إسرائيل بعد عملية إيلات.. المأزق والتوظيف   
الأربعاء 1432/9/26 هـ - الموافق 24/8/2011 م (آخر تحديث) الساعة 12:54 (مكة المكرمة)، 9:54 (غرينتش)
صالح النعامي

انهيار مفهوم "حدود السلام"
الارتباط بالنظام الرسمي العربي
تبعات مادية باهظة
استنزاف حماس
الدفع نحو القطيعة بين مصر وغزة
القضاء على الاحتجاجات الاجتماعية


شكلت عملية "إيلات" التي أسفرت عن مقتل ثمانية من جنود الاحتلال ومستوطنيه واستشهاد سبعة من المنفذين نقطة تحول بارزة في مسار العمل المقاوم ضد الكيان الصهيوني. وتكمن أهمية هذه العملية بدرجة أساسية في تداعياتها الإستراتيجية وتبعاتها السياسية.
 
وقد عكست هذه العملية بعض مظاهر المأزق الإستراتيجي الذي باتت تعيشه إسرائيل منذ تفجر ثورات التحول الديمقراطي في الوطن العربي، ودللت على محدودية هامش المرونة الذي تبقى أمام تل أبيب في أعقاب التحولات التي يشهدها الوطن العربي.
 
ويشي السلوك الإسرائيلي في أعقاب العملية أن النخبة الحاكمة في تل أبيب تحاول بكل ما أوتيت من قوة تقليص الأضرار الناجمة عن العملية عبر توظيف نتائجها لتحقيق إنجازات في ساحات أخرى.
 
انهيار مفهوم "حدود السلام"
لا خلاف في إسرائيل على أن اتفاقيات السلام بينها وبين مصر تمثل أبرز مركبات الأمن القومي في العقود الثلاثة الأخيرة، إذ إن هذه الاتفاقيات ضمنت ليس فقط تحييد أكبر دولة عربية في الصراع بين إسرائيل وبقية الأطراف العربية، بل إنها مأسست التعاون الأمني بين الجانبين، وهو ما ثبتت نجاعته على مدى أكثر من ثلاثين عاما.
 
فعلى مدى هذه الفترة الطويلة تقاسمت مصر وإسرائيل عبء الحفاظ على أمن الحدود المشتركة، وهو ما سمح للجيش الإسرائيلي بالالتزام بعقيدة قتالية على هذه الحدود تقوم على توظيف مبدأ "القوة الدفاعية المركزة"، وهو ما سمح عمليا للجيش الإسرائيلي بتقليص قواته على طول الحدود المشتركة التي تمتد لأكثر من 240 كلم، بعضها حدود جبلية وعرة، حيث تم الدفع بالقوات التي تم الاستغناء عنها لتعزيز وجود الجيش الإسرائيلي على جبهات أخرى، سواء على الحدود مع لبنان أو مع قطاع غزة.
 
ومما زاد الأمور تعقيدا مقتل عدد من الجنود المصريين، الأمر الذي أثار حفيظة الشارع المصري بشكل كبير، وهو ما وجد تعبيره في المظاهرات التي نظمت أمام السفارة الإسرائيلية في القاهرة للمطالبة بإغلاقها وطرد السفير الإسرائيلي.
 
وبخلاف سوابق الماضي التي تمت أثناء عهد حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، فإن الحكم الجديد في مصر، المتأثر بضغط الشارع والنخبة السياسية سارع إلى اتخاذ إجراءات أكثر شدة -ولو على المستوى الإعلامي– ضد إسرائيل.
 
"
شكلت عملية "إيلات" أول اختبار للمخاوف الإسرائيلية الكثيرة من تداعيات الثورة المصرية على اتفاقية السلام بين الجانبين
"
لقد أضفى الجدل الذي احتدم داخل إسرائيل في أعقاب العملية صدقية على عبارة الوزير الإسرائيلي السابق بنيامين بن إليعاز الشهيرة "مبارك كنز إستراتيجي لإسرائيل". صحيح أنه حتى الحكم الجديد في مصر غير معني بالمطلق بأن تتحول سيناء إلى نقطة انطلاق لتنفيذ عمليات ضد إسرائيل لدواع كثيرة، لكن حكام مصر بعد الثورة لا يمكن أن يوافقوا على أي طلب إسرائيلي يمس بالسيادة المصرية.
 
من هنا شكلت عملية "إيلات" أول اختبار للمخاوف الإسرائيلية الكثيرة من تداعيات الثورة المصرية على اتفاقية السلام بين الجانبين، حيث بات في حكم المؤكد أن العلاقات بين مصر وإسرائيل قبل العملية ستختلف عما كانت قبلها.

وهذا ما دفع ببعض النخب في إسرائيل لحث حكومة نتنياهو على مطالبة المجلس العسكري الأعلى في مصر بالسماح للجيش الإسرائيلي بالعمل عسكريا داخل سيناء لتعقب الجهات المسؤولة عن تنفيذ العملية، وفي حال رفضت مصر الطلب الإسرائيلي، فإن هذه النخب ترى أنه يتوجب عدم التردد في التوجه للولايات المتحدة، ومطالبتها بتوظيف كل أوراق الضغط لديها على قادة العسكر في القاهرة لإرغامهم على الموافقة على الطلب الإسرائيلي.
 
إن مثل هذه الدعوات التي لا يوجد أي فرصة لأن يتم الاستجابة لها من قبل المصريين تعكس بدرجة أساسية عمق الأزمة الإستراتيجية التي تعيشها إسرائيل في أعقاب الثورات العربية.
 
الارتباط بالنظام الرسمي العربي
دللت عملية "إيلات" التي تمكن منفذوها من اقتحام مساحات واسعة، جزء منها تصنف على أنها مناطق ذات قيمة إستراتيجية كبيرة بسبب تواجد مرافق أمنية هامة فيها، على أن قدرة إسرائيل على حماية نفسها مرتبطة في كثير من الأحيان بحسن نية النظام الرسمي العربي.
 
ويمكن للمرء أن يتخيل فقط المأزق الإسرائيلي في حال تمكنت المقاومة من تنفيذ عمليات مماثلة عبر الحدود مع دول عربية أخرى، لا سيما الأردن، التي تعد حدودها الأقرب للتجمعات السكانية الصهيونية.
 
فإن كان وزير الحرب الصهيوني إيهود باراك قد نجا من الموت بأعجوبة في عملية "إيلات"، وهو محاط بعدد كبير من جنرالاته وقواته، فإن قدرة إسرائيل على مواجهة عمليات تسلل على نطاق واسع في مناطق أخرى ستكون محدودة، علاوة على أن هذا النوع من العمليات سيعمل على استنزاف القوة العسكرية الإسرائيلية.

تبعات مادية باهظة
لقد جاءت عملية "إيلات" في خضم نقاش يجرى داخل أروقة صنع القرار السياسي وبمشاركة قادة الجيش والأجهزة الاستخبارية حول الإستراتيجية الإسرائيلية تجاه مصر بعد الثورة.
 
وقد ارتكز الكثيرون داخل إسرائيل على هذه العملية لتبرير المطالبة بإدخال تغييرات بنيوية شاملة وجذرية على مبنى الجيش الإسرائيلي، بحيث يعاد الاعتبار للجبهة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي لتصبح الجبهة الأهم في التراتبية الميدانية الجغرافية، إلى جانب التوسع في إقامة المزيد من ألوية المشاه المختارة، وتركيزها في الجنوب، وتوسيع سلاح الجو وإقامة المزيد من المطارات الحربية.
 
"
ارتكز الكثيرون داخل إسرائيل على عملية إيلات لتبرير المطالبة بإدخال تغييرات بنيوية شاملة وجذرية على الجيش الإسرائيلي، بحيث يعاد الاعتبار للجبهة الجنوبية
"
ومن الواضح أن الاستجابة لهذه المطالب تضع إسرائيل أمام مشكلتين هامتين، وهما:

أولا: محدودية الموارد البشرية المتاحة للجيش في ظل تدني الدافعية للخدمة العسكرية في أوساط العلمانيين، وهو ما يعني زيادة العبء على شرائح اجتماعية محددة.
 
ثانيا: الأعباء المالية الباهظة التي يتطلبها تنفيذ هذه التغييرات البنيوية، بينما تواجه الحكومة الإسرائيلية احتجاجات جماهيرية بسبب الغلاء.
 
وإذا أخذنا بالاعتبار أن إسرائيل تقيم حاليا جدارا على طول الحدود مع مصر يكلف ملياري دولار، فإن فاتورة القيام بكل هذه التحولات ستكون باهظة جدا.
 
استنزاف حماس
لكن مظاهر المأزق الذي باتت إسرائيل تقف أمامه لم يحل دون أن تفطن النخبة الحاكمة في تل أبيب إلى محاولة توظيف العملية في تحقيق أهداف إستراتيجية وأمنية وسياسية أخرى، ظلت الحكومة الإسرائيلية تسعى لتحقيقها.
 
فرغم أن إسرائيل لم تقدم دليلا واحدا على أن منفذي العملية قد قدموا من قطاع غزة، وعلى الرغم من أن "لجان المقاومة الشعبية" التي اتهمتها إسرائيل بالوقوف خلف العملية قد نفت أي علاقة بها بشكل مطلق، فإن إسرائيل سارعت إلى تحميل غزة المسؤولية عن العملية، وشرعت في تنفيذ عمليات اغتيال وقصف واسعة النطاق بحجة السعي لجباية ثمن من الأطراف التي تقف خلف العملية.
 
وكما جرت العادة، استهدفت إسرائيل، إلى جانب قيادات وعناصر في "لجان المقاومة الشعبية"، ما تعده "بنى تحتية" لـ"كتائب عز الدين القسام"، الجناح العسكري لحركة حماس، إلى جانب ضرب مؤسسات تابعة لحكومة هنية. وقد بررت القيادة الإسرائيلية هذا السلوك بالقول إنه نظرا لسيطرة حماس على قطاع غزة، فإنها تتحمل المسؤولية عن كل عمل ينطلق من قطاع غزة، هذا مع العلم أن جميع التقييمات التي يقدمها قادة الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية لحكومة نتنياهو تشدد على أن حماس غير معنية بالتصعيد.
 
من هنا يبدو بشكل واضح وجلي أن إسرائيل توظف عملية "إيلات" لاستنزاف حركة حماس وضرب قدراتها العسكرية. في الوقت نفسه نجح التكتيك الإسرائيلي في استدراج حماس لمواجهة غير متكافئة، إذ إن "كتائب عز الدين القسام"، التي حافظت على ضبط النفس منذ شرعت إسرائيل في توجيه ضرباتها لغزة بعيد تنفيذ عملية "إيلات"، لم يكن بوسعها مواصلة ضبط النفس، فردت على التصعيد الإسرائيلي، وهذا بدوره مثل مسوغا إضافيا لتوجيه ضربة قوية للحركة.
 
لكن على كل الأحوال فإن التصعيد الإسرائيلي ضد غزة يهدف بشكل أساسي إلى ردع المقاومة عن مواصلة إطلاق الصواريخ من جهة، ومن المستبعد أن تتطور ردة الفعل الإسرائيلية إلى عملية عسكرية واسعة على غرار الحرب الأخيرة على القطاع أواخر العام 2008.
 
"
يرى صناع القرار في تل أبيب أن قدرتهم على إقناع دول العالم بعدم تأييد المسعى الفلسطيني في الأمم المتحدة ستكون محدودة في ظل مشاهد القتل التي تستهدف المدنيين الفلسطينيين
"
يبدو جليا وواضحا أن إسرائيل معنية بأن تسمح نتائج عملياتها العسكرية بالعودة إلى القواعد التي ضبطت تفاهمات التهدئة غير المباشرة بينها وبين فصائل المقاومة الفلسطينية.
 
وتحذر إسرائيل من التورط في عملية واسعة ضد غزة عشية توجه الفلسطينيين في سبتمبر/أيلول القادم للمطالبة بعضوية للدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، إذ يرى صناع القرار في تل أبيب أن قدرتهم على إقناع دول العالم بعدم تأييد المسعى الفلسطيني ستكون محدودة في ظل مشاهد القتل التي تستهدف المدنيين الفلسطينيين. في الوقت نفسه فإن مثل هذه العملية لن تخدم جهود إسرائيل الهادفة إلى عدم تدهور العلاقات مع مصر.

الدفع نحو القطيعة بين مصر وغزة
إن المزاعم الإسرائيلية بأن منفذي العملية قدموا من قطاع غزة تهدف أيضا إلى تأليب الحكم الجديد في مصر على قطاع غزة وحكومة هنية.
 
ويدرك صناع القرار في تل أبيب أن مصر سترى في أي عمل عسكري يتم ضد إسرائيل عبر سيناء في ظل الأوقات الدقيقة التي تمر بها مصر بمنزلة استدعاء للضغوط الدولية على الحكومة والمجلس العسكري الأعلى في مصر.
 
وترى تل أبيب أن الإيقاع بين الحكم الجديد في مصر وحركة حماس يمثل مصلحة إستراتيجية عليا لها، على اعتبار أن هذا قد يؤدي إلى تعاون مصري أكثر عمقا مع إسرائيل في محاربة عمليات تهريب السلاح، علاوة على أنه يعني مواصلة العزلة السياسية التي تعاني منها حكومة حماس، مع العلم أن إسرائيل كانت وما زالت تخشى من أن تمثل ثورات التحول الديمقراطي في الوطن العربي بداية النهاية لهذه العزلة.
 
وإلى جانب ذلك، فإن إسرائيل معنية بتوظيف نتائج العملية في إقناع حكام القاهرة بفرض قيود على طابع العلاقة مع حماس مستقبلا حتى بعد إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في مصر، وهو التطور الذي تخشى إسرائيل أن يشكل نقطة تحول فارقة نحو فتح صفحة جديدة في العلاقة بين غزة ومصر.

القضاء على الاحتجاجات الاجتماعية
جاءت عملية إيلات في غمرة احتجاجات اجتماعية غير مسبوقة في تاريخ الكيان الصهيوني، حيث تظاهر مئات الآلاف من الصهاينة ضد السياسات الاقتصادية والاجتماعية لحكومة نتنياهو، التي أسفرت بوضوح عن ارتفاع الأسعار وتفاقم مشكلة السكن وتآكل الأجور.
 
ولأول مرة في تاريخ إسرائيل تقدم حركة احتجاج جماهيرية لائحة اتهام ضد المشروع الاستيطاني اليهودي في الضفة الغربية والقدس والجولان، حيث إن المتظاهرين اعتبروا إن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها إسرائيل هي في الواقع نتاج الاستثمار في الاستيطان في الضفة الغربية، وطالبوا بإعادة بلورة "جدول الأولويات الوطني" على أسس مختلفة تماما.
 
"
صناع القرار في تل أبيب يسعون إلى محاولة تقليص الأضرار الإستراتيجية الناجمة عن هذه العملية عبر تحقيق إنجازات أخرى
"
من هنا كان من مصلحة نتنياهو واليمين الإسرائيلي من خلفه أن تحدث تطورات أمنية تقلص الاهتمام بحركة الاحتجاج الاجتماعي، من هنا وجد نتنياهو ضالته في عملية "إيلات"، وبالتالي فهو معني باستغلالها حتى تنفض هذه الحركة التي هددت مصير حكومته، علاوة على أنها أظهرت تهاوي خطاب اليمين الإسرائيلي.
 
ويتضح مما تقدم أنه إزاء مظاهر الأزمة الكثيرة التي وقفت أمامها إسرائيل في أعقاب العملية، فإن صناع القرار في تل أبيب يسعون في المقابل إلى محاولة تقليص الأضرار الإستراتيجية الناجمة عن هذه العملية عبر تحقيق إنجازات أخرى. مما لا شك فيه أن هذا الواقع يفرض على حركة حماس والفصائل الفلسطينية التنسيق بشكل كامل مع الحكومة المصرية لمواجهة المخطط الإسرائيلي وإحباطه.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة