استعدنا أتاتورك وليس أردوغان!   
الثلاثاء 1433/8/7 هـ - الموافق 26/6/2012 م (آخر تحديث) الساعة 0:49 (مكة المكرمة)، 21:49 (غرينتش)
فهمي هويدي

كأن المجلس العسكري أخطأ في العنوان حين أراد أن يستفيد من الخبرة التركية. إذ بدلا من أن يعتبر أعضاؤه مما فعله الطيب أردوغان فإنهم استلهموا تجربة كمال أتاتورك، فأعرضوا عن سكة السلامة وطرقوا أبواب سكة الندامة.

(1)

رغم ارتياحنا النسبي لنتائج الانتخابات الرئاسية، فإن الموقف في مصر الآن كما يلي: مع قرب نهاية الفترة الانتقالية التي تحددت في الثلاثين من شهر يونيو/حزيران الحالي، حدثت مفاجأة لم تكن في الحسبان. إذ بعدما قطعنا شوطا لا بأس به باتجاه تأسيس النظام الجديد (أجريت انتخابات مجلسيْ الشعب والشورى، وتشكلت لجنة وضع الدستور)، "فإننا استيقظنا ذات صباح على إعلان دستوري يعصف بما تم بناؤه، حتى الطوارئ التي ألغيت أطلت علينا من باب جديد، بعد إعطاء ضباط الجيش والمخابرات صفة الضبطية القضائية بالمخالفة للقانون".

لم يعد في بر مصر صوت يعلو فوق صوت المجلس العسكري، فهو الذي بات يملك سلطة التشريع، وهو الآمر الناهي فيما يخص التنفيذ، ثم إن سلطة المجلس فوق القانون وفوق الدستور

بعد الذي جرى، لم يعد في بر مصر صوت يعلو فوق صوت المجلس العسكري، فهو الذي بات يملك سلطة التشريع، وهو الآمر الناهي فيما يخص التنفيذ، ثم إن سلطة المجلس فوق القانون وفوق الدستور، وهو دولة داخل الدولة ولا شأن للأخيرة به، وحتى في وجود رئيس الجمهورية فإن قراراته خاضعة لوصاية المجلس المذكور، وإذا حدثت اضطرابات في البلد استوجبت تدخل القوات المسلحة فإن موافقة المجلس العسكري شرط لتنفيذ قرار رئيس الجمهورية في هذا الصدد. ولرئيس المجلس العسكري -ضمن جهات أخرى- أن يعترض على أي مادة في مشروع الدستور لا تعجبه، وإلى أن يتم الاستفتاء على الدستور، فإن من حق المجلس العسكري أن يصدر ما يشاء من قوانين، وليس لأحد أن يطعن فيها أمام أي جهة قضائية.

أما الجمعية التأسيسية الحالية التي تتولى كتابة الدستور فإن الإعلان المذكور أعطى المجلس العسكري سلطة إعادة تشكيلها إذا ما تعثرت في مهمتها، دون تحديد أي معايير في هذا الصدد، وفي هذه الحالة فإن لجنة الدستور الجديدة ستكون معينة من قبل المجلس العسكري، وليست منتخبة من الشعب، وفي هذه الحالة لن نفاجأ إذا ما قامت اللجنة "بتفصيل" الدستور بحيث يتجاوب مع رغبات المجلس وضغوطه.

الخلاصة هي أننا ظللنا طوال الأشهر التي خلت ننتظر موعد الثلاثين من يونيو/حزيران الذي قيل لنا إنه سيتم فيه انتقال السلطة من العسكر إلى المدنيين، لكننا فوجئنا بذلك الانقضاض الذي نقلنا من حكم العسكر إلى تحكّمه، كما قيل بحق.

(2)

الخائفون على الثورة لم يختلفوا على وصف ما جرى بأنه انقلاب، والخائفون منها اعتبروه منعطفا وحركة تصحيحية. وكنت ضمن من وصفوه بأنه "انقلاب ناعم"، لكني استثقلت الوصف لاحقا واعتبرته تجميلا لفعل قبيح. صحيح أنه انقلاب لم تطلق فيه رصاصة، وتم بالحيل القانونية والألاعيب السياسية، إلا أن أحدا لا يستطيع أن ينسى أن شعب مصر دفع ثمنا غاليا من أرواح أبنائه ودمائهم لإنجاح هذه الثورة، الأمر الذي لا يستقيم معه وصف الانقلاب عليها بأي صورة بأنه "ناعم". ذلك أن تشويه حلم شعب يظل جريمة في كل الأحوال، بصرف النظر عن الأسلوب الذي اتبع في ذلك.

حين قرأت لبعض الباحثين وصفهم للانقلاب بأنه "ما بعد حداثي" -بمعنى أنه تفكيكي ومناهض للفعل الحداثي المتمثل في الثورة- وجدت أن المصطلح الأول أطلقه نظراؤهم على انقلاب الجيش التركي "السلمي" على حكومة السيد نجم الدين أربكان في عام 1997، حيث مورست عليه ضغوط لم يحتملها مما اضطره إلى الاستقالة من منصبه كرئيس للوزراء، وانتهى الأمر بالحكم عليه بالسجن وبحل حزب "الرفاه" الذي يقوده، وهو ما تم دون إطلاق أي رصاصة، وبقرار أصدرته المحكمة الدستورية العليا (أيضا!).

ليس من الإنصاف أن نقارن حصيلة الانقلاب الراهن في مصر بما حدث في تركيا في تسعينيات القرن الماضي، لأنني أجد الشبه أكبر بين الإجراءات التي اتخذها المجلس العسكري وبين ما أقدم عليه العسكريون الأتراك منذ أكثر من سبعين عاما، وهي المرحلة التي زرعت فيها بذرة تنصيب القوات المسلحة وصية على المجتمع وليست مجرد حامية لأمنه وحدوده، وهي مسألة تحتاج إلى ثقة وقراءة متأنية.

(3)

الجيش في تركيا كان يتدخل في السياسة من منطلق أيديولوجي متذرعا بالدفاع عن العلمانية الكمالية، أما في مصر فلم يكن للأيديولوجية أي دور في تحرك الجيش الذي ظل ملتزما بحسابات المصلحة الوطنية فقط

ثمة خلفية واجبة الاستدعاء عند التطرق إلى دور الجيش في كل من مصر وتركيا. فالجندية عند الأتراك لها مرتبتها الرفيعة في الوجدان العام، حتى يقال إن كل تركي يولد جنديا، وتحدثت كتب التاريخ عن النزعة القتالية التي تمتع بها الأتراك منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، حتى إن قبائلهم التي عاشت في وسط آسيا دأبت على مهاجمة الصين، مما اضطر حكامها إلى بناء السور العظيم لصدهم، وظلت تلك الصفة ملازمة لهم بعد تأسيس الإمبراطورية العثمانية التي وصفت بأنها "عسكرية جهادية"، وفي مرحلة أفول الإمبراطورية تحولت البلاد إلى رجل أوروبا المريض (القرن الثامن عشر)، حتى تكالبت عليها دول الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وأنزلت بها هزيمة منكرة، الأمر الذي أدى إلى احتلال إسطنبول ذاتها في عام 1918، إلا أن ذلك استنفر المقاومة التركية التي قادها مصطفى كمال باشا (أتاتورك) لاحقا، واستطاعت أن تحرر البلاد من الغزاة في الفترة ما بين عاميْ 1920 و1922، وهو ما مهد له الطريق لتولي السلطة وإعلان الجمهورية وإلغاء الخلافة العثمانية في عام 1923، ولأن الجيش هو الذي أنقذ تركيا ورعى تأسيس الجمهورية فقد سوغ ذلك لقادته أن يعتبروا أنفسهم مسؤولين عن "إعادة تشكيل الأمة". وهو المعنى الذي رسخه مصطفى كمال باشا خلال سنوات حكمه التي استمرت من عام 1927 إلى عام 1938.

منذ ذلك الحين اعتبر الجيش نفسه حارس الوطن والجمهورية معا، وصار مؤسسة مستقلة عن الدولة، ولها موازنتها التي تعدها رئاسة الأركان وليس وزارة الدفاع، وترسل إلى البرلمان للموافقة عليها فقط وليس لمناقشتها.

منذ عام 1935 نص القانون على تلك الوظيفة للجيش، لكن الفكرة جرى النص عليها في الدستور عام 1960، في أعقاب أول انقلاب قام به قادة الجيش باسم الدفاع عن النظام الجمهوري وقيم العلمانية التي اعتبرت أساسا أبديا له، لا يقبل التعديل أو المناقشة.

استنادا إلى هذا الدور، قام الجيش بثلاثة انقلابات عسكرية سافرة خلال السنوات 1960 و1971 و1980، وذلك غير الانقلاب "الناعم" الذي تم في عام 1997 وسبقت الإشارة إليه.

هذه الخلفية تبرز الفرق بين وضع الجيش في تركيا ونظيره في مصر، صحيح أنه في مصر نقل البلد من الملكية إلى الجمهورية بصورة هادئة نسبيا في عام 1952، إلا أن ذلك تم في ظروف مغايرة لتلك التي شهدتها تركيا وقاد فيها الجيش المقاومة التي أنقذت البلاد من اجتياح الحلفاء، ثم إن الجيش هناك أسس الجمهورية وبقي في قلب السياسة، في حين أنه في مصر خرج من السياسة وظل على هامشها بعد عام 1952. وحتى في 25 يناير/كانون الثاني عام 2011 فإن الجيش المصري كان حارسا للثورة ولم يكن صانعا لها.

الفرق الآخر المهم هو أن الجيش في تركيا كان يتدخل في السياسة من منطلق أيديولوجي متذرعا بالدفاع عن العلمانية الكمالية، أما في مصر فلم يكن للأيديولوجية أي دور في تحرك الجيش الذي ظل ملتزما بحسابات المصلحة الوطنية فقط.

(4)

قصة الجيش التركي والسياسة رصدتها بالتفصيل رسالة دكتوراه قدمت إلى كلية آداب عين شمس في عام 2008، وحصل بها الدكتور طارق عبد الجليل على شهادته مع مرتبة الشرف، وقد استفدت من تلك الرسالة غير المنشورة في أغلب ما ذكرته، إلا أنني استكملت صورة تجربة العسكر هناك بالرجوع إلى كتاب "تركيا الأمة الغاضبة" الذي ألفه الباحث التركي كرم أوكتم وترجمه إلى العربية الأستاذ مصطفى مجدي الجمال.

ومن أهم ما وقعت عليه في هذا الكتاب، إبرازه لدور "الدولة العميقة" في صناعة المشهد التركي خلال الثمانين سنة التي خلت، والمؤلف يطلق عليها "الدولة الحارسة" التي قامت على تحالف الجيش مع القضاء والبيروقراطية، ذلك أن الجيش في الانقلابات التي تمت كان يقوم بالمهمة السياسية والدور العسكري، لكن ذلك لم يكن ليكتمل ويحقق مراده بدون إسهام القضاء وتجاوب أجهزة الإدارة البيروقراطية، وإن شئت فقل إن القضاء والبيروقراطية ظلا طوال العقود الخالية من الأدوات التي استخدمها الجيش في تسويغ ممارساته وبسط سلطاته. ويسجل المؤلف أنه في تسع حالات استخدم الجيش المحكمة الدستورية في حل تسعة أحزاب إسلامية وكردية في الفترة ما بين عاميْ 1971 و2009 (هل يذكرك ذلك بالوضع الراهن في مصر؟).

مجلس الدفاع الوطني الذي أعلن المجلس العسكري تشكيله في مصر خلال الأسبوع الماضي

لم تنتقل تركيا من الجمهورية الكمالية إلى مشارف الجمهورية الديمقراطية إلا بعد عام 2003 حين تولى السلطة حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان، الذي ساعدته ظروف مواتية على إخراج الجيش من قلب السياسة وفك تحالف القضاء والبيروقراطية. إذ مكنته الأغلبية التي حصل عليها حزبه من الحصول على أغلبية البرلمان وتشكيل حكومة متماسكة وليست ائتلافية، وساعده ذلك على الاستجابة لدعوة الاتحاد الأوروبي إلى ضرورة إضفاء الصفة المدنية على مجلس الأمن القومي الذي يقرر السياسة العامة للدولة، باعتبار ذلك من شروط قبول تركيا ضمن عضوية الاتحاد (المجلس كان يضم 12 عضوا بينهم سبعة من العسكر، أي أن الأغلبية لهم) وقد تم تغيير التركيبة بحيث أصبحت الأغلبية للمدنيين، كما أن دور المجلس أصبح استشاريا فقط، ولا وجه للإلزام فيه، وحين تم تصحيح ذلك الوضع صار بمقدور الحكومة أن تمارس سلطتها متحررة من القيود والضغوط، وقوى ذلك مركزها في التصدي لأركان "الدولة العميقة" ممثلة في منظمة "آرغنكون" التي تحدثت عنها في مرة سابقة.

أذكّر بأن مجلس الدفاع الوطني الذي أعلن المجلس العسكري تشكيله في مصر خلال الأسبوع الماضي ضم 16 عضوا بينهم 11 من العسكريين (أغلبية)، وإذا أضفت إلى هذه المعلومة خلاصة الإعلان الدستوري الذي صدر في 17/6 التي عرضتها في بداية هذا النص، فسوف تكتشف أن المجلس العسكري أعادنا إلى أجواء الستينيات في تركيا، وهو الوضع الذي لم يتحرروا منه هناك إلا بعد مضي أربعين عاما.

لست متأكدا من أن ما فعله المجلس العسكري كان مجرد خطأ في العنوان أو خطأ في قراءة التاريخ، ومع ذلك فإن أكثر ما يهمني هو إجابة السؤال: كم عدد السنوات التي سنحتاجها لكي نتحلل من وصاية العسكر، لنتمكن من بناء مصر الديمقراطية التي من أجلها قامت الثورة؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة