خيارات البنتاغون في الخليج   
الخميس 1431/5/2 هـ - الموافق 15/4/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:21 (مكة المكرمة)، 13:21 (غرينتش)
عبد الجليل زيد المرهون


أولاً: منظومة الدفاع المضاد للصواريخ
ثانياً: إشكالية الخيار النووي
ثالثاً: إدامة الاحتواء وتعزيز آلياته
رابعاً: إمكانات التعاون بدل الاحتواء

 

أين تتجه إستراتيجية الدفاع الأميركية في الخليج؟ وما هي معالمها الراهنة؟ هل ما زال الاحتواء دليلاً للسياسة الأميركية في هذا الجزء من العالم؟ وأين تكمن المصلحة الحقيقية للولايات المتحدة؟.

أولاً: منظومة الدفاع المضاد للصواريخ
قررت الولايات المتحدة التوسّع في نشر صواريخ اعتراضية، داخل وحول منطقة الخليج العربي. وقد شمل ذلك وضع ثمانية صواريخ باتريوت في أربع دول خليجية، بمعدل صاروخين في كل دولة. وهذه الصواريخ من الجيل الأحدث من باتريوت، وهو (PAC-3).

وكانت واشنطن قد بدأت في الأصل عملية نشر منظومة صواريخ باتريوت في دول الخليج إبان إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن، حيث نشرت في دولتين خليجيتين نماذج قديمة من هذه الصواريخ.

وسبق أن عرض الأميركيون على دول مجلس التعاون الخليجي، منذ  أكتوبر/تشرين الأول 1998، مشروعاً للدفاع الصاروخي. وقد تم ذلك لأول مرة خلال زيارة قام بها للمنطقة وزير الدفاع (حينها) وليام كوهين، حيث عبر عن "رغبة أميركية واضحة" في إقناع هذه الدول بالدخول في برنامج مشترك مع بلاده يهدف لإقامة نظام دفاع جوي إقليمي، مضاد للطائرات وللصواريخ الباليستية.

بيد أن هذا المشروع لم تـُقدر له رؤية النور، لعدة أسباب: أبرزها تفاوت المواقف الخليجية حياله، وتكلفته المالية الكبيرة، التي تتجاوز مبدئياً عشرة مليارات دولار، وخشية بعض الدول الخليجية من أن يكون بداية لمزيد من التوتر في العلاقة مع إيران.

"
الولايات المتحدة قادرة بواسطة أقمارها الصناعية على اكتشاف الصواريخ الإيرانية لحظة انطلاقها، كما أن الرادارات الموجودة على قطعها الحربية في الخليج، وعموم القاطع الشمالي الغربي من المحيط الهندي، يمكنها هي الأخرى رصد هذه الصواريخ
"
بعد ذلك، جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 لتصرف اهتمام الولايات المتحدة إلى قضايا جديدة، وخاصة الحرب في كل من أفغانستان والعراق. وظل الوضع على حاله حتى صيف عام 2006، حين سعت الإدارة الأميركية لإحياء مبادرة الدفاع الصاروخي، عبر برنامج "الحوار الأمني الأميركي/الخليجي".

وجاء التطوّر الأبرز في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2007، عندما دعا وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس دول مجلس التعاون الخليجي إلى عقد مشاورات متعددة الأطراف لإقامة شبكة دفاع مضادة للصواريخ. وأوضح غيتس أن الولايات المتحدة بدأت نقاشاً مع دول في المنطقة بشأن قضايا من قبيل إقامة نظام إنذار مبكر مشترك.

وفي الأصل، كانت الإدارة الأميركية قد طرحت هذا المشروع في سياق جهودها التي بدأت، منذ أوائل ثمانينيات القرن العشرين، لوضع خمسة برامج دفاعية مضادة للصواريخ، كجزء من مشروع دفاع إستراتيجي طرح حينها في الولايات المتحدة، وهدف لإقامة نظم إقليمية للدفاع ضد الصواريخ في خمس مناطق من العالم، رأت واشنطن أن لها مصالح حيوية فيها، وكانت منطقة الخليج واحدة منها.

ووفقاً للتصوّرات الجديدة، التي أعلنت في سبتمبر/أيلول  2009، سوف تنصب على سفن أميركية عائمة، في مناطق مختلفة من العالم، منظومات دفاع جوي من طراز (AEGIS)، وصواريخ اعتراضية من نوع (SM - 3)، ومحطات رادار ذات مستويات متفاوتة. وفي الأصل، فإن منظومة (AEGIS) مخصصة لاعتراض الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى. وهي غير مهيأة لاعتراض الصواريخ الباليستية العابرة للقارات إلا في بداية المسار، وبشرط التواجد بالقرب من نقطة الانطلاق.

وعلى الصعيد الخليجي تحديداً، تحتفظ الولايات المتحدة بطرادات مدرعة، تقوم بدوريات على مدار الساعة في سواحل الخليج. وهذه الطرادات مجهزة بأنظمة رادار وصواريخ اعتراضية، مصممة لمواجهة الصواريخ المتوسطة المدى. وقد نُظر إلى إيران باعتبارها المعني بهذه التجهيزات.

ومبدئياً، فإن الولايات المتحدة قادرة بواسطة أقمارها الصناعية على اكتشاف الصواريخ الإيرانية لحظة انطلاقها، كما أن الرادارات الموجودة على قطعها الحربية في الخليج، وعموم القاطع الشمالي الغربي من المحيط الهندي، يمكنها هي الأخرى رصد هذه الصواريخ.

ثانياً: إشكالية الخيار النووي
وإضافة إلى الحديث عن أنظمة الدفاع الصاروخي، دار حديث أكثر حساسية حول توفير "مظلة نووية" أميركية لدول الخليج، على النحو القائم حالياً على مستوى العلاقات الأميركية الكورية الجنوبية.

وبالمعنى التقني، ليس ثمة غموض في مفهوم المظلة النووية، كما لا توجد تحديات فنية أو لوجستية كبيرة أمام اعتماده، خاصة أن الولايات المتحدة تحتفظ في الوقت الراهن بـ180 سلاحا نوويا تكتيكيا في ست من دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في إطار ما يعرف بـ"المشاركة في تحمل الأعباء النووية". وبعض هذه الدول تقع على مشارف المنطقة.

إن المشكلة الفعلية أمام هذا الخيار تتمثل في التعريف السياسي "للمظلة النووية"، في ضوء وجود ثلاث قوى إقليمية ذات قدرات نووية قائمة، هي الهند وباكستان وإسرائيل. هذا فضلاً عن إيران، المصنفة أميركياً باعتبارها ذات طموح نووي عسكري.

وإضافة إلى ذلك، هناك بين الخليجيين من رأى أن إدخال بُعد "المظلة النووية" في العلاقات الأميركية الخليجية قد يزيد ويفاقم من حدة التوترات بين ضفتي الخليج. وربما يدفع إيران باتجاه التحوّل إلى قوة نووية فعلية.

وفي سياق مواز، قال الرئيس الأميركي باراك أوباما، في أبريل/نيسان 2010، إن العقيدة النووية الجديدة للولايات المتحدة تقضي بعدم استخدام السلاح النووي ضد دول غير نووية، لكنها تستثني إيران وكوريا الشمالية من هذه القاعدة، "لكونهما غير ملتزمتين بسياسة حظر الانتشار النووي".

وهذا يعني أن الولايات المتحدة قد تلجأ للأسلحة النووية في أي مواجهة محتملة في الخليج، تدور بينها وبين إيران.

وكان كثيرٌ من النقاش قد دار، منذ سبعة أعوام، حول احتمال استخدام السلاح النووي التكتيكي لضرب منشآت اليورانيوم الإيرانية. وتعزى إلى هذا الصنف من الأسلحة النووية أنظمة صاروخية مرابطة على البر، ذات مديات تقل عن 3000 كيلومتر. وأنظمة صواريخ جوالة مرابطة على المنصات البحرية والبرية والجوية. وصواريخ بحرية مضادة للسفن والغواصات، إضافة إلى قذائف مدفعية وقنابل جوية ذرية.

"
إذا قدر لمواجهة عسكرية أن تندلع بين إيران والولايات المتحدة فلن يكون الخليج بمنأى عن هذه المواجهة، إن بطريقة أو بأخرى. وأقل ما قد يتعرض له هو التلوث الإشعاعي الناجم عن قصف المنشآت النووية الإيرانية
"
وإذا قدر لمواجهة عسكرية أن تندلع بين إيران والولايات المتحدة فلن يكون الخليج بمنأى عن هذه المواجهة، إن بطريقة أو بأخرى. وأقل ما قد يتعرض له هو التلوث الإشعاعي الناجم عن قصف المنشآت النووية الإيرانية، سواء جرى ذلك بسلاح تقليدي أو بسلاح نووي تكتيكي.

كذلك، فإن إيران قد تعمد إلى تهديد حركة الناقلات في مضيق هرمز، عبر نشر ألغام بحرية طافية في التيارات المائية في جنوب الخليج، أو عبر استخدام غواصات لزرع هذه الألغام. كما أن مجرد تبادل قصف صاروخي في منطقة المضيق من شأنه إيقاف حركة الملاحة، إذ سيؤدي ذلك إلى ارتفاع درجة المخاطرة، على نحو يصعب على شركات التأمين تغطيتها.

وإذا ما استخدمت أسلحة نووية تكتيكية ضد إيران، واستطاعت ضرب منشآت نووية تحت الأرض، فإن الأمر سوف يسير على نحو يصعب تصوّره، ذلك أن الإشعاعات المتولدة من المفاعلات المدمرة سوف تغطي عدة مدن في إيران ودول الخليج العربية. وليس من طريقة أكيدة حتى الآن لحصر هذه الإشعاعات في باطن الأرض، كما يجمع على ذلك علماء الفيزياء.

وفي حال قصفت منشآت إيران النووية في بوشهر بسلاح نووي تكتيكي، فإن حجم الأضرار التي ستتعرض لها منطقة الخليج العربي سيفوق تلك التي ستعاني منها مناطق إيران المأهولة.

ثالثاً: إدامة الاحتواء وتعزيز آلياته
وفي التأصيل الأبعد مدى، تجد خيارات الدفاع الأميركية في الخليج خلفياتها في مبدأ الاحتواء، الذي ظل دليلاً لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة منذ ثلاثة عقود.

وفي إطار مبدأ الاحتواء، اتجهت الولايات المتحدة لاعتماد سياسة التدخل العسكري المباشر، وهذا ما عبّر عنه مبدأ كارتر.

وقد وجد مبدأ كارتر أعلى تجلياته في "عاصفة الصحراء"، في عام 1991، فحرب الخليج الثانية كانت ترجمة متقدمة لهذا المبدأ.

وقبل ذلك، كانت الحرب العراقية الإيرانية قد دخلت في مفهوم توازن القوى ذاته، وهو مفهوم كان حينها مرعياً أميركياً، أو لنقل كانت السياسة الأميركية في الخليج تقر به وتبني عليه كامل إستراتيجيتها. كذلك، كانت هذه الحرب شكلاً متقدماً من الاستنزاف المتبادل. وهي بهذا المعنى فرصة لاحتواء أطراف القتال. والاحتواء، بالمدلول الفلسفي، يمثل غاية توازن القوى ذاته.

وفي السنوات الأخيرة لهذه الحرب، أعطت "حرب الناقلات" مبرراً إضافياً لتعزيز الحضور العسكري الأميركي، الذي قدم نفسه على أنه ضامن لأمن الملاحة البحرية. وقد اتجه هذا الحضور نحو مزيد من التعاظم بعد حرب الخليج الثانية، ووجد أعلى تجلياته في تشكيل "الأسطول الخامس" في عام 1995. وكانت تلك المرة الأولى التي تنظم فيها الولايات المتحدة أسطولاً جديداً منذ الحرب العالمية الثانية.

وارتبط ذلك بنجاح الولايات المتحدة في الحصول على موقف واضح من بعض دول المنطقة، فيما يتعلق بمسألة الوجود العسكري الأميركي. كذلك نجحت واشنطن في التأكيد على الالتزامات المتبادلة بينها وبين عدد من دول الخليج، فيما يختص بالتسهيلات البرية والبحرية والجوية الممنوحة للقوات الأميركية، لاسيما على صعيد منشآت التخزين والتمركز المسبق للقوات، والتي تشكل أساساً حيوياً لخطط الانتشار والتدخل العسكري.

ويختلف البند الخاص بوجود القوات الأميركية من دولة خليجية لأخرى، حسب رغبتها وقدرتها على قبول وجود عسكري أجنبي على أراضيها، مع موازنة الرغبة الأميركية في توزيعها وتمركزها بشكل مسبق، بما يُمكّن من استخدامها على نحو سريع.

وفي عام 2003، جاء الغزو الأميركي للعراق ليدفع عالياً في اتجاه تعزيز القدرات العسكرية للولايات المتحدة في المنطقة، حيث تشكل وجود عسكري أميركي متقدم في بلاد الرافدين، أو لنقل في أعالي الخليج، وذلك للمرة الأولى في التاريخ.

"
لا يبدو أن ثمة تحوّلا اليوم لدى الولايات المتحدة عن خيار "الموازن الخارجي"، أي الوجود العسكري المباشر في المنطقة، الذي بمقدوره موازنة القوة الإيرانية، أو بمعنى آخر احتواء هذه القوة
"
ولا يبدو أن ثمة تحوّلا اليوم لدى الولايات المتحدة عن خيار "الموازن الخارجي"، أي الوجود العسكري المباشر في المنطقة، الذي بمقدوره موازنة القوة الإيرانية، أو لنقل احتواء هذه القوة.

ويُمثل "الموازن الخارجي" أحد أقدم مفاهيم الأمن وصوره التي سادت على الصعيد الدولي. وقد وجد ترجمته التاريخية في الخليج في القوة البريطانية، وقبلها البرتغالية، وإن على نحو أقل تبلوراً.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الإشكالية التي تفرض نفسها هنا هي مدى إمكانية أن تكون القوة، بمفهومها العسكري المجرد، موازنة للدولة بثقلها الكلي، الذي لا تُمثل القوة العسكرية سوى أحد عناصره، حيث تبرز العناصر الأخرى للقوة ديموغرافياً واقتصادياً وجغرافياً. والقوة العسكرية الأميركية في الخليج ليست تعبيراً موازياً للولايات المتحدة كدولة.

ومن جهة أخرى، فإن القول باعتماد مبدأ "الموازن الخارجي" كدليل للسياسة الأميركية في الخليج، وأداة لاحتواء إيران، لا يعني، بحال من الأحوال، انتفاء معضلة التوازن الإستراتيجي في النظام الإقليمي الخليجي، إذ إن هذا المبدأ لا صلة له بإعادة هيكلة القوة بين الدول المختلفة في الإقليم، وهي إيران والعراق ودول مجلس التعاون الخليجي.

رابعاً: إمكانات التعاون بدل الاحتواء
وأياً يكن الأمر، فثمة عدة خيارات يُمكن افتراضها اليوم للسيطرة على توترات البيئة الأمنية في الخليج. وقد يكون أبرز هذه الخيارات معاهدة للأمن الجماعي، تعمل وفق مجموعة تفصيلية من الاتفاقيات الخاصة بالترتيبات الأمنية والضبط الأمني، بين الدول المكونة للنظام الإقليمي الخليجي، حيث يترتب عليها عدد واسع من الالتزامات.

بيد أن هذا المقال لا يدعو للأخذ بهذا الخيار، لأنه لا يُعد خياراً واقعياً، أو لنقل لا يمتلك الأرضية السياسية اللازمة لتنفيذه، كما تعترضه حقيقة تباين التصوّرات حول ماهية الأمن ذاته، فضلاً عن تباين هياكل واتجاهات التسلّح القائمة.

كذلك، تصعب إقامة نظام توازن للقوى داخل النظام الإقليمي الخليجي. وبافتراض إقامته، فإنه سيكون غير مستقر، بسبب الاختلال الكبير في التوزيع النسبي للقوة. ويشير تاريخ المنطقة القريب إلى أن نظام توازن القوى الهش وغير المستقر، والذي غابت فيه مفاهيم الردع الواضحة، قد قاد إلى حربين مدمرتين. كما أن الحرب الأميركية على العراق أتت، في أحد أبعادها، مرتكزة على مناخ ما بعد حرب الخليج الثانية، وكانت من التداعيات الكبرى لها.

الخيار الثالث، الذي يُمكن افتراضه للسيطرة على معضلة الأمن في الخليج، يتمثل في معاهدة عدم اعتداء بوجود أطراف ضامنة.

"
الإدارة الأميركية معنية، بحكم حضورها المتنامي في الخليج بدعم خيارات التعاون والتفاعل البناء بين دول المنطقة, حيث يعد ذلك أفضل سبيل لتحقيق الاستقرار الإقليمي، الذي يُمكن أن تنسج في ظله الأطراف المحلية علاقات متينة وراسخة مع مختلف القوى الفاعلة
"
هذا الخيار، يبدو منطقياً بوجه عام، وهو يُعد بالمدلول الفلسفي صورة من صوَر الدبلوماسية الوقائية.

ويتمثل الخيار الرابع في دخول دول المنطقة في شبكة مصالح متداخلة على نحو وثيق، بحيث يقود ابتعاد، أو استبعاد، أي طرف منها إلى خسائر غير محتملة. وهو الأمر الذي يقلل على المستوى الفعلي من احتمالات النزاع، ويحد من فرص تصاعده متى وجد.

هذا الخيار، ينسجم مع مبدأ التعاون الإقليمي بمدلوله العام، ولا يصطدم مع الخصوصيات المحلية لدول الإقليم، ولا يتعارض مع شكل واتجاه خياراتها الخارجية.

ختاماً، فإن الإدارة الأميركية معنية، بحكم حضورها المتنامي في الإقليم، بدعم خيارات التعاون والتفاعل البناء بين دول المنطقة. حيث يعد ذلك أفضل سبيل لتحقيق الاستقرار الإقليمي، الذي يُمكن أن تنسج في ظله الأطراف المحلية علاقات متينة وراسخة مع مختلف القوى الفاعلة في هذا العالم، خاصة تلك التي تمتد مصالحها الجيوسياسية على نطاق كوني، وفي المقدمة منها الولايات المتحدة ذاتها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة