آفاق التحولات السياسية العربية وتبعاتها   
الأربعاء 21/3/1432 هـ - الموافق 23/2/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:56 (مكة المكرمة)، 13:56 (غرينتش)
نبيل السهلي


المشهد العربي والمتغيرات الدولية
مؤشرات البؤس في الدول العربية
آفاق التحول الديمقراطي وتبعاته

بعد نجاح ثورتيْ تونس ومصر في الإطاحة بنظامي بن علي ومبارك، وانطلاقة انتفاضات شعبية في دول عربية أخرى مطالبة بتغيير النظم السياسية القائمة، برزت أسئلة في الشارع العربي عن مستقبل النظام السياسي العربي وإمكانية تحقيق حلم مجتمع الديمقراطية والحرية.

ففي الوقت الذي تعززت وتترسخ فيه الخطوات في العديد من دول العالم لجهة بناء مجتمع الحريات والمؤسسات والمنظمات الأهلية، يلحظ المتابع السياسي لشؤون المنطقة العربية سيادة مبدأ الفردية في الحكم في غالبية الدول العربية، وتغييب دور الغالبية الساحقة من الشعوب العربية، هذا فضلا عن فرض مصطلحات تخدم المبدأ المذكور، وذلك بغية الاستمرار في الحكم لنهب المال العام على حساب لقمة عيش المجتمعات. وقد توضح ذلك بشكل جلي بعد سقوط النظامين في كل من تونس ومصر، حيث قدر المال المنهوب بعشرات المليارات من الدولارات.

لقد أدت عملية الفساد المالي والإداري إلى زيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء, فضلا عن تفشي ظواهر خطيرة في غالبية الدول العربية، وفي مقدمة تلك الظواهر ظاهرة القطط السمان حول النظم السياسية الحاكمة، وتلك الشريحة لا يهمها إلا تراكم رأس المال بعيداً عن القيام باستثمارات تعود بمنفعة مباشرة على الأوطان والشعوب، وهذا بدوره أدى إلى ارتفاع وتيرة مؤشرات البؤس في غالبية الدول العربية، فتفاقمت معدلات البطالة وازدادت قيمة الديون الخارجية وارتفعت معدلات الفقر والفقر المدقع إلى معدلات فلكية رغم وجود المصادر الطبيعية الوطنية الكبيرة، وهذا بدوره كان وسيكون من العوامل الهامة لانطلاقة انتفاضات وثورات شعبية تنادي بالتحول الديمقراطي.

المشهد العربي والمتغيرات الدولية
"
على الرغم من المتغيرات الدولية التي عصفت بجدار برلين والاتحاد السوفياتي السابق في بداية التسعينيات من القرن العشرين، لم تبد الأنظمة العربية أية نوايا على تغيير, بل على العكس اشتدت وطأة الدكتاتورية
"
على الرغم من المتغيرات الدولية التي عصفت بجدار برلين والاتحاد السوفياتي السابق في بداية التسعينيات من القرن العشرين، لم تبد الأنظمة العربية أية نوايا على تغيير نوعي في مجالات الاقتصاد والسياسة، بل على العكس اشتدت وطأة ظاهرة نهب المال العام والإفساد المالي والإداري في غالبية الدول العربية، في الوقت التي تتطلع فيه الشعوب العربية إلى بناء المؤسسات التي تعبّر عن ديناميكية المجتمع وقدراته وقواه الحقيقية وكفاءاته المتشعبة.

صحيح أن ثمة نقابات ومنظمات مجتمع مدني برزت خلال العقد الأخير في العديد من الدول العربية، إلا أنها بقيت محكومة بقوانين لم تتعد توجهات النظام الحاكم، حيث تمت عملية مبرمجة لعدم ظهور قيادات ورموز وطنية لها امتدادها الجماهيري الذي تعبّر عنه، وتبعاً لذلك بقي خطاب تلك النقابات والمنظمات وأدبياتها أسير توجهات النظام السياسي، والأخطر من ذلك كله أن ظاهرة الفساد عششت في داخل أهم سلطة في غالبية الدول العربية ألا وهي سلطة القضاء، لتصبح الرشوة سيدة الموقف والموقف الفصل، وليصبح الحق باطلا والباطل حقا في غالب الأحيان، وقد أسست هذه الظاهرة لانتشار وتفاقم ظاهرة التسلّط في مناحي الحياة.

مؤشرات البؤس في الدول العربية
لقد انعكست سياسات النظم السياسية العربية على كافة مناحي الحياة، ومن بينها الحياة السياسية والاقتصادية، وتجلى التعبير عن ذلك من خلال سوء توزيع الدخل القومي للدول العربية، حيث تتحكم أقلية من السكان التي تعيش في كنف النظام السياسي القائم بالقسم الأكبر من الدخل القومي لهذه الدولة أو تلك، في حين بقيت أكثرية المجتمعات العربية عرضة لتفاقم ظاهرة الفقر والبطالة كما حدث في تونس ومصر والدول العربية الأخرى.

في مقابل ذلك يتوزع الدخل القومي بشكل أكثر عدالة نسبياً في الدول المتطورة، وبالأرقام ثمة 20% من سكان الوطن العربي يستحوذون على 90% من الدخل القومي، الأمر الذي يجعل 80% من السكان تحت خط الفقر المدقع، ويضعف خياراتهم من صحة وتعليم ورفاه اجتماعي.

وفي هذا السياق تشير دراسات مختلفة إلى أن معدلات البطالة تتراوح بين 9% كحد أدنى و30% كحد أعلى في الدول العربية، ويشار إلى أن نصف الإناث العربيات البالغات ونحو ربع الإناث المراهقات من الأميات، كما تشير بحوث متخصصة إلى أن معدل الأمية بين البالغين في الدول العربية بقي في حدود 36% خلال عامي 2009 و2010، في حين سجل مؤشر الأمية بين الشباب العربي بشكل عام نحو 19%.

"
تتحكم أقلية من السكان في القسم الأكبر من الدخل القومي لهذه الدولة أو تلك، في حين نجد أكثرية المجتمعات العربية عرضة لتفاقم ظاهرة الفقر والبطالة
"
ومن الأزمات التي تعاني منها المجتمعات العربية -بسبب السياسات الفاشلة للنظم الرسمية العربية- عدم الاستفادة بالشكل المطلوب من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وثورة المعلومات، وتُعزَى الفجوات الكبيرة في هذا المجال بين الدول العربية والدول المتطورة في دول العالم إلى ارتفاع معدلات الأمية بين الشباب العربي، والتي كان مردها كما أسلفنا سياسات النظم العربية الرسمية، حيث لم تخصص الموازنات الكافية للارتقاء بمستويات التعليم والبحث العلمي.

واللافت أيضا أن المؤشرات تزداد سوءاً عند الإشارة إلى ضعف المشاركة السياسية الشعبية في غالبية الدول العربية، فضلاً عن ضعف مشاركة المرأة العربية في مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة، هذا في وقت أصبحت فيه مشاركة المرأة من المعايير الرئيسية لمستوى التطوّر والتنمية في دول العالم. إذاً المسؤول عن تدني مؤشرات التنمية البشرية في غالبية الدول العربية هو النظم السياسية وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية.

آفاق التحول الديمقراطي وتبعاته
وتبقى الإشارة إلى أن الاستمرار في حالة النظم السياسية العربية المترهلة سيؤدي إلى تراجع في المؤشرات كافة الدالة على تطوّر المجتمعات العربية، إن على المستوى الداخلي أو الخارجي، ويمنع العرب من اللحاق في ركب الحضارة، ومن هنا فإن الدول العربية ستشهد مزيداً من الانتفاضات والثورات الشعبية للمطالبة ببناء مؤسسات ومنظمات اجتماعية حقيقية، فضلا عن المطالبة بالتغيير الشامل وترسيخ مبدأ الديمقراطية وسيادة القانون عوضا عن مبدأ الفردية في الحكم.

"
الوطن العربي يزخر بالمصادر الطبيعية والبشرية، فثمة 60% من احتياطي النفط العالمي موجود في الدول العربية، ناهيك عن قوة بشرية كبيرة يصل مجموعها إلى 360 مليون عربي
"

وبطبيعة الحال فإن انتشار وترسيخ المبدأ المذكور سيهيئ الظروف السانحة لعودة رأس المال المالي العربي المهاجر من جهة، وكذلك ستكون الطريق معبدة لعودة الأدمغة العربية المهاجرة إلى أوطانها، حيث تشير دراسات عديدة إلى وجود خمسة ملايين من العلماء والأكاديميين والباحثين العرب في أوروبا وأميركا.

وبعودة رأس المال والقوى البشرية إلى الدول العربية وتوطينها في الوطن الأم، يمكن التأكيد عندئذ أن ثمة قدرات وطنية حقيقية كامنة ستدفع باتجاه تعزيز وتنمية قدرات الوطن والمواطن العربي، وتالياً تحسين شروط الأداء الاقتصادي لكافة القطاعات الاقتصادية في إطار الاقتصادات الوطنية وتحقيق معدلات نمو اقتصادي عال من شأنه تعزيز الخيارات للدول والشعوب العربية على حد سواء, وقد تدفع تلك التغيرات إلى أن يتبوأ الوطن العربي مكانة هامة, ويصبح رقماً ليس هامشياً في إطار العلاقات الدولية.

فالوطن العربي يزخر بالمصادر الطبيعية والبشرية، فثمة 60% من احتياطي النفط العالمي موجود في الدول العربية، ناهيك عن قوة بشرية كبيرة يصل مجموعها إلى 360 مليون عربي، ومن بينها نحو 80 مليونا من فئة الشباب الفاعلة في ميادين مختلفة, وهي الفئة الأقدر على حماية منجزات شعوبها وتطلعاتها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة