تجريم دولي للاستيطان الإسرائيلي   
الخميس 1433/5/21 هـ - الموافق 12/4/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:06 (مكة المكرمة)، 11:06 (غرينتش)
نبيل السهلي



إمكانية نجاح المعركة القانونية ضد الاستيطان

المستوطنات في بعدها الديموغرافي
تفكيك المستوطنات وليس تجميدها

بعد النجاح الدبلوماسي الجزئي الذي حققه الفلسطينيون من خلال قبول فلسطين عضوا كامل العضوية في اليونسكو قبل عدة أشهر, أصدر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قرارا في نهاية مارس/آذار المنصرم يقضي بإجراء تحقيق في الانتهاكات الإسرائيلية الناتجة عن الاستيطان على حقوق الفلسطينيين، وهو ما لاقى ترحيبا فلسطينيا وتأييدا عالميا بلغ حد موافقة 36 دولة من أعضاء المجلس الحقوقي الأممي، في المقابل أبدت إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية معارضتهما الشديدة لصدور مشروع القرار، وهذا ما انعكس في التصريحات التي تلت الموافقة على القرار المذكور.
 
وفي الوقت الذي علقت فيه إسرائيل المشاركة في مجلس حقوق الإنسان ردا على قرار المؤسسة الدولية المذكورة، قرر الفلسطينيون التوجه إلى مجلس الأمن الدولي لدعوته إلى تشكيل لجنة تقصي حقائق في أمر المستوطنات باعتبار النشاطات الاستيطانية تشكل جريمة حرب وفقا لاتفاقيات جنيف الرابعة للعام 1949 وللمادة الثامنة لمحكمة الجنايات الدولية التي تنص علي أن الاستيطان جريمة حرب.

ويسعى الفلسطينيون من وراء نشاطهم الدبلوماسي ببعده القانوني إلى محاولة الانضمام إلى المؤسسات الأممية المختلفة إلى تجريم إسرائيل في نهاية المطاف، ومثولها وانصياعها للشرعية الدولية ولقرارات الهيئات المختصة في الأمم المتحدة.

إمكانية نجاح المعركة القانونية ضد الاستيطان
بعد زيادة الوعي الشعبي في عدد كبير من دول العالم حول عنصرية إسرائيل وفاشيتها، فضلا عن انتشار منظمات المجتمع بشكل ملموس في العقدين الأخيرين، يمكن للعرب وفي المقدمة منهم الفلسطينيون خوض معركة دبلوماسية قانونية ضد الممارسات والسياسات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، وقد يكون من باب أولى العمل على تهيئة ظروف مناسبة وآليات مدروسة، والأخذ بعين الاعتبار بأن النشاط الاستيطاني عمل غير قانوني وفق غالبية الدول في العالم على المستوى الرسمي والشعبي.

من القرارات الدولية التي يمكن الاستناد إليها في المعركة ضد الاستيطان القرار رقم 446 للعام 1979 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، الذي يؤكد أن الاستيطان ونقل السكان الإسرائيليين للأراضي الفلسطينية غير شرعي

وقد يعزز قرار مجلس حقوق الإنسان الذي يجرم الاستيطان والصادر في مارس/آذار المنصرم التوجه المذكور. ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أنه يمكن الاعتماد على قرارات الشرعية الدولية إزاء المعلم الأساسي للاحتلال، أي المستوطنات الإسرائيلية، حيث نصت القوانين الدولية على حماية حقوق المواطنين في أرضهم الواقعة تحت الاحتلال، فميثاق جنيف المدني للعام 1949 يشير في مادته (49) الفقرة السادسة إلى أن "القوة المحتلة لا يجب أن تنقل أو تحول جزءا من سكانها إلى الأراضي التي احتلتها".

ومن القرارات الدولية التي يمكن الاستناد إليها في المعركة ضد الاستيطان ؛القرار رقم 446 لسنة 1979 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، حيث أكد أن الاستيطان ونقل السكان الإسرائيليين للأراضي الفلسطينية غير شرعي، والقرار رقم 452 للعام 1979 ويقضي بوقف الاستيطان حتى في مدينة القدس وبعدم الاعتراف بضمها إلى الكيان الصهيوني. وكذلك القرار رقم 465 لسنة 1980 الذي دعا إلى تفكيك المستوطنات الإسرائيلية بكونها من مفرزات الاحتلال الإسرائيلي.

وأخيرا القرار رقم 478 للعام 1980 الذي تؤكد نقاطه على القرارات السابقة. وهناك قرارات أخرى صادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة تجرم الاستيطان الإسرائيلي ويمكن الاستناد إليها في إطار المعركة ضد الاستيطان الإسرائيلي، ومن أهمها:
- القرار رقم 2851 لسنة 1977.
- القرار رقم 42/160 لسنة 1987.
- القرار رقم 44/48 لسنة 1989.
- القرار رقم 45/74 لسنة 1990.
- القرار رقم 46/47 لسنة 1991.

وتبعاً لمجموعة القرارات الدولية المشار إليها يعدر النشاط الاستيطاني وعملية مصادرة الأراضي وضمها وبناء المستوطنات الإسرائيلية عليها في الضفة الغربية بما فيها القدس متعارضة ومنافية للشرعية الدولية، وكذلك لنص المادة (47) من ميثاق جنيف، فضلا عن تعارض النشاطات الاستيطانية وعملية الإحلال الديموغرافي في الأراضي الفلسطينية المحتلة لأبسط قواعد القانون الدولي خاصة لاتفاقية لاهاي الموقعة في العام 1907 واللوائح الملحقة بها التي تؤكد بمجملها على ضرورة حماية مصالح الشعب تحت الاحتلال.

وهذا ما ينطبق على سكان الضفة الغربية (3.2) ملايين فلسطيني بمن فيهم (310) عرب مقدسيين. والملاحظ أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ العام 1967 وصولا حتى العام 2012 لم تكتف بنقض القوانين الدولية المذكورة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، حين قامت بالسيطرة على الأراضي الخاصة في الضفة الغربية التي نصت المواثيق الدولية على حمايتها ابتداء من ميثاق العام 1907 إلى ميثاق جنيف للعام 1949، حيث أشير فيهما إلى منع عمليات مصادرة الأراضي الخاصة كليا، والاستثناء الوحيد لأسباب أمنية، وحتى في هذه الحالة لا يجوز مصادرة الأراضي، بل يسمح بالسيطرة المؤقتة عليها، بخلاف النقض الفاضح الذي تقوم به السلطات الإسرائيلية بإقامة مبان سكنية دائمة لإسكان مهاجرين يهود، ونقصد هنا المستوطنات الجاثمة على أراضي الفلسطينيين بعد تهجيرهم داخليا أو إلى خارج فلسطين.

المستوطنات في بعدها الديموغرافي
ثمة أهداف كامنة من وراء مصادرة المؤسسة الإسرائيلية لأراضي العرب الفلسطينيين وبناء المستوطنات الإسرائيلية عليها، وفي مقدمة تلك الأهداف طرد أكبر عدد من العرب خارج أرضهم، والقيام بعملية إحلال ديموغرافي لمزيد من المهاجرين اليهود ليصبحوا أمرا واقعا يصعب الانفكاك عنه.

تشير الدراسات إلى أن النشاطات الاستيطانية الإسرائيلية منذ عام 1967 وحتى بداية عام 2012 أدت إلى بناء 151 مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية تستحوذ على 350 ألف مستوطن إسرائيلي

وفي هذا السياق تشير الدراسات إلى أن النشاطات الاستيطانية الإسرائيلية منذ العام 1967 وحتى بداية العام 2012 أدت إلى بناء (151) مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية تستحوذ على (350) ألف مستوطن إسرائيلي، ناهيك عن 26 مستوطنة تلف القدس بطوقين من المستوطنات، ويتركز فيها أكثر من 180 ألف مستوطن إسرائيلي.

وقد صادرت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أكثر من 40% من مساحة الضفة الغربية البالغة 5800 كيلومتر مربع لمصلحة إنشاء المستوطنات والطرق الالتفافية التي تربط بينها، ناهيك عن سيطرة إسرائيلية على أكثر من 80% من مساحة مدينة القدس.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الجدار العازل -الذي سيصل طوله إلى (720) كيلومتر وسيلتهم نحو 42 % من مساحة الضفة الغربية- يعد هو الآخر من أكبر النشاطات الاستيطانية الإسرائيلية غير الشرعية في عمق الضفة الغربية. وقد أكدت ذلك هيئات دولية عديدة في مقدمتها محكمة العدل الدولية التي استصدرت قرارا يعد الجدار عملا إسرائيليا غير شرعي، وهو بذلك مناف للقوانين الدولية.

في مواجهة القوانين الدولية التي تؤكد عدم شرعية النشاطات الاستيطانية اتبعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ العام 1967 سياسات محددة للإطباق على الأرض الفلسطينية وشرعنه بناء المستوطنات عليها.

فقد استصدرت السلطات الإسرائيلية الأمر العسكري رقم (10) الصادر في يوليو/تموز من عام 1967 والذي تمت من خلاله سيطرة إسرائيل بشكل مباشر على أملاك الغائبين، ونقصد هنا نازحي العام 1967، واستحدثت حارسا لأملاك الغائبين، ومنع بيع أو تأجير تلك الأملاك دون موافقة السلطات والمؤسسات الإسرائيلية، وفق القرار الإسرائيلي رقم (58).

ويلحظ المتابع للنشاطات الاستيطانية الإسرائيلية، أن حكومة نتنياهو تسعى إلى فرض وقائع استيطانية خاصة في مدينة القدس، وذلك من أجل ترسيخ فكرة يهودية الدولة على أكبر مساحة من الأرض الفلسطينية.

تفكيك المستوطنات وليس تجميدها
بناء على قرارات المنظمات الدولية وآخرها قرار مجلس حقوق الإنسان الذي أشار إلى أن استمرار الاستيطان الإسرائيلي هو انتهاك للقانون الدولي بما في ذلك توسيع المستوطنات ومصادرة الأراضي وهدم المنازل والممتلكات الفلسطينية وطرد الفلسطينيين وشق الطرق الالتفافية لتغيير الطابع العمراني والتكوين الديموغرافي للأراضي المحتلة بما فيها القدس الشرقية، فضلا عن كون الاستيطان يشكل انتهاكا لاتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب, بات الأمر يتطلب تبني خطاب سياسي فلسطيني جديد يطالب بتفكيك المستوطنات وليس تجميدها، خاصة أن القرارات الدولية تؤكد أن المستوطنات تمثل عقبة رئيسة أمام تحقيق السلام العادل والشامل وإنشاء الدولة الفلسطينية القابلة للحياة ذات السيادة على الأرض والموارد الطبيعية في الوقت نفسه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة