "توضيب" المسرح الإستراتيجي المناسب لعملها، بما يتضمنه ذلك من خلق فضاء واسع لتحركها ونفوذها، عادة ما يطلق عليه في التوصيفات الإستراتيجية "المجال الحيوي"، والذي يشمل فيما يشمل الحواف الجغرافية لمنطقة المركز والأطراف والتخوم، وخاصة بعد أن سعت إيران إلى إلغاء هوامش التحرك الإستراتيجي للمنظومة الخليجية، ومحاولة خنقها في حيز جغرافي يفتقد كل سمات الموقف الإستراتيجي، عبر حصر هذه الدول ضمن خطوط دفاعية ضيقة ومحصورة عند أبواب العواصم، لضمان توفير أكبر قدر من الإحساس بالخطر، وبالتالي اتباع أنماط وسياسات دفاعية وحذرة.

بقاء نظام الأسد بات يشكل أحد المخاطر والتحديات أمام عمل منظومة الأمن الخليجي، وإمكانية تطويرها واستفادتها مما يتيحه المجال العربي القريب منها من إمكانات إستراتيجية

وفي هذه الحال، تبدو سوريا مكسباً إستراتيجياً خليجياً مهماً ومؤثراً، لما تتيحه جغرافية هذا البلد من إطلالات مهمة على البر التركي من جهة وإشراف إستراتيجي على لبنان وتماس مع إسرائيل، فضلاً عن تشكيله نصف دائرة تطوق العراق وتتلامس معه في ثلثه السني، مما يشكل معادلاً موضوعياً صاداً ومانعاً للجيب الإيراني في العراق، إضافة إلى تعطيلها للميزة التي تتمتع بها إيران حالياً عبر تطويقها للفضاء الخليجي من خلال البر الشامي (سوريا ولبنان)، وامتلاكها ساحات تصارع بعيدة عن مراكزها الحيوية، الأمر الذي يعطيها مرونة وقدرة أكبر على المناورة والمساومة، ناهيك عن الأهمية الديمغرافية السورية التي يزيد عدد سكانها عن 24 مليون نسمة، وهو مرشح لبلوغ أرقام أعلى بسبب حالة النمو السكاني المرتفعة فيها، والتي يمكنها أن تشكل -في حال انضمامها للكتلة الديمغرافية الخليجية- معادلاً موازياً للكتلة الديمغرافية الإيرانية.

لا شك أن بقاء نظام الأسد -في توجهاته الحالية تحت عنوان التحالف مع طهران، وفي ظل وضوح المواقف وانكشافها على المستقبل- بات يشكل أحد المخاطر والتحديات أمام عمل منظومة الأمن الخليجي، وإمكانية تطويرها واستفادتها مما يتيحه المجال العربي القريب منها من إمكانات إستراتيجية.

وتشير بعض تقديرات المواقف إلى إمكانية توسيع تركيبة منظومة الأمن الخليجية، بحيث تشمل في السنوات القادمة كلا من سوريا والأردن ولبنان واليمن والعراق، أو على الأقل أجزاء منه. ومن هنا فإن الموقف الخليجي بات واضحاً من الأزمة السورية، وسيكون واحداً من ميكانيزمات الحل فيها، وعلى كل من يتفاوض على مستقبل سوريا أن يدرك أن مفاوضيه في الرياض والدوحة والمنامة، وأن لهم مصالح واعتبارات أمنية لا بد من مراعاتها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة