الانتخابات والزعامات والتغيير   
السبت 1426/1/4 هـ - الموافق 12/2/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)


نبيل شبيب

 

- مشروعية التصويت

- زعامات مفتقدة

 

الانتخابات والاستفتاءات وسيلتان للتعرّف بصورة مضمونة على إرادة الغالبيّة ممّن يحقّ لهم التصويت في أي قضية مطروحة، وهي في نطاق الحياة السياسية منهج الحكم نفسه وقواعده الأساسيّة، واختيار من يكسب ثقة الغالبية من بين من يحقّ لهم الترشيح للقيام بمهمّة محدّدة موضوعيّا بمنهج الحكم وقواعده، وموقوتة زمنا بحلول موعد التصويت التالي أو وقوع ما يستدعي تقديم موعده، ومشروطة دوما بالتزام المنهج وعدم تجاوز المهمّة.

 

وفي الواقع التطبيقي يتمّ اختيار من يحوز النسبة الأعلى من الأصوات، مِن بين مَن سبق أن عملوا لإثبات كفاءاتهم، فصنعوا بأنفسهم "زعاماتهم"، عبر مبادئهم ومواقفهم وممارساتهم وإنجازاتهم على أرض الواقع، وأصبحوا بذلك الأقدر على دفع عجلة التغيير نحو الأفضل!..

 

بدهيات؟.. هذا صحيح، بدهيات بسيطة بحدّ ذاتها، عناصرها متوفّرة في الأصول التشريعية الإسلاميّة ومعترف بها في الشرائع الدولية، ورغم ذلك لم تعد "بدهيات" في عالمنا المقلوب رأسا على عقب، حتّى أصبحت الانتخابات والاستفتاءات وسيلة لتثبيت من سبق أن ثبّت نفسه في كرسي "الزعامة" قادما إليها على دبابة انقلابيّة أو دبابة أجنبية، أو عبر احتكار سلطة متوارثة، لم تكن بدايةُ الوصول إليها في تاريخنا الحديث خالية من استخدام القوّة أيضا، وفوق ذلك يجري الحديث هنا وهناك عن إصلاح داخلي وإصلاح خارجي!!.

 

"
كلّ نص دستوري أو قانوني ينتقص من حقّ الترشيح هو ضرب من ضروب التزييف لإرادة الشعوب ويُسقط مشروعية التصويت ابتداء
"
مشروعيّة التصويت

لقد حُولّت عملية التصويت من وسيلة للالتزام بالشرعية، إلى وسيلة لانتهاكها، ومن ساحة للتنافس بين زعماء حقيقيين، إلى وسيلة اصطناع شرعية زائفة لزعامة زائفة، ومن يتحرّك على هذا الطريق رغم إرادة الشعوب، لا يمكن منطقيا وواقعيّا أن يرتفع بنفسه "لاحقا" إلى مستوى زعامة حقيقية فاعلة، بل سيبقى على الدوام منشغلا عن أعبائها الثقيلة بأعباء القهر والخداع للحفاظ على سلطته وتسلّطه وتزوير شرعيّته.

 

إنّ الزعامة وإكراه الشعوب على الخضوع لها، نقيضان لا يجتمعان، مثلهما في ذلك مثل الاحتلال والاغتصاب والاستبداد والعدوان من جهة، والحريّة والسلام والأمن والإصلاح من جهة ثانية، فلا وجود لما يُسمّى "المستبدّ العادل" إلاّ في خيال منتفعين أو موالين متعصّبين يسوّغون للمستبدّ استبداده بابتكار أوصاف يستحيل تحقيقها على أرض الواقع.

 

ولأنّ الانتخابات والاستفتاءات وسيلة، فهي عرضة لاستغلالها لغير ما وجدت له، سواء بفعل استبداد يفرض نفسه رغم إرادة الشعوب كحال معظم البلدان العربية والإسلامية، أو بفعل احتلال يستخدم القوّة لقهر الشعوب كما في أفغانستان والعراق وفلسطين وغيرها.

 

ولهذا لا بدّ من التمييز بين تصويت يعبّر فعلا عن إرادة غالبية من يحقّ لهم التصويت كي يوصف عن جدارة بأنّه "حر نزيه"، وآخر باطل بمنطلقاته وشروطه ومجراه ونتائجه.

 

ويمكن التمييز بالرجوع إلى شروط محدّدة للتصويت الحرّ النزيه، ثبّتتها المواثيق الدولية، لا سيّما "العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية" من عام 1966م استكمالا لميثاق حقوق الإنسان من عام 1948م وبيانا لما أُجمل فيه، وفي مقدّمة تلك الشروط أن يكون التصويت دون تزييف ولا تزوير ولا ضغوط.

 

إنّ كلّ نصّ دستوري أو قانوني ينتقص من حقّ الترشيح، باحتكاره حزبيا كما في سورية، أو احتكار قبول الترشيح بطرق ملتوية أخرى ابتكرتها السلطة كما في مصر، هو ضرب من ضروب التزييف لإرادة الشعوب ويُسقط مشروعية التصويت ابتداء، لترسيخ الاستبداد في دول مستقلّة ذات سيادة.

 

وإنّ كلّ حرمان عمليّ لفريق ممّن يحقّ لهم الترشح في الأصل من المشاركة فيه، كالمتمسّكين بحقّهم المشروع دوليا في مقاومة الاحتلال الأجنبي لأرضهم، كما في أفغانستان والعراق وأمثالهما، هو ضرب آخر من التزييف الصارخ لإرادة الشعوب في دول تتعرّض للاحتلال وترسيخ انتهاكه لحقوق الشعوب.

 

وإنّ حرمان فريق ممّن يحقّ لهم التصويت من المشاركة فيه، مثل أبناء فلسطين في الشتات، هو تزييف للإرادة الشعبية، في أيّ انتخاب أو استفتاء يقال إنّه يعبّر عنها، ويراد أن يكون بديلا عن "حقّ تقرير المصير" الأصيل الثابت دون تصويت، في بلاد تتعرّض للاغتصاب والاحتلال معا كما في فلسطين.

 

"
الضغوط من قبيل اعتقالات عشوائية ومحاكمات صورية وما شابه ذلك في صفوف المعارضين في دول يحكمها الاستبداد تسقط مشروعية التصويت وفق المواثيق الدولية
"

ويسري سقوط المشروعيّة أيضا عند حرمان بعض المرشّحين دون آخرين من حقّ تكافؤ الفرص، تمويلا وحركة وإعلاما، وعلى تخصيص دعم مباشر محليّ أو إقليمي أو دولي لفريق منهم دون فريق، وكذلك على افتقاد آليّات حياديّة محدّدة المعالم والمواصفات والفاعليّة، لضمان مشروعية التصويت بدءا بالصياغة القانونية، مرورا بالرقابة النزيهة، وانتهاء بقضاء حرّ عادل  قادر على إعطاء كلمة الفصل في الشكاوى والنزاعات.

 

جميع ذلك معروف لا يسوغ الجدال حوله، ولا يختلف المتخصصون بشأنه، ولكنّنا نشاهد تطبيقاته اليومية، ونعايش من "يجادل" فيه أيضا، فيؤوّل ويسوّغ، ليس من جانب الأطراف المعنيّين مباشرة ممّن يمارسون الاستبداد أو الاحتلال أو يسيرون في ركابه انتفاعا أو لأي سبب آخر، إنّما الأسوأ أن ترتدي التسويغات والتأويلات لباس رويّة منهجية ونظرة واقعيّة بل وتوعيّة وطنية!..

 

ومعروف أيضا أن "الضغوط" من قبيل الاعتقالات العشوائية والمحاكمات الصورية وما شابه ذلك في صفوف المعارضين في دول يحكمها الاستبداد، تسقط مشروعية التصويت وفق المواثيق الدولية، ولا تتردّد الولايات المتحدة الأميركية مثلا، في تأكيد ذلك ولا الاتحاد الأوروبي.

 

فأيّ منطق أو تفكير يكمن وراء ما يصدر داخل نطاقنا من تسويغات وتأويلات، تشمل فيما تشمل "الضغوط" التي اتخذت أشكال تقتيل وتدمير وتعذيب، وحصار وتجويع وتشريد، وقنابل عنقودية وانشطارية وحارقة ومسمارية وعملاقة وغيرها.

 

ومن أغرب التأويلات والتسويغات الحديث "المهين" عن عدم بلوغ شعوبنا سنّ الرشد، أي تلك التي بلغتها شعوب الدول الشيوعية سابقا بعد أن حكمتها القيصريّة الأورثوذوكسية عدّة قرون والشيوعية الماركسية عدّة عقود!.

 

إن ما تقرره الشرعية الدولية وما يقرره الواقع أيضا، يوجب دون تردّد رفض مقولات القائلين تسويغا وتزويرا عن "الانتخابات" في العراق أو فلسطين أو أفغانستان، أو حتى تلك التي تجري في بلدان "مستقلّة" من بين بلادنا ولكن دون أن تكتمل شروط مشروعيّتها، إنّما هي خطوة على الطريق وإن كانت منقوصة، وينبغي القبول بها -بل ودعمها- لإيجاد مخرج من أوضاع الاحتلال والاستبداد.

 

إنّ الخطوة الأولى يجب أن تكون صحيحة بذاتها، لتوصل إلى المخرج الصحيح على الطريق الصحيح، وليس إلى ترسيخ احتلال أو استبداد أو تحقيق أهدافهما جزئيا أو كليّا، لا سيّما وأنّ المانع الحقيقي من الأخذ بخطوة صحيحة فعلا ليس "عدم وجودها" بل التسليم بشرعة الغاب أن تصنع ما تريد.

 

"
الخطوة الأولى يجب أن تكون صحيحة بذاتها لتوصل إلى المخرج الصحيح على الطريق الصحيح وليس إلى ترسيخ احتلال أو استبداد أو تحقيق أهدافهما جزئيا أو كليّا
"
زعامات مفتقدة

الخوض في جدال حول تلك المقولات وأمثالها يحقّق مسبقا أحد أغراض عمليّات التصويت المشوّهة، عبر الانشغال بها عمّا ينبغي العمل له والإصرار عليه للتعبير القويم عن إرادة الشعوب.

 

وهو أمر يستحيل أن يكون قويما ومشروعا إلا إذا كانت الخطوة الأولى إليه هي تغييب سلطة الاحتلال أو سلطة الاستبداد وسيطرتها على مجراه، لا سيّما وأنّ الغرض من الانتخابات المشوّهة لا يتمثّل في الوصول إلى قيادة وزعامة قويمة للبلاد وهي في ظروف تاريخية بالغة الأهمية، إنّما يتمثّل في الحيلولة دون ذلك عن طريق تثبيت زعامات مفروضة بقوّة الاحتلال أو الاستبداد جنبا إلى جنب مع العمل على استئصال سواها.

 

إن المشكلة مع الاحتلال والاغتصاب والاستبداد ليست في الأصل مشكلة اختيار قيادات وزعامات، بل قضية استرجاع حقّ تقرير المصير، وهو مشروع دوليا بصورة قطعيّة ثابتة فلا يحتاج إلى تصويت.

 

وأول خطوة لاسترجاع هذا الحق، وهي خطوة لا غنى عنها لضمان ما بعدها هي الحيلولة دون أن تكون للجهة التي انتهكته، احتلالا واغتصابا واستبدادا، الكلمةُ الحاسمة في تلك الخطوة، والقدرة على توجيهها حيث تريد.

 

فإن لم تقبل بحلّ يوضع لهذا الغرض من جانب دولي أو أي جهة وطنية، فلا بدّ من سلوك طريق المقاومة، وهذا بالذات ما جعل المواثيق الدولية ترفض أي شكل من أشكال الشرعيّة للقوّة المسلّحة، إلاّ في حالتي الدفاع ضدّ عدوان، والمقاومة ضدّ الاحتلال.

 

ثمّ إنّ التصويت لا يوصل إلى صناعة الزعماء ولا يحوّل من اعتلى السلطة على سلّم الدبابات إلى زعيم "وطني".

 

الزعيم الحقيقي هو القادر على ممارسة قيادة واعية لأمّة واعية، يرفض ما تريد رفضه ويقبل ما تريد قبوله، فلا يحتاج إلى فرض إرادته هو بالحديد والنار استبدادا أو استعانة باحتلال، وهو القادر على إثبات زعامته مع كثرة الأكفاء حوله، وليس بتغييبهم ليبدو كبيرا مهما صغرت قامته في كرسي الزعامة، والقادر على توظيف الطاقات والإمكانات الذاتية لشعبه وفي بلده لتحقيق أهداف الشعب ومصلحة البلاد، وليس لشراء ولاءات أو كسب تأييد دولي، واستئصال المعارضين سجنا وقتلا وتشريدا وتحجيما.

 

ولا تُقاس قوّة الزعامة بحدوث "فراغ سياسي" بعد غياب "زعيم أوحد" إنّما يقع ذلك هذه الأيّام نتيجة الخلط ما بين الزعيم والمتسلّط، وبين القائد والمستبدّ، وبين إرادة الشعوب وزيف الانتخابات والاستفتاءات.

 

وهو يقع نتيجة وصول الانحراف بكثير من الأصوات الفكرية والإعلامية، عن طريق التوعية، إلى طريق تعميم النظرة عن "صلاح" المتسلّطين بمقياس المقارنة بين من يتقهقر ببطء ومن يتقهقر بسرعة على منحدر التسليم تجاه عدوّ، ومن يصرّح متبجّحا بالتبعية ويمارسها ومن يمارسها ولا يصرّح بها متبجّحا، وبين من يعيد أو لا يعيد "قسطا" ممّا سبق أن اغتصبه وانتهكه دون حقّ من حقوق وحرياتٍ في بلده، وكأنّ أهله إماء وعبيد له له حق السيادة، ليمنّ عليهم بالقليل أو بالكثير من الحريات، على حسب الدرجة التي يقرّر هو –بمنظار استبداده العقلاني- أنهم بلغوها من مستوى الرشد والتعقّل!!.

 

"
للخطوة الأولى على هذا الإصلاح شرطان متلازمان أولهما الرفض المطلق لما تعمل على فرضه قوى التسلط وثانيهما المطالبة بإصرار لا ينقطع بالتغيير بكل أبعاده وفي سائر ميادينه
"
ومقابل ذلك غابت المقارنة الواجبة ما بين إنجازات حقيقية، على طريق تحرير الإرادة والأرض والثروات الذاتية من استغلال خارجي أو داخلي، أو توحيد أي ميدان من ميادين الصناعة والزراعة والبناء والنقد والتعليم فضلا عن مناهج الحكم والسياسة، أو ترسيخ معطيات البحث العلمي والتقني وصناعة أسباب التقدّم والرقيّ.. بدلا من مسيرة الارتباطات الأجنبيّة التبعيّة وغير التبعية، والنزاعات الحدودية وغير الحدودية، وسياسات الاستهلاك والتغريب (حتّى اللغوي) وتشريد العقول الوطنية وتوطين الخبرة الأجنبية، وتضخّم الأجهزة "الأمنية" والانحراف بالقوّات العسكرية.

 

إنّ هذه المعطيات –إلى جانب موبقات الاستبداد والاحتلال الأخرى- هي نقطة البداية للإصلاح، وليس إجراء انتخابات واستفتاءات على أسس فاسدة.

 

وللخطوة الأولى على هذا الطريق شرطان متلازمان، أوّلهما الرفض المطلق لما تعمل على فرضه قوّة التسلّط، وثانيهما المطالبة بإصرار لا ينقطع بالتغيير بكلّ أبعاده وفي سائر ميادينه.

 

فإذا اجتمع ما يكفي من الأصوات والجهود على ذلك، اكتسبت قوّةَ تيّار ذاتي، يصنع التغيير، كما تشهد على ذلك أحداث التاريخ القديم والمعاصر، على صعيد الأمّة العربية والإسلامية، وعلى صعيد سائر الأمم الأخرى.

____________________

كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة