تفاوض الأميركان مع المقاومة العراقية   
السبت 1430/8/9 هـ - الموافق 1/8/2009 م (آخر تحديث) الساعة 21:59 (مكة المكرمة)، 18:59 (غرينتش)
ياسر الزعاترة


من الواضح أن بعض دبلوماسيي حكومة أردوغان قد تخصصوا في الآونة الأخيرة في فتح قنوات اتصال بين بعض الحركات الإسلامية (المقاومة منها على وجه الخصوص) والإدارة الأميركية وبعض العواصم الغربية.

وبالطبع في سياق من استغلال المكانة التي احتلتها تركيا في الأوساط الإسلامية إثر سلسلة من المواقف ذات البعد الإعلامي (الموقف من حرب غزة، موقف أردوغان في دافوس، موقفه الأخير من أحداث تركستان الشرقية)، فضلا عن المكانة التي احتلتها تجربة حزب العدالة والتنمية في وعي كثير من رموز الحركات الإسلامية "المعتدلين" رغم الفارق الكبير بين الحالة التركية والحالة العربية، وهو فارق لا تجبره أي تنازلات أيديولوجية أو سياسية، وبالطبع لأن المعضلة مع النظام العربي لا علاقة لها بالأيديولوجيا بل بالمعارضة التي لن يتغير الموقف منها حتى لو كانت تدعو إلى أكثر البرامج علمانية وحربا على الدين.

"
واجب الوقت الأكثر أهمية بالنسبة لإدارة أوباما هو الخروج من مستنقعات جورج بوش بأفضل المكاسب، وعلى رأسها العراق وأفغانستان (باكستان دخلت على الخط)، وكذلك الصومال، إلى جانب خدمة الإسرائيليين بترتيب أوراق الملف الفلسطيني
"
لا نفترض سوء النوايا في هذه اللعبة، إذ لا نستبعد اعتقاد القوم بأنهم يخدمون الفكرة الإسلامية بما يفعلون، والأرجح أننا إزاء صفقة غير مكتوبة بين حكومة أنقرة وواشنطن خلاصتها سكوت الأميركان والغرب على مواقف قوية لأردوغان تفيده شعبيا في الداخل، مقابل مساهمته في تدجين بعض قوى المقاومة في ظل حاجة واشنطن لإسكات أصوات الرصاص المنطلق نحوها من أكثر من جبهة.

والحال أن هذه الإستراتيجية الجديدة للإدارة الأميركية هي محل إجماع في الأوساط السياسية والعسكرية والأمنية، والأرجح أنه حتى لو فاز جون ماكين لكان اعتمدها، بدليل بقاء وزير الدفاع في منصبه وعدد من الجنرالات ذوي الصلة بالملفات الساخنة.

والخلاصة أن واجب الوقت الأكثر أهمية بالنسبة لإدارة أوباما هو الخروج من مستنقعات جورج بوش بأفضل المكاسب، وعلى رأسها العراق وأفغانستان (باكستان دخلت على الخط)، وكذلك الصومال، إلى جانب خدمة الإسرائيليين بترتيب أوراق الملف الفلسطيني، مع العلم أن جزءا من جهود التسوية إنما تتم بهدف دفع الأنظمة العربية نحو التعاون مع واشنطن في الملفات الأخرى.

في السياق الفلسطيني يبدو أن أنقرة قد ساهمت في ترتيب اتصالات أميركية غربية من أوزان شتى مع حركة حماس أسفرت عن كلام موارب للحركة فيما يتعلق بالتسوية، بينما لم نسمع عن شيء يخص أفغانستان التي يبدو أن أمرها قد أوكل لبعض الأنظمة العربية، من دون استبعاد محاولات تركية قائمة أو قادمة.

أما في العراق، وهو ما يعنينا في هذه السطور، فكان أن رتبت لقاءات سماها البعض مفاوضات بين المجلس السياسي للمقاومة العراقية ودبلوماسيين أميركيين لم نعرف وزنهم إلى الآن، وكان أن تم الكشف عن تلك الاتصالات من قبل الناطق باسم المجلس (علي الجبوري) الذي أعلن عن نفسه للمرة الأولى في برنامج "بلا حدود" على فضائية الجزيرة.

الأميركان أكدوا بدورهم تلك الاتصالات بعد تردد، في حين بالغ الجبوري في دلالاتها وأهميتها وشروطها، لكأن أميركا في حالة استسلام تضطرها لتقديم الكثير لممثلي المقاومة، مع العلم أن المجلس السياسي لا يمثل جميع الفصائل، إذ نعلم أن مجموعة أخرى منها لا تقل أهمية وتأثيرا قد سلمت مفاتيحها للشيخ حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين، وهذه الأخيرة وجهت انتقادات شديدة لتصريحات الجبوري في لقاء الجزيرة، معتبرة أن الأصل هو تصعيد المقاومة ضد المحتلين وليس التفاوض معهم، فيما كان متوقعا أن يرد الطرف الآخر بالقول إنه لا معنى لقصة التخويل إياها سوى أن أصحابها جاهزون للتفاوض وينتظرون الإشارة.

ولا ننسى أيضا أن هناك وجودا محدودا لبعض الفصائل البعثية، لكن الأهم هو ثقل القاعدة التي يصعب حصر نشاطها فقط في استهداف المدنيين، إذ إن عمليات مؤثرة ضد جنود الاحتلال تكون بتوقيعها أيضا، مع الإقرار بأن قوتها قد تراجعت تراجعا ملحوظا خلال العامين الماضيين لأسباب لا داعي لاستعادتها هنا. ولا شك أن التنظيم ستكون له مواقف ذات نفس تخويني ضد ما فعله المجلس السياسي.

"
من الطبيعي أن تصاب حكومة المالكي والقوى المشاركة فيها بالذعر من أي اتصالات يجريها الأميركان مع قوى المقاومة العراقية، لا سيما أنها جميعا تصنف ضمن دائرة الإرهابيين والصدّاميين
"
الأهم من ذلك كله هو ما يتعلق بردة فعل الحكومة العراقية والقوى التي تشارك فيها، إذ وصف المالكي المجلس السياسي وعموم المقاومين العراقيين بالقتلة أثناء زيارته لواشنطن، الأمر الذي بدا مثيرا للسخرية في واقع الحال، فيما أهال التراب على سائر دعوات المصالحة التي أطلقها المالكي في محاولة منه لتقديم نفسه زعيما عابرا للطوائف، وكان الأكثر إثارة في السياق هو الحديث للأميركان عن الذين قتلوا جنودهم (هذه العمليات يراها حتى الأميركان مقاومة)، والذين قتلوا العراقيين من عسكريين ومدنيين.

من الطبيعي أن تصاب حكومة المالكي والقوى المشاركة فيها بالذعر من أي اتصالات يجريها الأميركان مع قوى المقاومة العراقية، لاسيما أنها جميعا تصنف ضمن دائرة الإرهابيين والصدّاميين، الأمر الذي يثير مخاوف تبدأ بإمكانية تغيير شكل ونسب المحاصصة الموجودة، ولا تنتهي بإمكانية ترتيب انقلاب لعسكريين من العرب السنّة يستعيد الجيش السابق، ومعها أيام صدام حسين ضمن صفقة تحفظ المصالح الأميركية بدل استمرار الارتهان لحلفاء إيران في العراق.

هذا البعد هو ما يلعب عليه الأميركان بقوة، وهم سيستخدمون لقاءاتهم مع المجلس السياسي للمقاومة العراقية في ابتزاز حكومة المالكي والمشاركين فيها، ليس في سياق مساعي إبعادهم عن إيران فحسب، بل في سياق تقديم تنازلات تحفظ لواشنطن مصالحها في عراق المستقبل.

هنا ينبغي القول إن تطبيق الجزء الأول من برنامج الانسحاب ممثلا في سحب الجنود من المدن لا يعني بحال أن الأجزاء التالية ستتم وفق ذات الروحية، والأرجح أن يعتمد ذلك على تطورات الأوضاع، ولا يستبعد أن يلجأ الأميركان إذا تبدلت الظروف إلى صيغة جديدة أكثر وفاء لمصالحهم، وأكثر قدرة على إخراجهم من مأزق الفشل الذريع.

الأرجح أن الرسالة قد وصلت المالكي وشركاءه، ولذلك فهم سيشرعون في تقديم التنازلات لواشنطن، ونعلم أن مجرد التفكير في احتمال تهديد امتيازاتهم التي حصلوا عليها بعد الاحتلال، كأفراد وكطائفة، تصيبهم بالجنون، وتلغي في عقولهم سائر أشكال المبادئ أيا كانت.

بالنسبة لواشنطن، فيرجح أن تكتفي بإبقاء خيط اتصالات مع قوى المقاومة العراقية وسيلة ابتزاز للقوى الشيعية لن تكلفها سوى المزيد من اللقاءات والابتسامات بحضور الراعي التركي، ولا يستبعد أن يصار إلى فتح قنوات أخرى مع مجموعة البعثيين وسواهم، بمن في ذلك الشيخ الضاري إذا وافق على ذلك.

من الواضح أن جماعة المجلس ومن يقدمون لهم النصائح لا يريدون أن يدركوا أن قدرة واشنطن على ابتزاز المالكي من خلالهم، لا تعني بالضرورة قدرتها على قلب الطاولة في وجهه ووجه حلفائه حتى لو رغبت في ذلك، وهي راغبة بالفعل، والسبب هو قدرة القوى الشيعية وبدعم إيراني على ترتيب انتفاضة شعبية (سلمية وعسكرية) في وجه المحتلين على نحو قد يكلفهم هزيمة كبيرة، ولن يحتاج الأمر أكثر من فتوى مشتركة من المراجع الكبار وعلى رأسهم السيستاني، ومن بينهم مقتدى الصدر تؤسس لعصيان مدني وموجة مقاومة ستشارك فيها على الأرجح الأجهزة الأمنية الجديدة، والجيش العراقي (الجديد أيضا).

ثمة مسار ممكن ووارد في الآن نفسه يتمثل في موافقة الأميركان ومعهم المالكي على إدماج قوى المقاومة في العملية السياسية ضمن صيغة لا تتجاوز حصولهم على حصة الآخرين من العرب السنة، ربما مع تعديل طفيف في حال الاضطرار، أما عدا ذلك فهو مستبعد إلى حد كبير. والنتيجة بالنسبة للعرب السنة لن تتغير كثيرا، إذ ستبقى معادلة حشرهم في دائرة الأقلية، ومعها سيطرة الطرف الآخر على المفاصل الأهم في الدولة (الجيش والأجهزة الأمنية).

"
وحدها معادلة عربية إقليمية جديدة تنتج عن تفاهم عربي إيراني تركي هي القادرة على إخراج العراق من دوامة الاحتلال والعنف الأهلي، وهي معادلة لا تلوح مؤشراتها في الأفق القريب مع الأسف الشديد
"
من هنا فإن المسار الأفضل لقوى المقاومة هو تصعيد ضرباتها لقوات الاحتلال على نحو يؤكد لواشنطن أن لا مناص من التفاوض الحقيقي وليس الشكلي معها، في الوقت نفسه الذي يؤكد للمالكي وعصابته أن ثمة قوى يستحيل تهميشها بأي حال، ولا من التنازل لها من أجل تأمين الاستقرار في البلد، أما الوضع القائم فلا يشكل قوة ضغط حقيقية، الأمر الذي يؤكد أن الاتصالات القائمة هي لون من ألوان ابتزاز القوى الشيعية أكثر من كونها مساعي لتقليل حجم الخسائر الأميركية، وإن حضر هذا البعد بشكل من الأشكال.

إن ما ينبغي التذكير به هنا هو أن الوضع البائس الذي يعيشه العرب السنة في العراق، الذي يحاول المجلس السياسي وآخرون تغييره هو نتاج بؤس سياسات رموزهم وممثليهم، وعلى رأسهم الحزب الإسلامي الذي وافق على حشرهم في دائرة الأقلية حين كان بوسعه الحصول على أكثر من ذلك بقوة المقاومة حتى لو لم يكن له دور فيها، بل كان بوسعه فرض إعادة الجيش السابق في مرحلة من المراحل (رفع شعار أولوية الخطر الإيراني كان جزءا من المشكلة، إذ ساهم في إنتاج "الصحوات" ودفع الكثيرين إلى الحضن الأميركي)، تماما كما هو (أعني الوضع البائس للعرب السنة) نتاج تخاذل الأنظمة العربية الرئيسة (خاصة مصر والسعودية) التي تدعي العمل على مواجهة الطموحات الإيرانية، بينما لم تفعل شيئا على هذا الصعيد، ولذلك فإن تغيير هذه المعادلة لن يكون بالأمر السهل بحال من الأحوال.

وحدها معادلة عربية إقليمية جديدة تنتج عن تفاهم عربي إيراني تركي هي القادرة على إخراج العراق من دوامة الاحتلال والعنف الأهلي، وهي معادلة لا تلوح مؤشراتها في الأفق القريب مع الأسف الشديد، ما يعني أن مستقبل العراق لا زال في دائرة الغموض، أكان في سياق معركته مع الاحتلال، أم الشق المتعلق بمعركته لتسوية أوضاعه الداخلية وصولا إلى بر الأمن والأمان.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة