في رحيل أركون رائد الإسلاميات التطبيقية   
الاثنين 1431/11/3 هـ - الموافق 11/10/2010 م (آخر تحديث) الساعة 12:52 (مكة المكرمة)، 9:52 (غرينتش)
زهير إسماعيل


- سؤال أركون

- تاريخية الفكر الإسلامي
- نقد العقل الإسلامي
- نزع القداسة

رحل المفكر الجزائري محمد أركون أستاذ الفكر الإسلامي بجامعة السوربون بعد مسيرة فكرية كان منها مؤلفات عديدة أثرت في البحث العلمي، وأثرت في أجيال بأسرها وخاصة التي كانت قد تعاملت مع نصوصه على مقاعد الدرس في الجامعة بثا وتلقيا.

وكتب الرجل بلغات عديدة وإن كان للفرنسية في مؤلفاته النصيب الأوفر.

ولئن كان من تقاليد التأبين أن يُشاد بذكر الفقيد وتُنشر مناقبه فإننا فضلنا الوقوف عند جوانب من فكره ومسيرته العلمية مغلبين النقد على العرض من خلال أهم المباحث التي اشتغل عليها.

"
إسلاميات محمد أركون التي يحرص على أن يضيف إليها صفةَ التطبيقية لتَمْييزها عن مدرسة أنثروبولوجيا الإسلام، إجابة عن سؤال كيف أثر التاريخ في الإسلام
"
سؤال أركون

إذا اعتبرنا الإسلاميات الحديثة إجابة عن سؤال، كيف أثر الإسلام في التاريخ؟ فإن إسلاميات محمد أركون التي يحرص على أن يضيف إليها صفةَ التطبيقية لتَمْييزها عن مدرسة أنثروبولوجيا الإسلام، إجابة عن سؤال كيف أثر التاريخ في الإسلام؟

ورغم ما قد يحُفّ بهذا السؤال من دلالات الاختلاف في تأويل فكر الرجل، فإن أهميته في التنبيه على أننا لا نقرأ النصوص المؤسسة بما فيها القرآن الكريم بمعزل عن وسائط الفكر والتاريخ وكل ما يمكن أن يَدخل ضمن باب شروط التلقي. ولهذا أثر فعلي على أطوار القراءة ونتائجها.

لا يَفْتأ أركون يذكر بالروافد التي يستند إليها في قراءته نصوصَ الثقافة الإسلامية بغاية الإجابة عن سؤال كيف أثر التاريخ في الإسلام؟ ويلخصُها في ثلاثة، النقد التاريخي والدرس اللساني والدرس الأنثروبولوجي.

والسؤالُ في حقيقته سؤالُ الاستشراق الواقع تحت تأثير تاريخانية لم تكن بمعزل عن اقتناع عميق حول الإسلام الذي يمثل، من منظورها في أحسن الأحوال، عملية إصلاح ديني فاشلة.

وكان الاستشراق الفرنسي أشد وطأة رغم سعي أركون إلى الإيحاء بتميزه عنه. فهذا ماسينيون يثابر في تحقيق ديوان الحلاج ودراسة سيرته لِمَا وَجَدَهُ في تصوفه وشطحه من حُلولية مسيحية لا تُخْطئها العين.

وانتهى إلى أنه كان لابد من ظهور الحلاج بعد نبي الإسلام لأن في اجتماع صورة هذا النبي وهذا الولي استعادة لصورة قريبة من صورة يسوع دون أن تبلغ كمالها، تلميحا إلى إنكار نبوءة محمد (صلى الله عليه وسلم).

أما كلود ليفي شتراوس فإنه جعل عبارة "الإسلام يؤرقني" كاللازمة يتردد صداها في أرجاء كتابه "المدارات الحزينة" لاعتباره أن الإسلامَ المعادي للروح الشرقي الهائمِ، والمكثفَ واقعيةَ الغرب كان حاجزا مانعا من التواصل بين الثقافة الهيلينية والشرق القديم.

ولولاه لكان انغلاق دائرة المعرفة بالتقاء خطاب الثورة المعلوماتية بالخطاب الأسطوري، فكان الإسلام عنده، مغالطة تاريخية.

لم يكن عمل محمد أركون البحثي العلمي بعيدا عن هذا المزاج التاريخاني الذي كان له أثر كبير في التعامل مع الإسلام دينا وثقافة وحضارة، إلا أن لسؤال تأثير التاريخ في الإسلام أثرا لا يمكن دفعه.

"
أنْ يُثير محمد أركون تاريخيةَ الفكر الإسلامي وأن الإسلام مُعطى مُتحول يتأثر بظروف استدعائه، وأن الإسلام هو في نهاية الأمر ما يفهمه الناس، في ستينيات القرن العشرين، يعني أنه قد وصل باكرا جدا
"
تاريخية الفكر الإسلامي

أنْ يُثير محمد أركون تاريخيةَ الفكر الإسلامي وأن الإسلام مُعطى مُتحول يتأثر بظروف استدعائه، وأن الإسلام هو في نهاية الأمر ما يفهمه الناس، في ستينيات القرن العشرين، يعني أنه قد وصل باكرا جدا.

ولكن أنْ يعيد أركون الإثارة نفسها في محاضرة منذ ثلاث سنوات وبالعبارات نفسها، ومن بين الحضور من يعتقد في تاريخية جانب من النص، فضلا عن الفكر، مع إيمانه العميق بأنه تنزيل العزيز الرحيم، فهذا لا يعني إلا أن الوصول المبكر لم يكن سوى عملية استعراضية أو أننا بإزاء محاولة في الفكر عَطَبُها بنيوي تُراوح مكانها وتدور حول نفسها. إنه لا يمكن للفكر الإسلامي، ولكل فكر، إلا أنْ يكون تاريخيا.

لم يكن أثر التاريخ في فهم الإسلام غائبا عن الأسلاف، فليس أقل من أسباب النزول والناسخ والمنسوخ، فضلا عن مفهوم المقاصد إذا نظر إليه من زاوية كونه تحويلا للنص إلى جملة من المفاهيم ومن ثم إلى جملة من الكليات تُغطي كل أحوال الاجتماع الإنساني باختلاف الأزمنة والأمكنة.

ولا نبالغ إذا قلنا إنهم كانوا على درجة ما من الوعي بإجرائية مفهوم الأصل. والمقصود بالأصل النص المؤسسُ. هو الوحي ولكنه بمجرد النطق به، ينسحب إلى التاريخ. فالإمام علي حينما طُلِب منه أن يُحكم كتابَ الله والفتنة على أشدها قال، إن القرآن لا ينطق وإنما ينطق به الرجال.

فماذا يعني أن النص لا ينطق؟ يعني أن النص "في ذاته" بالعبارة الفلسفية غير موجود وأن قراءته للعمل به تسحبه من الوحي إلى شرطي الزمان والمكان. فلا يكون ما نتج عن القراءة من كلام الله وإنما هو فهم ما لكلام الله. وليس من فائض التدين أنْ ينهي العالم منهم مقالته بقوله "الله أعلم".

لم يَرْتَدْ أركون مثل هذه الآفاق رغم إعلانه أنه يستفيد من مناهج حديثة في قراءة النص، وكان تحليله لبعض من آي القرآن في ضوء السيميولوجيا، في كتابه الفكر الإسلامي قراءة علمية، هزيلا بكل المعاني.

ولقد بدا بعض الباحثين الإسلاميين أكثر جرأة منه في موضوع الإسلاميات، ولم يمنعهم تسليمهم بالنص تنزيلا من أن يطرحوا الأسئلة المُربكة ولعل أقواها سؤال مصطفى بوهندي حول التجربة التأسيسية الأولى، هل تطبيق الوحي وحيٌ أم تاريخ؟

يُطرَح هذا السؤال رغم الوعي بما يترتب عن نزول النص منجما من التباسه بالوقائع.

انطلق أركون من تاريخية الوحي لينتهي إلى تاريخية الفكر.. نتيجة متضمنة في المقدمة. كأننا أمام مسافة وهمية في الفكر. ولا نكاد نقف بين المقدمة ونتيجتها إلا على الفراغ.

وقد يرى البعض أن أركون متأثر في هذا برواسب القديم فيه، فهذا عبد القاهر الجرجاني يسلم بإعجاز القرآن ليصل في نهاية المطاف إلى إعجازه.

لا تستقيم المقارنة لأنه بين مقدمة عبد القاهر والنتيجة المتضمنة فيها كان هناك علم غزير تمثل في ضبط دقيق لدلائل الإعجاز التي ستؤسس نظرية النظم وتُعلن نضجَ النحو منوالا عديلا للمنطق ليكون نحت الشخصية الثقافية وإثراء التجربة الإنسانية إنجازا علميا لا مجرد تهويمات.

نقد العقل الإسلامي
جعل أركون مجال عمله العقل الإسلامي دون أنْ يعطي حدودا واضحة لما يعنيه بالعقل، فغلب على بحوثه الحديث عن الفكر من حيث أراد الحديث عن العقل، رغم رسوخ تقليد نقد العقل في الفكر الغربي الحديث.

وتشهد على هذا التردد بين العقل والفكر في نقد العقل ثنائية العنوان في أحد كتبه الأولى أين نجد: تاريخية الفكر العربي أو نقد العقل الإسلامي.

"
لم يأخذ أركون مسافة من تجربة الفكر والدولة في الغرب، وكأنه لم يرد الانتباه إلى أن الغرب الحديث -وخاصة الحداثي منه- لم يتخط الرؤية اليهودية المسيحية للعالم
"
وبين نقد الفكر ونقد العقل فروق لا تخفى كالفروق بين سلاح النقد ونقد السلاح، لأن موضوع ناقد الفكر هو الفكر وموضوع ناقد العقل هو آلة إنتاج الفكر.

وأما الجانب الثاني من عنوان نقد العقل فهو الصفة المسندة إلى العقل وهي عبارة الإسلامي، وكان متوقعا من أركون وهو المبرز في العربية وجاعل اللسانيات رافدا من روافد منهجه أنْ ينتبه إلى الصلة بين العقل واللغة، لأنه لا معنى للحديث عن العقل الإسلامي إلا إذا جاز الحديث عن لغة إسلامية وهذا محال.

ومعلوم أننا نتكلم بالفكر ونفكر باللغة. واللغة نظام للخطاب مثلما هي نظام للعقل، ولذلك فإن العقل الإسلامي لن يكون إلا عقولا بعدد اللغات التي يتكلمها المسلمون ورغم وجود المشترك من المعاني العقَدية فإن التعبير عنها بهذه اللغة أو تلك يعطيها خصوصية حقيقية. وهل العلم بالشيء إلا قول فيه؟

إن الجملة قبل أن تكون معاني نحوية هي في الأساس بنية منطقية وشرط في إنتاج الفكر. وتُكسب اللغة المتكلمين بها هوية. وهذا معنى أن من تكلم العربية فهو عربي.

ولا نتبين، عند أركون وهو اللساني ذكرا لأثر المنوال النحوي في خطاب الأسلاف العلمي. كما لا نجد انتباها منه إلى عامل العصبية وهوية الانتظام وهو الأنثروبولوجي المتسلح بالعلوم الإنسانية الأداة التي لا يفتأ يذكر فعاليتها في قراءة الفكر والمؤسسات في الإسلام قراءة علمية.

ويعود الأمر إلى اعتباره تلك الهويات أشكال انتظام ترمز إلى ما قبل العقل والفكر والحضارة ولا معنى لاستعادتها.

لم يأخذ أركون مسافة من تجربة الفكر والدولة في الغرب، وكأنه لم يرد الانتباه إلى أن الغرب الحديث -وخاصة الحداثي منه- لم يتخط الرؤية اليهودية المسيحية للعالم، ولم يكن في حاجة لكي يُذكرَ بأن المعجم الديني ليس دليلا على دينية الخطاب، وأن غيابه لا يعني انفصال الخطاب عن الرؤية الدينية.

فقد أشار ريجيس دوبريه بأناقة فكرية عالية في نقد العقل السياسي إلى أنه تم توحيد الكنيسة والمدينة في المرحلة الرومانية دون استعمال كلمة دين.

نزع القداسة
كانت مواجهة الأصولية هدفا في دراسة محمد أركون التراث، وكان يعتبر أن قدرة جماعات الإسلام السياسي على التجييش تعود إلى توظيفها المقدس الذي لا مناص من نزع القداسة التي أُلْبِسَهَا لِتَسْهُل دراسته على أنه جهد بشري لا يخرج عن دائرة الخطأ والصواب، وليتيسر نزعه من أيدي الأصولية التي توظفه في كل اتجاه.

يُذكرني كلام أركون عن نزع القداسة عن المقدس في تراثنا بدرس في الترجمة في الجامعة ألقى فيه أستاذ الترجمة بعبارة La bête sacrée وطلب من طلبته تعريبها. وكثرت المحاولات: البهيمة المقدسة، الحيوان المقدس... إلخ، كانت هِمة الأستاذ متجهة إلى الصفة Sacrée، وحين دب إليه اليأس قدم مقترحه وهو: الدابة المباركة.

وانطلق درسٌ عجيبٌ انتهى فيه الأستاذ إلى أن المقدس مفهوم ذو جذور بعيدة، تَلونَ بالأديان والثقافات التي عبرها وهو سليل نزعة إحيائية لازمت الإنسانية حينا من الدهر. وجاء الإسلام ليقطع معها تجذيرا لمفهوم التوحيد. وأنه لا وجود للمقدس في ثقافتنا وإنما هي البركة والحُرمة، فليست مكة بالمقدسة وإنما هي البلد الحرام، والكعبة مكان بارك الله حوله لا أثر لهذا الحس النقدي وهذا الحذر العلمي الرفيع في حديث محمد أركون عن قداسة يَجِد في نزعها.

"
أما مواقف أركون السياسية فمِنَ الإنصاف أنْ نتوسل في النظر إليها بمبدأ ينفعك علمي ولا يضرك تقصيري، رغم أن اختيار المرء في السياسة قطعة من عقله في الفكر
"
جعل أركون الأصولية كُلا لأنها عنده تنطلق من بنية تفكير دينية تجعل الفروق بينها وهْما ومغالطة. وهو بهذا يتلبس بأصولية لا تقل تشددا عن الأصولية الإسلامية، وتُلغي كل دعوة إلى إنسية تُمثل العنوان الأبرز للحداثة الغربية.

بل إن أركون في كثير من الأحيان يرتد إلى حدود الثقافة الفرنسية الموسومة بنزعة استئصالية سليلة ملابسات معلومة شهدتها الثورة الفرنسية، فتبدو العلمانية التي يبشر بها أقرب إلى اللائكية الفرنسية التي تسمح بوصف فرنسا بأنها الدولة الدينية الوحيدة في أوروبا على معنى أن الدولة الدينية هي التي تكره رعاياها على منشط أو ذوق أو معتقد بغض النظر عن العنوان الذي يتم تحته الإكراه. وهذه حال الدولة في فرنسا.

وكان على أركون أنْ يُدركه وهو المسلح بأقوى أسلحة العلوم الإنسانية، غير أنه فضل أن يكون عضوا في لجنة ستازي الفرنسية للنظر في مسألة الدولة والرموز الدينية.

أركون من المفكرين الذين طبعوا أجيالا، وكلما أمعنا في دراسة أعماله أحسسنا أكثر بترددها بين صرامة علمية لا تضاهى وهشاشة منهجية كأنها تنبئ عن صلة ضعيفة بالعلوم الإنسانية التي كاد بعضها يصبح منوالا.

التراث متينٌ ولا بد من الإيغال فيه برفق. وإن الفتوحات في قراءته كانت مع الذين أوغلوا فيه برفق باحترامهم خصوصيته وبتسلحهم بأكثر علوم العصر فعالية، ولم يفسروه بتاريخ تراث آخر مهما كان مُشْرِقا، دون طمع في أنْ يُقدم هذا التراثُ العربي الإسلامي المترامي الأطراف إجاباتٍ عن مشاغل اليوم لأنه إجابة عن مشاغل غير مشاغلنا.

وهذا ملاحظ في بحوث اللغة والكلام والتاريخ والعمارة والفنون. وإن من لم يُوغلوا في هذا التراث برفق بقُوا على أعتابه ولم يجدوا ريحَه وعبَقه.

وأما مواقف أركون السياسية فمِنَ الإنصاف أنْ نتوسل في النظر إليها بمبدأ ينفعك علمي ولا يضرك تقصيري، رغم أن اختيار المرء في السياسة قطعة من عقله في الفكر. رحم الله محمد أركون رحمة واسعة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة