دوافع الحوار الوطني اللبناني وآفاقه   
الخميس 1427/2/23 هـ - الموافق 23/3/2006 م (آخر تحديث) الساعة 14:46 (مكة المكرمة)، 11:46 (غرينتش)

أكرم البني

ما كان للدعوة التي وجهها رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري لعقد مؤتمر للحوار الوطني أن تلقى استجابة فورية وجدية من مختلف الأطراف السياسية الفاعلة لولا تضافر عاملين:

الأول منهما تبلور مواقف سياسية صريحة ومتعددة الانتماء ترفض التفريط في الاستقرار القائم وتدعو إلى تغليب استمرار السلم الأهلي على ما عداه.

وذلك على قاعدة شيوع إحساس عام لدى مختلف القوى اللبنانية والفئات الشعبية بأن الجميع خاسر في حال ما إذا اتجه التباين والتعارض إلى نهايته القصوى، وتنامى تخوف مشروع من الاندفاع المشحون بالتوتر إلى سياسة الاستقطاب الطائفي والتجييش المذهبي مما قد يسفر عن احتكاكات عدائية بغيضة سواء في المدارس أو الأحياء أو الملاعب.

"
إذا كان يرجى للحوار اللبناني النجاح فيجب أن يحتكم في موضوع العلاقة اللبنانية السورية إلى الموضوعية والثوابت التاريخية والجغرافية بعيدا عن الانفعالات والدوافع الثأرية، والسعي لتطبيع هذه العلاقة على قاعدة التكافؤ واحترام الخصوصية والسيادة
"
تلك المخاوف باتت مثيرة للقلق وتهدد بأن تتصاعد وتتطور إلى ما لا تحمد عقباه إذا استمر إهمالها وتأخرت معالجة أسبابها، ربطاً مع اقتناع مختلف الأطراف بأن القوى التي أفرزتها انتفاضة 14 مارس/آذار 2005 وفرضت نفسها كأكثرية في الانتخابات البرلمانية، هي قوى متمكنة وفاعلة على أرض الواقع بدليل مظاهرة 14 فبراير/شباط 2006 وأن ما حققته من تواصل ونفوذ شعبي وما صاغته من تنسيق سياسي هو حقيقة غير قابلة للطعن أو الاهتزاز.

والثاني هو قوة المداخلات العربية والعالمية المواكبة للتطورات اللبنانية، وتنامي الإشارات باستعداد كل طرف وخاصة أميركا لوضع ثقلها في الميزان كي تكسب الجولة الراهنة، مما يضع لبنان في مهب التدويل، لكن هذه المرة، في شروط أشد وطأة وبؤسا.

وإذا أضفنا إلى ذلك ما خلفته تداعيات التحقيق في جريمة اغتيال رفيق الحريري من حصار للسياسة السورية في لبنان وفشل الهجوم المعاكس لإعادة الأمور إلى ماضيها أو على الأقل لوقف تدهور ميزان القوى وإلغاء الوقائع التي ترتبت على انسحاب القوات العسكرية السورية من لبنان، يمكن أن نقف عند أهم الأسباب التي أفضت إلى ما يمكن تسميته بدء تقزيم الدور السوري في لبنان، أو تحوله موضوعياً إلى طرف مكره على التسليم والإقرار بما حصل من مستجدات على الأرض اللبنانية، بل ومجبر على التعامل معها.

يصح التمييز، بعيداً عن القرار 1559 وتداعياته، بين حلقتين مترابطتين ترابطاً كبيراً تحددان محتوى الحوار اللبناني وآفاقه.

الحلقة الأولى وتحمل عنواناً عريضاً هو العلاقة مع سوريا وتتعلق عملياً بتفكيك مواطن استمرار الدور السوري في لبنان، ومنها الالتباس المتعلق بمزارع شبعا وترسيم الحدود وإعادة النظر في المعاهدات الموقعة بين البلدين بما في ذلك إقامة علاقات دبلوماسية، ويمكن أن يدرج في هذا السياق الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان وخاصة ما هو خارج المخيمات.

والحلقة الثانية يمكن اعتبارها مجازاً لبنانية الروح والقلب واللسان وتتعلق بأشكال إعادة بناء الدولة اللبنانية ومستقبل التكتلات الطائفية الموجودة بما في ذلك موضوع رئاسة الجمهورية ومصير سلاح حزب الله.

وإذ لمسنا أن الحوار تقدم خطوات مهمة على الضفة الأولى، وخرج باتفاق واضح المعالم في النقطتين المتعلقتين بالعلاقة مع سوريا وبالوجود الفلسطيني المسلح، يرجح أن يشهد على الضفة اللبنانية مساراً طويلاً نسبياً أو مرحلة ممتدة زمنياً تحكمها المناورات والمساومات قبل أن تصل الأمور إلى استقرار نهائي.

المعروف أن أهم معضلة في الحوار اللبناني أنه لا يمكن أن ينجح اليوم إلا إذا تحرر نسبياً من وطأة الوضع الإقليمي المتأزم وما يحمله هذا الأخير من مثالب وأخطار.

وربما يكون قدر لبنان أو عقدته المزمنة أنه بلد صغير محكوم بالتدخلات وبتشابك شأنه الداخلي مع الشأن الخارجي، وصل هذا التشابك، غير مرة، إلى ذروة دامية يصح تسميتها بحرب الآخرين على أرضه.

فخلال ما يقارب العقد كان أهم محطة للوجود الفلسطيني المقاوم، واحتلت إسرائيل شريطه الحدودي لعقدين من الزمن، ثم جاهد النظام السوري لاستخدامه ورقة قوة لتحسين موقعه التفاوضي ونفوذه الإقليمي، وربما لا يزال يأمل بعد خروج قواته من لبنان، إعادة الأمور إلى سابق عهدها والرهان على تجدد الانقسامات الداخلية واستفحالها بما يمنع الدولة والمؤسسات من التبلور المستقل ويسوغ الحاجة لعودة دوره في ضبط الصراعات اللبنانية.

تاريخياً، ثمة معضلة في العلاقة السورية اللبنانية لكونها علاقة غير متكافئة بين طرفين عرفا تمايزاً نوعياً في أنظمة حكمهما وتوجهاتهما، ولا يقفان على مستوى واحد من الوزن والقوة، كما تختلف رؤيتهما وفهمهما لهذه العلاقات، ناهيك عن تناوب التدخلات الخارجية وتواترها في تقرير مسارهما ومصيرهما، الأمر الذي كبل غير مرة إرادة الطرفين أو أحدهما، وضيّق إلى حد كبير من فرص اتفاقهما، ووسم هذه العلاقات عموماً بأنها متوترة وغير مستقرة وأحياناً عدائية.

لكن بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان يجب أن يعي الجميع أن سوريا لم تعد هي ذاتها ولم يعد لبنان هو نفسه وصارت من الأوليات المبادرة إلى صياغة علاقة مختلفة بين البلدين بعيداً عن العقلية القديمة، عقلية الوصاية الوطنية والقومية، ومحاولة إخضاع كل شيء في لبنان لمواقف النخبة الحاكمة السورية وأغراضها الخاصة، نحو بناء علاقة جديدة تأخذ في الاعتبار ما حصل من مستجدات.

ومن الضروري أن تتجه العلاقات نحو تأسيس عقد ديمقراطي على قاعدة المصالح المشتركة والأمن المشترك، يحترم إرادة اللبنانيين في تقرير مصيرهم، وما يعنيه ذلك بداية من وقف كافة أشكال التدخلات الأمنية والسياسية، والمسارعة لتذليل وتوضيح الالتباسات المتعلقة برسم الحدود.

"
المتحاورون في لبنان لا يملكون مقومات تسوية إستراتيجية لخلافاتهم ولن تنفع شطارتهم ومناوراتهم في ذلك، خاصة أن حوارهم لا يزال تكتنفه الأمراض التي تعرفها غالبية القوى السياسية من حضور الحسابات الضيقة والأنانيات والأطماع الرئاسية
"
ومن جانب آخر إذا كان يرجى للحوار اللبناني النجاح فيجب أن يحتكم في موضوع العلاقة اللبنانية السورية إلى الموضوعية والثوابت التاريخية والجغرافية بعيدا عن الانفعالات والدوافع الثأرية، والسعي لتطبيع هذه العلاقة على قاعدة التكافؤ واحترام الخصوصية والسيادة، وهو الأمر الذي أكدته حتى الآن الأطراف المتحاورة في اتفاقها بالإجماع على صيغة ندية وصحية في بناء العلاقة المستقبلية مع سوريا.

وأيضاً بنفس الروحية يفترض معالجة الموضوع الفلسطيني في لبنان ومشاكله وسلاحه على قاعدة احترام القرار الدولي رقم 194 وأساساً ضرورة التعامل مع الفلسطينيين أسوة بالمواطنين اللبنانيين وتأمين الحماية الشرعية لهم والمسارعة إلى تحسين أوضاعهم بما يكفل لهم شروط حياة إنسانية كريمة تقيهم التميز وشر العوز والحرمان.

ثمة حاجة تزداد إلحاحاً اليوم بأن ينجح النضال الفلسطيني الموجود في مناطق الشتات في تجاوز طرائقه العتيقة وأساليبه في خوض الصراع برؤية الماضي من خلال العنف وأفعال الحرب، خاصة وأن المنظمات الفلسطينية التي ميزت نفسها بالرهان على تلك الوسائل وحدها وصلت إلى طريق مسدودة وتعاني اليوم من حالة تأزم لعدم الجدوى والفاعلية والصلة مع الشعب الفلسطيني، وأيضاً بسبب الفشل والعجز عن الاستمرار في حفز النضال وفي خلق تأثير ذي معنى على توازن القوى مع العدو الصهيوني.

ويعاند الحقائق والوقائع من لا يزال يفكر أو لا يزال يتوهم ويعتقد بأن ثمة فرصة لتكرار ما حدث قبل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 ويراهن على أن يتمكن السلاح الفلسطيني من شق الصف اللبناني وفق الثنائية الشهيرة، مع أو ضد الثورة الفلسطينية.

الوضع الفلسطيني في الشتات صار مختلفاً اليوم بعد قيام سلطة وطنية على جزء من الأرض المحتلة، أبرمت الكثير من الاتفاقات الثنائية مع إسرائيل وباتت مطلقة اليدين في إدارة قطاع غزة، وتسعى عبر مفاوضات عسيرة وصعبة لتحرير الضفة الغربية واسترداد الحقوق، وأيضاً مع تنامي رأي عام فلسطيني لم يعد يميل لتغليب العنف ولغة السلاح بل للعمل السياسي وبناء مؤسسات ديمقراطية كفء وقادرة.

ولعل نجاح العملية الانتخابية الأخيرة التي أوصلت حركة حماس إلى السلطة والمشاركة الشعبية الواسعة أظهرت تحولاً نوعياً في عقلية سادت لعقود، فأصبحت الأرض المحتلة هي الميدان الحقيقي للنضال، ولم تعد البرامج المتطرفة والشعارات الطنانة مصدر الشرعية بل البشر في الداخل الفلسطيني، وقد صاروا هم الأساس ونيل ثقتهم هو المرجعية.

أما حول القضايا اللبنانية الخلافية، فأولها وربما أسهلها حلاً، هو موضوع رئاسة الجمهورية الذي يبدو أن المؤتمرين حققوا بعض الخطوات في اتجاه حسمه.

فالأكثرية تطرح إنهاء ولاية إميل لحود والأقلية لا ترى له دورا أو سلطة، وتبقى الكرة الآن في الملعب الماروني حيث لم تصل هذه الطائفة إلى اتفاق على رئيس بديل.

فعند العماد ميشال عون لا سبيل لإنهاء الولاية ما دام لا يرى نفسه في المشـروع البديل، وهو ليس مستعداً للإطاحة بالرئيس ما لم تأخذ الأكثرية التي لا تريده رئيساً رغبته في الاعتبار، والبطريرك صفير وضع الأمر على عاتق الرئيس نفسه تاركا له زمام المبادرة لتقديم استقالته.

وبمعنى آخر أن الرئيس لحود يمكنه أن يبقى في سدة الرئاسة ما دام لا يرغب في الاستقالة، بينما كتلة القوات اللبنانية وأنصار قرنة شهوان تجد أن موضوع الرئاسة قد نضج وفاحت رائحته أكثر مما يحتمل وهي تدعو بإلحاح لإقالة الرئيس برلمانياً وحتى جماهيرياً إذا عجزت عن بناء الاتفاق المطلوب.

وتقوم اليوم بجمع التوقيعات على عريضة نيابية لتثبت أن التمديد له حصل بالإكراه، وعلى عريضة شعبية قد تصل إلى المليون توقيع تدعو لإزاحة الرئيس لحود.

أما سلاح حزب الله فهو المسألة الأهم، والمسألة التي تستدعي معالجتها نظرة جديدة، آن لها أن تحترم دور الدولة من جهة وأن تناقش بجدية من جهة ثانية.

كل الصيغ التي يمكن أن تؤدي إلى حماية لبنان وطمأنة المقاومين والجنوبيين بأن أمنهم يرتبط قولاً وفعلاً بمنظومة دفاعية عمادها الجيش الوطني، ويرجح أن يكون أحد أشكال بنائها دمج قطاع مهم من كوادر المقاومة في الجيش اللبناني.

فمن المحال أن يتحول حزب الله مع من حوله من الشيعة ممن يستمد حضوره من دوره المقاوم أساساً إلى حالة سياسية فقط دون هذه التطمينات، حتى لو اتفق الجميع بمن فيهم حزب الله على هذا التحوّل.

فيفترض أن يعوا أن سلاح حزب الله ليس مسألة مخازن وعتاد بل عنوان لتشكيل اجتماعي كبير ببعده الطائفي والاقتصادي، وبأن حل المشكلة لا يختزل في مساومة أو صفقة، إنما يتطلب جهداً خلاّقاً وتعاونا وتفهما متبادلا وسعيا مشتركا لبناء مقوماته وأدواته كي ينجح.

ويتطلب ذلك أيضا الإجابة عن سؤال أي وطن نريد للبنان وأي دولة، دولة المواطن أم فدرالية الطوائف، ما يفتح تلقائياً ملف النظام الانتخابي وضرورة مناقشة مشروع تشكيل نواة لنظام تمثيلي صحيح ليس فيه أي من طوائف أو ملل أو حتى مجموعات دينية سياسية، ويتجاوب إلى حد كبير مع مهمة بناء دولة عصرية بكل معنى الكلمة.

صحيح أن القوى اللبنانية نجحت عبر هذا الحوار في كسر الطوق الطائفي جزئياً لكنها معنية اليوم أكثر من أي وقت مضى في الكشف عن وجه وطني عريض لا تظهر عليه ملامح التسرع وانعدام الصبر، قادر على بلورة رؤية مشتركة تفتح الباب واسعاً للتلاقي والتفاعل بين مختلف الأطراف اللبنانية دون استثناء وتنأى بها جميعا عن أية اندفاعات أنانية وضيقة تعمق التخندقات وتشعر الخاسر أنه خسر كل شيء ولم يعد له مكان في المرحلة القادمة.

بدون هذه الرؤية من المحال التشجيع على تقديم التنازلات الضرورية وخلق التفاهم وبناء الاتفاق أو حسم تردد مجموعات وزعامات هي أقرب إلى المصلحة الوطنية العليا في روحها ومواقفها.

"
الحوار بين اللبنانيين مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى تحسباً لتكرار تجربة الحرب الأهلية المريرة، لأن مصلحة الشعب اللبناني ومستقبل أجياله تحتم جلوس مختلف الأطراف والفعاليات حول طاولة واحدة
"
وفي هذا الإرهاب ثمة قلق واضح أن يقتصر نجاح الحوار اللبناني على أبسط القضايا ويعجز تالياً عن استثمار ما حصل من متغيرات وتوظيفها لتأكيد حضوره واجتماعه الديمقراطي، فظواهر وأساليب التحدي واستعراض القوة ولغة المهاترات والانفعال لا تخدم أحداً ولن تؤدي إلا إلى مزيد من تعزيز دور العوامل الخارجية أياً تكون في تقرير مصير اللبنانيين.

ومع أن الظروف الموضوعية مواتية اليوم لرفد مهمة بناء دولة مركزية ديمقراطية، لكن تطور الحال اللبنانية لا يزال قلقاً وحرجاً ولا يزال توازن القوى متقلباً وحساسا.

ومن الوهم أن يعتقد أي طرف أنه قادر وحده على خلق بديل يشكل مظلة للجميع ويحظى بثقة الناس واحترامهم، وما حصل من تطورات لن تثمر وتؤتي أكلها إلا إذا اتضحت قدرة الشعب اللبناني وقواه السياسية على حكم نفسه بنفسه، وشاع نوع من الحرص العام على الحياة المشتركة على قاعدة حاجة إصلاحية ديمقراطية متعددة المستويات سياسياً واقتصادياً يفترض أن تشارك فيها كل القطاعات الحية في الدولة والمجتمع اللبناني.

ولنعترف أن المتحاورين لا يملكون مقومات تسوية إستراتيجية لخلافاتهم ولن تنفع شطارتهم ومناوراتهم في ذلك، خاصة أن الحوار اللبناني لا يزال تكتنفه الأمراض ذاتها التي تعرفها غالبية القوى السياسية من حضور الحسابات الضيقة والأنانيات والأطماع الرئاسية مما قد يفتح الباب على مناورات غير محمودة وربما يفضي إلى اصطفاف سياسي لا يؤدي، في نهاية المطاف، إلا إلى إحباط الحوار وإفشاله.

إن نجاح الحوار في التأسيس للبنان الجديد، لكي تجد التنازلات المتبادلة حيزاً لها في الحياة، لابد له مبدئياً من تأكيد إجماع اللبنانيين ليس فقط على الحقيقة التي يفترض أن يظهرها التحقيق الدولي حول جريمة اغتيال الحريري، وإنما أيضاً على الارتقاء نحو إلغاء الطائفية السياسية والانتقال إلى المجتمع المدني، أو تطبيق الشق السياسي الداخلي المرسوم في اتفاق الطائف.

وذلك بإقامة مجلس نيابي غير طائفي ومجلس شيوخ يحافظ على المحاصة الطائفية، وأن تتحد الإرادة الوطنية لتجديد بنية المؤسسات الدستورية على أسس حديثة وعادلة، وإصلاح الإدارة وتعزيز استقلاليتها عن السياسة وتحويلها إلى مؤسسات خاضعة للمساءلة والمحاسبة، بما في ذلك معالجة الأوضاع الاقتصادية والمالية وإنقاذ المواطنين من سلطة الجشع والاستغلال وتحسين مستويات معيشتهم.

يمكن القول إن لبنان يعيش اليوم مرحلة انتقالية، قلقة وحساسة، فرضتها الظروف الدولية والعربية والداخلية الاستثنائية، والأمل أن لا ينجر لبنان مرة أخرى إلى تقديم نموذج فاضح في قدرته على تدمير الذات، بل أن يفتح الحوار الموضوعي والصريح والنقاش الوطني الشفاف الطريق لتسوية بين اللبنانيين ربما لن تكون نهائية، وهي على الأغلب لن تكون كذلك، لكنها على الأقل يمكنها أن تؤكد تميزهم وقدرتهم على العيش المشترك في متحدهم الديمقراطي.

أخيرا إن لبنان بحاجة إلى حوار، حتى لو كان الحوار هو الهدف بحد ذاته دون مضامين قابلة للحل، مما يعني تلقائياً إقصاء الوسائل الأخرى غير السياسية أو على الأقل تحييدها.

ثم إن الحوار بين اللبنانيين مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى تحسباً لتكرار تجربة الحرب الأهلية المريرة، فمصلحة الشعب اللبناني ومستقبل أجياله تحتم جلوس مختلف الأطراف والفعاليات حول طاولة واحدة وبحث مشكلاتهم واستنباط الأفكار المشتركة لحلها.

لكن من الفائدة بمكان تحديد أهم المشكلات والثغرات التي يفترض التنبه لها كي لا تنقطع سبل الحوار أو يفضي إلى عكس الأهداف المتوخاة منه.

أولا، لا يجوز خلق الأوهام حول مؤتمر الحوار الوطني كأنه لمسة ساحر يمكن أن تخرج الوضع اللبناني من أزماته المزمنة والمتراكبة، أو القول إنه سفينة الإنقاذ الوحيدة والمحطة المفصلية الحاسمة في تاريخ لبنان.

فالمعروف أن ثمة مواضيع مطروحة على مائدة الحوار هي عصية اليوم على الحل وتحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، لكن للحوار المباشر دوره الكبير في تخفيف حدة المواقف وتفريغ الاحتقانات وتذليل بعض الصعوبات.

والأهم أنه يحفز روح التفاهم والتعاون بين مختلف الأطراف ويقر باحترام أدوارها على أساس الخيار الديمقراطي وما تقرره إرادة الناخب اللبناني وتطلعاته.

وهذا الأمر الذي يستدعي، من جهة الدفاع عن الحوار بصفته الوسيلة الأنجع لخلق الاتفاق بين اللبنانيين، وأيضاً بصفته مساراً مستمراً قد يعرف التقدم والنجاح وربما المراوحة في المكان وأحياناً الفشل المؤقت، لكنه يبقى الطريق الوحيدة والآمنة لتذليل المشكلات وإجهاض احتمال تطورها سلباً، ولبناء الاتفاق والتفاهم الضروري لضمان سلامة المتحد اللبناني.

"
لا يمكن أن يرتهن عمل وبرنامج حكومة تمثل الأغلبية برضا الأطراف الأخرى دون النظر إلى وزنها في البرلمان، وكأن ثمة حقا مسبقا لهذه الأطراف في استخدام الفيتو تجاه أي موقف حكومي يتعارض مع سياساتها
"
ثانيا
، لا تصح المبالغة وربط مصير لبنان بنتائج هذا الحوار وبث الرعب في الأوساط الشعبية من تبعات كارثية في حالة الفشل.

صحيح أن مثل هذا التهويل ينفع كوسيلة ضاغطة على مختلف الأطراف لتشجعها على تقديم التنازلات، لكن من الصحيح أيضاً أن المبالغة بوزن المؤتمر وحدود دوره يمكن أن يضاعف الانعكاسات السلبية على المجتمع وعلى القوى المشاركة ذاتها، في حال عدم النجاح أو العجز عن بلورة اتفاقات وتجاوز بعض أهم المسائل الخلافية.

ثالثا، من الخطأ النظر إلى مؤتمر الحوار الوطني على أنه مرجعية أقوى من سلطة الدولة ومؤسساتها خاصة وأن هذه الأخيرة خطت خطوات مهمة خلال زمن قياسي لاستعادة دورها ومكانتها، فهدف عقد مؤتمر حوار وطني خارج مؤسسات الدولة هو تعزيز دور هذه الدولة وتقوية بنيانها، وهذا ما يستدعي تالياً إعادة النظر باشتراط "التوافق المسبق" الذي لعب دوراً معرقلاً لحضور المؤسسات الديمقراطية واستقلاليتها.

فلا يمكن أن يرتهن عمل وبرنامج حكومة تمثل الأغلبية لرضا الأطراف الأخرى دون النظر إلى وزنها في البرلمان، وكأن ثمة حقا مسبقا لهذه الأطراف في استخدام الفيتو تجاه أي موقف حكومي يتعارض مع سياساتها.

ونذكر على سبيل المثال كيف شلت الحكومة استقالة وزراء حركة أمل وحزب الله احتجاجاً على قرار الأكثرية بتشكيل محكمة ذات طابع دولي.

فلبنان هو البلد الأغنى بتجربته التعددية وهو مؤهل خير تأهيل لإدارة حياته بالوسائل الديمقراطية ولا يجوز لأحد أياً كان تكبيل هذه الوسائل أو إعاقتها، بينما في المقابل يحق بداهة لأي كتلة برلمانية تملك الأكثرية أن تأخذ فرصتها لقيادة البلاد وفق برنامجها، ثم تبعاً لإنجازاتها، ويقف الناخب من جديد أمام مسؤوليته في التجديد لها أو عزلها.
__________________
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة