معارضة سورية بمقاييس مختلفة   
الاثنين 1433/12/21 هـ - الموافق 5/11/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:39 (مكة المكرمة)، 11:39 (غرينتش)
ياسر الزعاترة

كانت تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون المشككة في تمثيل المجلس الوطني السوري لكل المعارضة هي شرارة البداية لإطلاق جهود سياسية من أجل إنتاج معارضة تلبي شروط أميركا والغرب وبعض الأطراف الداعمة؛ كل بحسب المعايير التي يتبناها وتلبي مصالحه.

لا خلاف ابتداءً على أن المجلس الوطني السوري لم يلبِّ الطموح من حيث أدائه السياسي وغير السياسي، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أنه كان الأكثر تمثيلا لأطياف المجتمع السوري من أي كيان آخر، سواءً أكان من تلك التي نشأت في الخارج وتدور في فلك أشخاص بعينهم، أم كان من كيانات الداخل التي تعد بعشرات الفصائل يسعى البعض إلى اختزالها بمسمى معارضة الداخل، مع أنها أشبه بمعادلة "سمك، لبن تمر هندي" الشهيرة، حيث كشفت الاجتماعات الأخيرة لهذه المعارضة في دمشق بحضور ممثلي الدول الداعمة للأسد أن هناك قدرا هائلا من التناقض فيما بينها وكمًّا أكبر من الشخصنة التي تتفوق على ما يعانيه المجلس الوطني الذي يبدو أكثر جماعية من سواه.

المجلس الوطني السوري لم يلبِّ الطموح من حيث أدائه السياسي وغير السياسي، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أنه كان الأكثر تمثيلا لأطياف المجتمع السوري من أي كيان آخر

وحين يكون داعمو بعض فصائل الداخل هم حلفاء النظام السوري على سبيل المثال، كما هو حال هيئة تنسيق هيثم مناع، فإن ذلك لا يمكن أن يكون مقبولا من قبل الشارع، لا سيما أنه لا يكف عن هجاء المجموعات المسلحة التي تقاتل النظام، في وقت لا نجد فيه له جهدا يذكر في تكريس المعارضة السلمية. وبتعبير أدق فإن جهود مناع في هجاء الثورة تبدو أكبر بكثير من جهوده في معارضة النظام.

ما يمكن قوله والحالة هذه هو أن الاستهداف الأميركي للمجلس الوطني لا يتعلق أصلا بالحرص على إيجاد جسم سياسي يعبر عن الثورة السورية وأشواق الشعب السوري، بقدر ما يعكس رغبة في استيعاب الوضع لصالحها، وبالضرورة لصالح حليفتها الدولة العبرية، لا سيما أن المجلس ليس لديه أي مانع في توسيع مروحته لتشمل كافة الأطياف غير الممثلة فيه.

في قراءة المشهد السياسي المتعلق بمساعي إعادة إنتاج المعارضة السورية يمكن القول إننا إزاء جملة من الأسباب، أقله من وجهة النظر الأميركية الغربية، لعل أولها ذلك التقدم الذي يحرزه الثوار على الأرض، والذي يبث الخوف من إمكانية تداعي النظام بين لحظة وأخرى، أو سرعة التقدم وصولا إلى حسم سيكون من الصعب السيطرة على تداعياته، لا سيما أن على الأرض أسلحة كيماوية ومنصات صواريخ لا يُراد لها أن تقع في الأيدي الخطأ كما هو التعبير الأميركي الإسرائيلي الشائع (هي الآن في الأيدي الأمينة بالطبع!!).

هنا يدرك الأميركان أن المشهد العام على الأرض من حيث قدرة النظام على الصمود لفترة أطول قد يكون مضللا، لا سيما أن نظاما أمنيا من هذا اللون يصعب التنبؤ بلحظة انهياره في ظل تراجع معنويات جيشه وشعور العلويين بأنهم يدفعون ثمنا باهظا في مواجهة تبدو بلا أفق حقيقي للانتصار.

سبب آخر من أسباب الحراك الغربي لإعادة إنتاج المعارضة يتعلق بالخوف من اتساع نطاق الفعل الجهادي بمرور الوقت، أعني السلفي الجهادي الذي يتطور وجوده بشكل مفزغ بالنسبة إليهم، وصولا إلى حالة قد تهدد لاحقا مصالح العدو الصهيوني، وهم تابعوا دون شك كيف أدى انتصار الثوار في ليبيا إلى تدفق أسلحة كانت بحوزة النظام في شتى الاتجاهات من الشمال الأفريقي إلى سوريا إلى قطاع غزة. أما هنا بجوار دولة الاحتلال "الحبيبة للغرب"، فإن الأمر يغدو أكثر خطورة بكثير.

ولا شك أيضا أن شعور الأميركان والغربيين بوجود حضور كبير للإخوان وعموم الإسلاميين في المجلس الوطني قد جعله "غير ذي صلة"، ولا بد من إعادة إنتاجه حتى "يتعلمن" أكثر، أو يتأمرك بتعبير أدق، وبالتالي فإن أية صيغة جديدة ينبغي أن يكون حضور سائر الإسلاميين فيها محدودا.

سبب آخر للتفكير في حرص الغرب على إعادة إنتاج المعارضة هو أن المخطط الإسرائيلي، الذي سانده الغرب ممثلا في إطالة أمد المعركة وصولا إلى تدمير البلد، قد حقق الجزء الأكبر من أهدافه، ولم يبق سوى السيطرة على الأسلحة الكيماوية ومنصات الصواريخ حتى تكون سوريا الجديدة في حالة ضعف شديد لن تشكل أي ضغط على أعصاب الكيان الصهيوني، خصوصا إذا جرى التخلص من الجهاديين بشتى تنويعاتهم وأعيد إنتاج البلد برمته على أسس جديدة مع تركه ينشغل بنفسه ومشاكله لزمن طويل قد يمتد لعقود.

الحصول على معارضة علمانية سيضمن خياراتها السياسية من ناحية الدولة العبرية في ظل وجود أقليات تشكل ربع السكان سيكون لها دورها في تقليم أظافر الحالة الإسلامية

هناك سبب آخر يتعلق بمخاوف معتبرة من اتساع نطاق النزاع على نحو يؤثر على دول الجوار ويقسم البلاد ويهدد الكثير من المصالح الغربية، وبالتالي فإن من الأفضل إيجاد حل سياسي يضمن هامشا ولو محدودا من الهدوء والاستقرار وترك البلد موحدا ينشغل بنفسه ومشاكله إلى أمد طويل، ولا شك أن الحصول على معارضة علمانية سيضمن خياراتها السياسية من ناحية الدولة العبرية في ظل وجود أقليات تشكل ربع السكان سيكون لها دورها في تقليم أظافر الحالة الإسلامية ومنح الآخرين فرصة حكم البلاد حتى لو جرى الاحتكام  لصناديق الاقتراع التي قد يجري ترتيب أمرها من قبل من يمسكون بالوضع الجديد في مراحله الأولى.

في هذا السياق هناك من يعتقدون أن دولا داعمة للثورة قد تؤيد الصيغة الأميركية، وبالطبع لأنها لا تريد لسوريا أن تكون امتدادا للربيع العربي الذي ينقل عدواه إليها، بقدر ما تريد نجاحا ما ضد إيران مع نهاية غير جاذبة لثورة ترث بلدا مدمرا، وبالتالي فإن تلك الدول ستنسجم مع التوجه الجديد.

في المقابل هناك دول أخرى لا يمكنها مواجهة الرغبة الأميركية، وهي تسعى للتوصل إلى حل وسط بين ما تريد واشنطن وبين ما تراه هي ممثلا في إعادة هيكلة المعارضة على نحو يمكنها من تشكيل حكومة انتقالية مقبولة دوليا، ويمكنها التفاوض من أجل الحل، أو الحلول محل النظام في حال إنجاز الحسم. وعلى هذا الأساس انطلقت اجتماعات الدوحة لتوحيد المعارضة من دون اشتراط حل المجلس الوطني، بل إعادة هيكلته ليحقق المطلوب.

وفيما لا يجد الإسلاميون، وفي المقدمة منهم الإخوان، حرجا في قبول قدر ما من التهميش إذا كان ذلك سيؤدي إلى حل الأزمة ووقف نزيف الدماء، فإن المسار العام يبدو متوقفا بقدر كبير على تقبل خطة جديدة لإنتاج معارضة مقبولة تفاوض النظام لتصل إلى نتيجة ما، أو تحصل على دعم يكفي لحسم عسكري كما ذهبت غارديان البريطانية في حال العجز عن التوصل إلى حل سياسي. هذا المسار يبدو مرضيا أيضا لدول تدعم الثورة وترى أنها دخلت نفقا من المراوحة لا بد له من حل عبر مجلس موسع يفضي إلى حكومة انتقالية يعترف بها العالم أجمع.

وإذا جرى توحيد المعارضة (هيئة التنسيق رفضت حضور اجتماعات الدوحة)، واقتنع الغرب بالصيغة الجديدة، فسيكون بوسعها تسويق حل سياسي لروسيا والصين، الأمر الذي سيفرض نفسه على إيران بعد ذلك. وقد لاحظ المراقبون كيف أن الخطة التي قدمتها بكين للأخضر الإبراهيمي لم تشترط بقاء الأسد في السلطة، مما يعني إمكانية الحفاظ على مؤسسات النظام الأساسية كما يرى الإسرائيليون (بخاصة العسكرية والأمنية المجربة)، مع تغيير في الهيكلية السياسية (المسار ذاته قد يكون مقبولا من طرف إيران).

ما بين العمل الحثيث على إنتاج المعارضة الجديدة, وبعدها تبني خطط التسويات أو الحسم، وبين النجاح مساحة زمنية لا أحد يدري كيف ستتطور الأوضاع خلالها

وفي حين تبدو جميع الظروف مواتية للحل المشار إليه، أكان سياسيا أم عبر حسم عسكري من خلال سلاح نوعي قد يأتي لاحقا بعد نهاية الانتخابات الأميركية، فإن أسئلة النجاح تظل معلقة، لا سيما أن التحكم في الكتائب والألوية الفاعلة على الأرض يظل صعبا، وهي التي لا تعدم بدورها جهات تدعمها وتوفر لها إمكانية البقاء والتأثير.

ثم إنه ما بين العمل الحثيث على إنتاج المعارضة الجديدة (نكتب قبل اختتام اجتماعات الدوحة) وبعدها تبني خطط التسويات أو الحسم، وبين النجاح مساحة زمنية لا أحد يدري كيف ستتطور الأوضاع خلالها، إذا لا يُستبعد انهيار النظام ووصول الموقف حدا تصعب السيطرة عليه.

في أي حال، فإن كثيرا من المؤشرات باتت تقول إن الأزمة السورية تقترب من نهايتها الأولية المتعلقة بالتسوية أو الحسم، لكن الأسئلة التالية الكثيرة تظل معلقة وصعبة الإجابة إلى حين، في بلد مدجج بالتناقضات العرقية والمذهبية والطائفية، فضلا عن الحزبية والأيديولوجية والشخصية أيضا.

يبقى القول إن ذلك كله لا صلة له البتة بمسلسل الرجولة والعطاء الطويل الذي كان بطله بامتياز هو شعب سوريا العظيم الذي قدّم أروع التضحيات من أجل حريته وكرامته، وليس من أجل أي شيء آخر، ولا لإرضاء أي طرف مهما كان.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة