القذافي وأقرانه من الحكام العرب   
الثلاثاء 22/6/1432 هـ - الموافق 24/5/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:32 (مكة المكرمة)، 13:32 (غرينتش)
صالح السنوسي


هناك نوع من التآزر والتكافل معلن أو ضمني يؤدى إليه منطق تطور الأحداث التي تواجه كلا من العقيد القذافي وبشار الأسد وعبد الله صالح، فكل منهم يقاتل شعبه وكل منهم متمسك بالسلطة مما يجعل من ثلاثتهم حلفاء يشدون أزر بعضهم البعض، بل إن ما يحدث لأي منهم سواء كان نجاحا أو فشلا، هو بمثابة تغذية استرجاعية للآخرين.

لا شك إن هناك اختلافا في بعض التفاصيل من حيث مقاربة كل منهم في تفسير احتفاظه بالسلطة، فبإمكان بشار الأسد الذي لم تنته مدة بيعته الثانية أن يطلب مهلة لبقائه في الحكم حتى حلول أجل البيعة الثالثة لينظر يومها ما إذا كان سيكلف نفسه بتحمل أعباء البيعة الثالثة أم يعرض عنها وذلك أسوة بنظيره عبد الله صالح الذي يتمسك بضرورة استكمال ما تبقي من مدة رئاسته، التي ما انفك يجددها منذ ثلاثين عاما.

"
صالح والأسد يبرران ظاهريا احتفاظهما بالسلطة استنادا إلى ما يعتبرانها شرعية انتخابية، بينما لا يذهب القذافي إلى هذا المذهب ولا يقبل بمثل هذه التخريجات
"
فهذان الاثنان يبرران ظاهريا احتفاظهما بالسلطة استنادا إلى ما يعتبرانها شرعية انتخابية، هي في حقيقة الأمر أقرب إلى بيعة يزيد في ظل سيوف بني أمية منها إلى انتخابات رئاسية حرة ونزيهة، بينما لا يذهب العقيد القذافي إلى هذا المذهب ولا يقبل بمثل هذه التخريجات.

فالآخرون هم الذين يستمدون شرعية تصرفاتهم من شخصه وأفعاله وهو لا يحتاج إلى شرعية منهم، بل إن الشعب جماعات وفرادى هم الذين ينبغي لهم أن يبحثوا لتصرفاتهم وأفعالهم عن شرعية تستند إلى أقوال القائد وأفعاله.

لقد ذهب القذافي إلى أكثر من ذلك حين بدأ البعض يروجون في بداية تسعينيات القرن الماضي بأن القائد ليس له منصبا رسميا في سلطة الشعب ويجب أن نوجد له هذا المنصب، وكان ذلك في الحقيقة حجرا ألقى به العقيد القذافي ليختبر به عقول بعض من حوله، فصدق صغار العقول منهم هذه المسرحية فأخذوا يتجادلون حولها فخرج لهم القذافي ليقول لهم ما معناه أنه ليس في حاجة لمنصب في سلطة الشعب لأنه هو صانع الثورة وسلطة الشعب وهذا هو منصبه الشرعي، فكيف يطلب الخالق شرعية من مخلوقاته.

اتضح يومها أن إثارة هذا الموضوع الذي لم يدرك حقيقته البسطاء من الناس، لم يكن سوى خلق مناسبة لكي يعلن فيها القذافي هذه الحقيقة بالنسبة إليه وذلك من أجل أن يعرف الجميع حجم قداسة موقعه السلطوي الذي لا يحتاج إلى شرعية من أية مخلوقات كانت.

لهذا فإن القذافي يتعالى عن هذه الحجج التكتيكية التي يستخدمها نظراؤه في سوريا واليمن وغيرهم من الحكام العرب، لأن مجرد التفكير في مثل هذه التبريرات يفتح الباب أمام شكوك محرمة تطال مقاما مقدسا متعاليا عما حوله من المخلوقات.

ومن هنا فإن القذافي على عكس أقرانه لا يضع سقفا زمنيا لسلطته المطلقة التي لا تخضع للتجديد، وبالتالي فهو يقاتل الليبيين انطلاقا من مسلمتين:

"
القذافي يقاتل الليبيين انطلاقا من مسلمتين: الأولى أن سلطته على الليبيين هي سلطة فريدة في التاريخ, والثانية أنه لا يستمد شرعية سلطته من الليبيين
"
الأولى: تتمثل في أن سلطته على الليبيين هي سلطة فريدة في التاريخ لا يوجد أي وجه للمقارنة بينها وبين السلطة التقليدية الفانية للحكام الآخرين والتي يعتورها القصور وتحوم حولها الشكوك البشرية, ولذا فإن كل مبررات الثورة على هذا النوع من الحكام لا تصلح أسبابا ولا تندرج تحتها دواعي الثورة ضده ولهذا فإن من يفكرون بها عوضا عن أن يقوموا بها ضده هم ليسوا أسوياء بل كائنات جرذانية في صورة بشر.

أما المسلمة الثانية: فتعني أنه لا يستمد شرعية سلطته من الليبيين، بل هو الذي منّ عليهم بالسلطة الشعبية ونظامها الجماهيري بينما يبقى هو فوق هذه المخلوقات جميعها سابحا في عليائه منزها عن دنس الانتخابات والاستقالة والرحيل.

من يشكك في هاتين المسلمتين فلا عقاب له سوى جهنم الحرب التي تطهر الناس من هذا الرجس وتعيدهم إلى رشدهم، ولهذا فلم يكن لدى العقيد القذافي ما يمكن أن يتحاور حوله مع الليبيين أو يتنازل لهم عنه فقد قال لهم في أول خطاب مشهور بعد قيام ثورة السابع عشر من فبراير لو كان يشغل منصبا رسميا لرمى باستقالته في وجوههم وهو -من وجهة نظره- محق في ذلك لأن سلطته المطلقة لا تقع في سلم التدرج السلطوي الرسمي المتعارف عليه بل تتسامى فوق إرادتهم جميعا.

لم يعد القذافي الليبيين في هذا الخطاب بأي شيء ولم يعترف لهم بأن هناك ثمة أخطاء بل توعدهم واتهمهم بالاعتداء على ما لا يخصهم وعلى ما ليس لهم فيه حق وذلك على عكس خطابات نظيريه، الرئيس الأسد والرئيس عبد الله صالح، اللذين يسعيان إلى تحقيق الغاية نفسها وهو الاحتفاظ بالسلطة.

ففي خطابات هؤلاء ترد مفردات الإصلاح والاعتراف ببعض الأخطاء والتمسك باستكمال مدة التفويض الذي حصلوا عليه ظاهريا من الشعب ولوعود بانتخابات مبكرة.

ولكن رغم هذا الاختلاف بين حجج الرجال الثلاثة في تبرير احتفاظ كل منهم بالسلطة إلا أن فشل أو نجاح أي منهم في صراعه مع شعبه يؤثر في تصرفات ومعنويات رفيقيه في درب التشبث بالسلطة.

فارتكاب أي منهم لمزيد من الأعمال الوحشية ضد شعبه مع استمراره في حلبة الصراع سيكون بمثابة تشجيع للآخرين لأن يحذوا حذوه في مخطط هروبهما إلى الأمام، وكذلك الأمر بالنسبة لسقوط أي منهم أو رحيله فإن مثل هذا الحدث سيكون له بالغ الأثر على سلوك ومصير الآخرين.

رغم التأثير والتأثر المتبادل بين مصائر هؤلاء الثلاثة، إلا أنه على ما يبدو هناك تفاوت في حجم انعكاس الآثار المترتبة على سقوط واستمرار أي منهما بالنسبة للآخرين، وهذا ليس له علاقة بأهمية كل قطر من الأقطار التي يحكمونها بل يتعلق بطبيعة نظام كل منهم وبالظروف التي تحيط بصراع كل واحد منهم مع شعبه.

فسقوط أو رحيل الرئيس عبد الله صالح -على سبيل المثال- سيكون له أثره ولكنه –في ظني- سيكون أقل من الأثر الذي يتركه استمرار القذافي أو سقوطه وذلك بالنظر إلى طبيعة نظام عبد لله صالح بما يحويه من مؤسسات مهما بلغت شكليتها ووجود أحزاب وصراع تحاوري في ساحات معترف بها رغم ما يحيط بها من عنف دموي وقنص، الأمر الذي يوحي دائما باحتمال تنازلات ورحيل مرتقب، على عكس نظيريه اللذين لا يسمحان حتى بمجرد وجود ساحة في طرابلس أو دمشق يصرخ فيها المتظاهرون بسقوط النظام.

"
لا القذافي ولا صالح أو بشار يتعلم أحدهم من الأخر ولكن سياق الأحداث ووحدة موضوعها وترابطها إقليميا ودوليا يجعل مصير أي منهم يتأثر بمصير الأخر
"
بينما يبدو لي أن استمرار القذافي أو سقوطه قبل الآخرين سيكون له الأثر الأكبر وذلك نظرا لطبيعة النظام والظروف المحيطة به، فاستمرار القذافي مقاتلا على جبهتين -جبهة ضد شعبه وجبهة ضد المجتمع الدولي- سيشد من أزر الآخرين اللذين يقاتلان حتى الآن ضد جبهة واحدة فقط وسيشجعهما بل ويشجع الأقلية الملتفة حولهما لتتمادى في ممارسة العنف ضد شعبيهما ولا سيما أنهما مطمئنان إلى عدم فاعلية ضغط القوى الفاعلة في المجتمع الدولي نظرا لانشغالها بالصراع الدائر بين القذافي وشعبه.

فاستمرار القذافي يؤمن لهما من ناحية غل يد القوى الفاعلة في المجتمع الدولي عن التدخل بشكل فعال، ومن ناحية أخرى يقدم القذافي سقفا عاليا من العنف من خلال شنه حربا مفتوحة ضد شعبه مما قد تتضاءل أمامها الفظائع التي يرتكبها نظيراه ضد شعبيهما.

أما سقوط القذافي قبلهما فسيكون له مردود سلبي كبير الأثر من حيث إنه فشل رغم كل ما سمح لنفسه باستخدامه من أنواع العنف، كما إن سقوطه سيقوي من عزيمة القوى الدولية مما يجعلها تلتفت نحوهما وهي أكثر ثقة وتصميما.

لعل لا أحد من الثلاثة يتعلم من الأخر ولكن سياق الأحداث ووحدة موضوعها وترابطها إقليميا ودوليا يجعل مصير أي منهم يتأثر بمصير الأخر قليلا أو كثيرا شاءوا أم أبوا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة