هجمة مشاريع الشرق أوسطية   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ منير شفيق

خلال أقل من ثلاثة أسابيع من شهر فبراير/ شباط 2004 انهال على البلاد العربية مشروعان يمسان مستقبلها: أحدهما قدمته الإدارة الأميركية وأسمته مشروع "الشرق الأوسط الكبير"، والثاني قدمه وزير خارجية ألمانيا يوشكا فيشر وأسماه مشروع "الشرق الأوسط والأدنى". وقد أعلنت القمة الثلاثية التي عقدت في برلين "شيراك/بلير/شرودر" تبنيها للمشروع الألماني.


ما يحكم السياسات الأميركية الآن هو الانتخابات الرئاسية ولهذا فإن السياسة الخارجية الأميركية مسخرة لتعزيز موقف بوش الانتخابي ودحض انتقادات خصمه جون كيري لسياساته
وكان من الطبيعي أن يثير المشروعان لا سيما في البلاد العربية قلقا عند البعض منذ اللحظة الأولى (مصر والسعودية وسوريا)، وترويا لدى البعض يطالب بالحوار مع الأميركيين قبل اتخاذ موقف (بعض دول الخليج)، وصمتا من قبل عدد من الدول العربية التي كثيرا ما تشعر أنها بين المطرقة والسندان أمام كل موقف يتعلق بأميركا أو الدولة العبرية.

بداية يجب أن نلحظ أن صوغ مشاريع الشرق أوسطية، ومن خارج المنطقة أو من قبل الدول الكبرى، يذكرنا بأوائل القرن العشرين عندما راحت الدول الكبرى تتعامل مع الدولة العثمانية باعتبارها "الرجل المريض" وقد آن الأوان لاقتسامها، خصوصا البلاد العربية، وما اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور ومؤتمر باريس بعد الحرب العالمية الأولى وغيره إلا ثمرات لمشاريع اقتسام أملاك "الرجل المريض".

ومن هنا حق أن تغضب دول المنطقة وشعوبها حين تسمع أن الكبار يتحاورون ويختصمون حول كيفية وضع اليد عليها. وكانت أميركا أكثر وضوحا في الفقرة الأولى من مشروعها إذ أكدت أن المنطقة تشكل "فرصة فريدة" "للمجتمع الدولي" الذي تعني فيه الدول الكبرى.

على أن اللافت للنظر بعد ذلك فورا أن مشروع الولايات المتحدة لم يحمل علنا سمة الانفراد والاستئثار كما درجت عليه إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش خلال الأربعين شهرا الماضية، وكما عبر عن ذلك قبل بضعة أشهر تقديمها لمشروع "الشراكة الأميركية الشرق أوسطية".

فهي الآن تصوغ مشروعا جديدا وسعت فيه الشرق الأوسط وجعلته أكبر ليصل إلى أفغانستان، وحاولت أن تعرضه على الحلف الأطلسي لتبنيه بعد أن نسيت الحلف الأطلسي يوم كانت تعد للحرب على العراق، ولكن الموقف الفرنسي والألماني تحفظا على إقحام الحلف الأطلسي بمشروع يتعدى أهدافه وطبيعته (هذه هي الحجة الظاهرة) فانتقلت الإدارة الأميركية لعرضه على مجموعة الثماني في قمتها المقبلة في يونيو/ حزيران القادم. وهذا يعني، أول ما يعني، أن أميركا تراجعت عن نهج الانفراد والتفرد وجنحت لتشارك أوروبا، بل روسيا والصين واليابان كذلك. ولكن هل يعني هذا تغييرا إستراتيجيا في موقفها؟

بالتأكيد لا، لأنها قبل شهرين طرحت مشروعا انفراديا للشرق الأوسط، ولأنها ما زالت حتى هذه اللحظة تناور إزاء إشراك مجلس الأمن في معالجة الموضوع العراقي. فما تفسيره إذن؟

إن ما يحكم السياسات الأميركية الآن هي الانتخابات الرئاسية التي حمي وطيس المعركة حولها، وبدا وضع بوش فيها على غير ما يرام. فخطر السقوط أصبح داهما، ولهذا يجب تسخير السياسة الخارجية الأميركية خلال هذه المعركة لتعزيز موقفه الانتخابي ودحض انتقادات خصمه جون كيري الديمقراطي لسياساته.

فجون كيري ركز في انتقاده لسياسات بوش على نهجها الانفرادي الذي أبعد أخلص حلفاء أميركا عنها فأضعفها وجعلها في عزلة دولية من جهة، وفي عزلة أشد عن الرأي العام الغربي من جهة ثانية.

ولهذا فإن ما تبديه إدارة بوش في هذه المرحلة من انفتاح على حلف الأطلسي (قارن بين موقف رمسفيلد في السنة الفائتة وهذه السنة في مؤتمر الأمن في ميونخ)، وعلى دول قمة الثماني في طرحها مشروع الشرق الأوسط الكبير، يجب أن يربط بالمعركة الانتخابية وبالرد على انتقادات الديمقراطيين، مما يجعل الموقف الجديد عابرا وتكتيكيا رخيصا وليس تغييرا للإستراتيجية التي ستعود إليها إدارة بوش في حالة إعادة انتخابه.


يظل المشروع الأميركي عن "الشرق الأوسط الكبير" مصدر قلق بالنسبة لبعض الدول العربية لأنه يحمل في طياته اتجاها للتدخل في شؤونها الداخلية تحت دعوى الديمقراطية وبناء "مجتمع المعرفة"
والأمر نفسه يمكن أن يُقرأ في سعي إدارة بوش لتهدئة الوضع في فلسطين إلى حد، كما قيل، الطلب من بعض الدول العربية (مصر وقطر) أن تحاول إقناع حماس والجهاد وكتائب الأقصى (فتح) لإعلان هدنة مع وعود بالضغط على شارون للتجاوب وعدم التوتير، فضلا عما يجري في العراق من محاولات حثيثة للتهدئة وإعطاء شعور للناخب الأميركي بأن إدارة بوش في طريقها لإنهاء تورطها منه والخلاص من أزمتها، وقد أثار جون كيري هذه المشكلة في كل خطاباته الانتخابية.

ولعل استقالة ريتشارد بيرل (من أهم مهندسي السياسة الدفاعية والخارجية الأميركية) من منصبه الاستشاري تدخل ضمن هذا الإطار كذلك، بل صرح هو أن استقالته تأتي لعدم إحراج بوش في سنته الانتخابية بسبب ما عرف عنه من تطرف وتشدد.

ومع ذلك يظل المشروع الأميركي عن "الشرق الأوسط الكبير" مصدر قلق بالنسبة لبعض الدول العربية لأنه يحمل في طياته اتجاها للتدخل في شؤونها الداخلية تحت دعوى إصلاح التعليم والديمقراطية والحاجة إلى بناء "مجتمع المعرفة". والملفت أن المشروع المذكور استند كلية إلى تقريري التنمية الإنسانية العربية 2002 و2003، واعتبر أن محتوى المشروع متطابق مع تطلعات الكتاب العرب الذي ألفوا التقريرين المذكورين مما شكل إحراجا شديدا لمؤلفي التقريرين. وهذا ما عبر عنه نادر فرجاني المؤلف الرئيسي للتقريرين بمقالة نشرتها "الحياة" في 19 فبراير/ شباط 2004. وقد عجت بالاتهامات ضد سياسات الولايات المتحدة.

وقد أخذ على مشروع "الشرق الأوسط الكبير" اجتزاؤه للتقريرين وإغفاله لما أشارا إليه من نقد للاحتلال الأميركي ومن ترديد على أن يكون الإصلاح من الداخل. ولكن مشكلته أن واضعي المشروع الأميركي استندوا إلى الموضوعية الأساسية التي قام عليها التقريران وهي التركيز على النواقص الثلاث أي نقص الحرية والحكم الصالح، ونقص المعرفة، ونقص تمكين المرأة. الأمر الذي يفرض على مؤلفي التقريرين أن يعيدوا صوغ النواقص بحيث لا يسمح لأميركا استغلالهما كل ذلك الاستغلال، وذلك بإعطاء أولوية في الإعاقة للنظام الدولي والتدخلات الخارجية والتحدي الصهيوني إلى جانب إشكالية التجزئة والدولة القطرية النازعة إلى صنع التمزق والتفرق العربي. وبعدئذ يمكن أن تضاف نواقص أخرى مثل مشكلة الديمقراطية والحريات والحكم الصالح أو إصلاح التعليم أو العدل الاجتماعي بما فيها تلك التي تتعرض لها بعض النساء أو ما يسميه التقريران تمكين المرأة.

أما المشروع الأوروبي للشرق الأوسط والأدنى فحاول إزالة المخاوف من أنه يتعامل مع دول المنطقة تعاملا أبويا، وهو بهذا يغمز من قناة المشروع الأميركي، ومن ثم يسير إلى ضرورة التشاور مع المعنيين في المشروع. ولكن ذلك لا يمنع من أنه فعل ما فعلته إدارة بوش بصوغ مشروع إستراتيجي قد يقرر مستقبل المنطقة لعقود قادمة من وراء ظهر دولها ناهيك عن شعوبها.

وبالطبع لم يقصر المشروع الألماني في الإفادة بدوره لتعزيز محتواه من تقريري التنمية الإنسانية العربية نفسهما، مما يفترض مرة أخرى التوقف أمام "السر" الذي جذب قادة أميركا وأوروبا ولا يستثني عددا من السياسيين الإسرائيليين (مثل شمعون بيريز زعيم حزب العمل) ليجعلوا من هذين التقريرين مستندا لتدخلاتهم في المنطقة. وهو ما لا يحصل مع أي تقرير من تقارير هيئة الأمم المتحدة من قبل أو التقارير العربية.

لكن "الأليكسو" انبرت في الأسبوع الأخير من شهر فبراير/ شباط لتنهج النهج نفسه وتزايد حتى على التقريرين المذكورين في جلد الذات العربية إلى حد الغلو المتطرف الشديد الافتقار إلى الاتزان أو الموضوعية، لعلها تصبح مرجعية لتدخلات الدول الكبرى.


ينبغي على مؤتمر القمة العربية القادم رفض مشاريع الشرق أوسطية والتدخل الذي لا يسيء إلى سيادة الدول فحسب، وإنما أيضا يتضمن درجة مؤذية من الاستهتار والإهانة
على أن الخلل الأشد الذي يجب أن يتنبه إليه يوشكا فيشر هو ما تكرر في تقريره من استخدام لعبارة "الإرهاب الجهادي"، وقد ظن أنه بهذا يتجنب النقد الذي تعرضت له بعض المواقف الأميركية التي استخدمت عبارة "الإرهاب الإسلامي". وهو بهذا يكون قد فعل الشيء نفسه ولم ينقذ الموقف. فكما أن الإسلام يظلم إذا قرن الإرهاب به فكذلك يظلم مفهوم الجهاد في الإسلام حين يقرن بالإرهاب.

ولنفترض أن الذين صاغوا عبارة "الإرهاب الجهادي" لم يقصدوا الإساءة إلى الإسلام والمسلمين، وإنما لا يعرفون أن الجهاد والإرهاب لا يجتمعان كما أن الإسلام والإرهاب لا يجتمعان، ولا يعرفون أنهما مفهومان وفعلان متناقضان ومتنافيان، وهذا ما يجب أن يتنبه إليه وزير خارجية ألمانيا، كما أوروبا عموما. ويكفي أن يلاحظ أن ثمة إجماعا أو ما يشبه الإجماع بين علماء الأمة المعتبرين في إدانة الإرهاب وفصله فصلا تاما عن الإسلام والجهاد ومقاومة الاحتلال.

تبقى نقطة أخيرة تتعلق بضرورة أن تتحد كلمة قيادات الدول العربية والإسلامية المعنية بمشاريع الشرق أوسطية على رفض هذا التدخل الذي لا يسيء إلى سيادة الدول فحسب، وإنما أيضا يتضمن درجة مؤذية من الاستهتار والإهانة وجرح الكرامة، وهو ما ينبغي لمؤتمر القمة العربية القادم أن يتصدى له بقوة.

بل لا يجوز أن يقتصر هذا الموقف على الدول الرافضة للمشروعين الأميركي والأوروبي من حيث الجوهر ليشمل أيضا الدول التي ترغب في الحوار وبناء أفضل العلاقات بأوروبا أو أميركا أو كليهما، لأن طريق هذه الرغبة لا تمر عبر أسلوب التعالي والاستهتار في التعامل مع بلدان المنطقة وشعوبها.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة