الإسلاميون والثورة المصرية   
الأربعاء 17/2/1433 هـ - الموافق 11/1/2012 م (آخر تحديث) الساعة 10:28 (مكة المكرمة)، 7:28 (غرينتش)
عبد الفتاح ماضي

 
حصول حزبيْ "الحرية والعدالة" و"النور" على جزء كبير من ثقة الناخبين في المراحل الثلاث (الأولى والثانية والثالثة) يحتم على كافة الإسلاميين التفكير جليا في أمور ثلاثة: دور الإسلاميين في الحياة السياسية، والمخاوف التي يبديها الكثير من القوى السياسية من الإسلاميين، وموقف الإسلاميين من الديمقراطية كنظام سياسي.
 
الدور السياسي للإسلاميين
أتصور أن هدف دمج التيار الإسلامي في الحياة السياسية بعد الثورة يتطلب إدراك ما يلي: 
 
أولا: إن الهدف الذي لابد من أن يُجمع عليه المصريون، إسلاميين وغير إسلاميين، في هذه اللحظة التاريخية هو بناء مصر القوية في كافة المجالات، وعلى الأخص: النظام السياسي وحماية الحريات والتعددية والقضاء المستقل، الاقتصاد الوطني وما يرتبط به من صناعة وزراعة ومواصلات وخدمات، والهُوية العربية والإسلامية وما يتصل بها من تعليم وثقافة وإعلام وغيرها.
 
الأولوية لابد من أن تعطى لهذه الأمور الملموسة التي تخلق إنسانا مصريا جديدا، وتحافظ على كرامته، وتمكنه من التصدي للقضايا الكبرى لاحقا. أما وضع القضايا الكبرى على الأجندة الوطنية الآن فسيؤدي إلى اختلاف القوى السياسية وانقسام الشارع، كما أن حسم هذه القضايا يحتاج إلى أوضاع مواتية من الناحيتين السياسية والاقتصادية، ومن ناحية مكانة مصر بين الدول.
 
"
كان على الإسلاميين في ظل النظام السابق واجب النضال من أجل حريتهم، أما الآن فواجبهم أهم وأخطر، إذ عليهم أن يُسهموا مع القوى الوطنية الأخرى في التصدي لمهمة بناء مصر ووضعها على طريق النهضة
"
ثانيا: كان على الإسلاميين في ظل النظام السابق واجب النضال من أجل حريتهم، أما الآن فواجبهم أهم وأخطر، إذ عليهم أن يُسهموا مع القوى الوطنية الأخرى في التصدي لمهمة بناء مصر ووضعها على الطريق المؤدي إلى نهضتها، دون تصور أنه يجب عليهم الانفراد بهذه المهمة، ودون إعادة إنتاج ممارسات النظام البائد من إقصاء واستعلاء وتضخيم للذات. أخطاء التيار الإسلامي في السابق كانت تعود عليهم هم فقط في معظم الحالات، أما أخطاؤه الآن فستعود على مصر كلها، بل وستنعكس على الدول العربية، فالوضع الجيوسياسي لمصر يحتم عليها التأثير في محيطها العربي والأفريقي. على وإسلاميي مصر تقديم نموذج إيجابي يحتذى به في دول الجوار. 
 
ثالثا: يجب ألا يتصور الإسلاميون أن برامجهم هي فقط التي ستحقق مصالح مصر والمصريين. فقبول العمل السياسي العام في أيامنا معناه أن الجميع يتنافسون من أجل تحقيق المصلحة العامة للمصريين، على اختلاف مرجعياتهم الفكرية والسياسية. والتنافس يعني أن هناك تعددا في الرؤى والبرامج والوسائل، وأن الحقيقة المطلقة لا يمتلكها أي تيار بما في ذلك التيار الإسلامي.
 
والمعيار الحاكم في المستقبل هو مدى واقعية برامج الإسلاميين، وغير الإسلاميين، ومدى قدرتها فعلا على تحقيق المصلحة العامة، والممارسة وحدها هي التي ستحكم بين هذه البرامج.
 
على الإسلاميين الانفتاح على الجميع والتواصل معهم، وبناء جسور من الثقة والتعاون والدخول في تحالفات وائتلافات على أرضية واحدة مشتركة هي المصلحة العامة لمصر والمصريين، وعليهم اختيار المعاونين والمسؤولين على أساس معيار الكفاءة والخبرة فقط، بغض النظر عن انتمائهم للتيار الإسلامي أم لا.

رابعا: على الإسلاميين التوقف عن تصور أن مواقف التيار الإسلامي هي المواقف الصحيحة على طول الخط لأنها تمثل الإسلام أو مستمدة منه، فبرامج الأحزاب الإسلامية برامج بشرية تعكس فهْم قطاع من المسلمين لمرجعيتهم الإسلامية، ولا تعني الإسلام ذاته، وبالتالي يجب -كما كتبت من قبل- ألا يتصور أي فريق إسلامي أنه يقدم لمصر الإسلام في شكل برامج سياسية، وإنما هو يقدم لهم برامج سياسية مستمدة من فهم هذا الفريق للقرآن والسنة.
 
هذا بجانب أن هناك حركات سياسية محسوبة على التيار الإسلامي فشلت خارج مصر، كما أن تحركات بعض الإسلاميين في مصر شابها الكثير من أوجه القصور والخطأ قبل وبعد ثورة 25 يناير. 
 
خامسا: لا يمكن الاستمرار في الاعتماد على خطاب الهوية والدفاع عن الإسلام في الحصول على الأصوات في الانتخابات وفي الحشد والتعبئة. ولا يمكن اختزال الصراع السياسي في صراع حول الهوية، وإنما ينبغي أن يكون الصراع حول البرامج السياسية وسبل مواجهة مشكلات المجتمع. وبدون هذا فقد تواجه أحزاب هذا التيار ذات الإشكالية التي واجهتها الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا عندما تراجع الدافع الديني وتراجعت معه الأصوات.
 
سادسا: مجالات العمل العام وخدمة المصلحة العامة في مصر بعد الثورة لا تنحصر في المجال السياسي فقط. فبعد أن انكسرت القيود، فتحت الأبواب أمام كل أوجه العمل الخيري والدعوي والمجتمعي بشكل عام. ولهذا أتصور أن الباب لابد من أن يفتح لمبادرات وتحركات وطنية يشرف عليها هذا التيار بمفرده، أو بالتعاون مع غيره من التيارات ومن رجال أعمال شرفاء ومؤسسات الدولة وغيرها.

المخاوف من الإسلاميين
يواجه التيار الإسلامي إشكالية ثانية هي المخاوف التي عبر عنها البعض من نتائج الانتخابات، ولهذا على العقلاء داخل هذا التيار وخارجه التدبر في هذه المخاوف ومعالجتها بحكمة:  
 
أولا: الخطاب الملتبس لبعض قادة هذا التيار. فبينما يحرص البعض على الخطاب التوافقي المُطمْئِن، ينزلق البعض الآخر إلى التحدث عن قضايا كبرى أو خلافية بين الحين والآخر. مصر تعاني من مشكلات الفقر والبطالة وتدهور الصحة والتعليم وارتفاع الديْن الداخلي والخارجي وانهيار الأخلاق، ناهيك عن استهداف قوى إقليمية ودولية، ومن هنا فالسياسة والحكمة وأولويات المرحلة واحتياجات الناس تقتضي جميعها أن يتوقف الخطاب السياسي للإسلاميين عن إثارة أي قضايا خلافية الآن، والتفرغ نهائيا لمعالجة تلك المشكلات.
 
"
السياسة والحكمة وأولويات المرحلة واحتياجات الناس تقتضي جميعها أن يتوقف الخطاب السياسي للإسلاميين عن إثارة أي قضايا خلافية الآن، والتفرغ نهائيا لمعالجة المشكلات الكبرى
"
ثانيا: بعض النماذج الفاشلة للإسلاميين في دول مثل السودان والجزائر وأفغانستان وباكستان تدفع الكثيرين إلى التشكيك في قدرتهم على وضع برامج إصلاحية حقيقية. ومواجهة هذه الإشكالية تتطلب قيام التيار الإسلامي بتحديد مواقفه بشكل واضح لصالح الدولة الديمقراطية بمبادئها المتعارف عليها التي لا مكان فيها للإقصاء ولا للانفراد بعملية صنع القوانين.
 
والبرامج السياسية لابد من أن تبدأ الآن من مطالب الثورة ومشكلات المجتمع وتنتهي عندها. وعلى الأحزاب الإسلامية طرح برامج سياسية تشتبك مع الواقع المعاش، وعليهم اختبار مقولاتهم النقدية في الواقع المعاش والكف عن الحديث عن الخير والشر.
 
ثالثا: الخوف من انفراد الإسلاميين بوضع الدستور وفرض مواد دستورية بدون التوافق مع الآخرين في البرلمان. الحل هو في التأكيد على أن الدستور لا يوضع بالأغلبية في البرلمان، وإنما بالتوافق بين جميع القوى السياسية والمجتمعية، والتأكيد أيضا على التوافق مع بقية القوى السياسية على معايير عامة لاختيار أعضاء لجنة وضع الدستور، بما يحقق التمثيل المنصف ويُطمئن كافة القوى السياسية بلا استثناء.
 
رابعا: غياب التوافق الوطني العام بين قوى الثورة، والوقوع في الفخاخ التي تقوم بها جهات داخلية وخارجية وإعلامية بغرض زرع استقطاب سياسي وإيديولوجي بين القوى السياسية الإسلامية والليبرالية واليسارية لإجهاض الثورة بالتدريج.
 
لمعالجة هذا الأمر يجب أن تعاود القوى الإسلامية الالتحام بقوى الثورة، والتوافق معهم على مطالب موحدة ومسار واحد لما تبقى من المرحلة الانتقالية. عليهم أخذ زمام المبادرة والتقرب من الآخر والعمل على خلق مظلة وطنية جامعة لكافة القوى الوطنية، بل وتشكيل حكومة وحدة وطنية واسعة في السنوات الخمس القادمة.

علاقة الإسلاميين بالديمقراطية
وأخيرا، لا تزال مواقف جناح من التيار الإسلامي في مصر ملتبسة في شأن الديمقراطية:
 
أولا: يرى البعض داخل هذا التيار -لا سيما على مستوى القاعدة- أن لا حاجة للديمقراطية إذا ما طُبق الإسلام وحكمت الشريعة. هؤلاء يقارنون بين الإسلام والديمقراطية، وهذا أمر غير دقيق، فالإسلام دين شامل به أحكام في العقيدة والعبادات والمعاملات بما في ذلك الشأن السياسي، أما الديمقراطية فنظام لإدارة الشأن السياسي ومنهج لاختيار الحكام ومحاسبتهم وآلية لصنع القرار. ولهذا فالأصوب أن نفهم موقف الإسلاميين (أي الذين يستندون إلى مرجعية فكرية مستمدة من الإسلام) من الديمقراطية.
 
ثانيا: هناك فهم عام صحيح قوامه أن الإسلام يضع الأحكام الإلهية الثابتة والمرجعات العليا والمبادئ الأساسية، تاركًا للمسلمين -على اختلاف لغاتهم وأعراقهم وعاداتهم- واجب (وليس مجرد حق) إنزال تلك الأحكام على الواقع المختلف باختلاف الزمان والمكان، ووضع الأنظمة التي تكفل تطبيق تلك المبادئ والمرجعيات.
 
بمعنى ليس من الدقة القول إن في الإسلام نظاما سياسيا، وإنما الأدق هو أن نقول إن في الإسلام مَعيناً لا ينضب هو الشريعة التي تصلح للاستناد إليها في وضع المرجعية العامة لأي نظام سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي.
 
وهذه الأنظمة قابلة دوما للتغيير بتغير الزمان والمكان، بل وفهمنا للشريعة متغير بتغير الزمان والمكان. وبالطبع يمكن وصف ما نضعه من أنظمة بوصف "الإسلامية"، إلا أن الطبيعة البشرية والمتغيرة لهذه الأنظمة وقابليتها للحكم عليها بالصواب أو الخطأ يجب أن تدفعنا -في اعتقادي- لتجنب وصفها بالإسلامية، فالخطأ سيعود في الأغلب للإسلام ذاته.
   
"
من الإسلاميين من يهتم بعيوب الديمقراطية في الغرب دون بذل الجهد لتقديم البديل، أو إعمال العقول لتقديم المقاربات اللازمة للمواءمة بين أوضاعهم المحلية وبين الديمقراطية
"
ثالثا: هناك مشكلة أخرى هي أن من الإسلاميين من يهتم بعيوب الديمقراطية في الغرب دون بذل الجهد لتقديم البديل، أو إعمال العقول لتقديم المقاربات اللازمة للمواءمة بين أوضاعهم المحلية وبين الديمقراطية.
 
خطورة هذا الخطاب هو أنه يزرع في الناس اعتقادا خاطئا بأن الديمقراطية ليست من الإسلام في شيء، ويوهمهم بوجود بديل جاهز هو النظام السياسي الإسلامي.
 
إن الاكتفاء بالقول إن الحل هو العودة للإسلام فيه تخدير لعقول الناس التي أمرها الله عز وجل أن تبدع في وضع الأنظمة التي تنزل الأحكام الإلهية الثابتة على الواقع المتغير زمانا ومكانا، أو أن تقتبس من الآخرين بما لا يتعارض مع ثوابت الإسلام..
ما لا يفعله جناح من إسلاميي مصر هو عملية المواءمة بين متطلبات ومرجعيات مجتمعاتهم وبين الديمقراطية، دون تسفيه الديمقراطية أو الترويج لها على غير حقيقتها.
 
هذه المواءمة قام بها آخرون، إسلاميون وغير إسلاميين، في جنوب آسيا وأميركا اللاتينية وتركيا وماليزيا وغيرها. ويكفي هنا الاطلاع على المواءمات التي أنتجت الدساتير والأنظمة والقوانين الانتخابية في أميركا اللاتينية والهند، أو على فهم رؤية محاضر محمد وأنور إبراهيم في ماليزيا، أو أردوغان وأوغلوا في تركيا، في شأن العلاقة بين الإسلام والديمقراطية. هذه المواءمات ليست نقلا مباشرا من الغرب كما يتوهم البعض، وإنما هي نتاج لإعمال العقل وأخذ لما يوافق مجتمعاتهم والإضافة عليه.
 
وأخيرا، يجب القول إن الثورة غيرت الكثير من الأمور، وكسرت حاجز الخوف لدى الجميع، والحالة الثورية في الميادين ما زالت حية، والقدرة على الحشد مرتفعة، وأي أخطاء من الإسلاميين ستتبعها تعبئة في الميادين من أطراف مختلفة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة