الصحافة السورية بين حالة الطوارئ وقانون المطبوعات الجديد   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ أكرم البني

لا يختلف المشهد الصحفي السوري تحت وطأة حضور تاريخي ومعلن لقانون الطوارئ والأحكام العرفية عنه بعد صدور قانون المطبوعات الجديد، فكلاهما منح السلطات التنفيذية الحق الكامل في التدخل دون إذن أو اعتبار بكل شاردة وواردة في حركة النشاط الإعلامي ووسائله، وكلاهما يعمل من حيث الجوهر على تسخير الصحافة ووسائل الإعلام والنشر لتسييد أفكار النخبة الحاكمة ومفاهيمها السياسية والأيديولوجية وضمان سيطرتها التامة على صناعة الرأي العام والوعي الشعبي.


في ظل حالة الطوارئ السارية المفعول منذ عقود كانت الصحافة السورية محكومة في كل لحظة من لحظات حياتها بإرادة السلطات التنفيذية وحقها في التدخل لتقرير كل شيء حتى أدق التفاصيل
ويمكن تكثيف مبادئ السيطرة الحكومية على النشاط الصحفي والإعلامي بما يلي:
أولا: احتكار الدولة لوسائل الإعلام كافة وإلغاء حق تملك الصحف إلا للسلطة ومن تراه أهلا للالتزام بمواقفها وخطوطها الحمر.

ثانيا: سيطرة الدولة على منافذ البيع وتوزيع الصحف والمجلات ومؤسسات الإعلان، وفرض رقابة مشددة على دور النشر والمطابع الخاصة، وممارسة رقابة صارمة على الجرائد والدوريات والمجلات الخارجية ومنع بعضها من الدخول المؤقت أو الدائم عندما تتعارض مع مواقف الحكومة أو تنشر ما يفسر أنه انتقاد لسياساتها.

ثالثا: الاعتماد على مبدأ الإعلام الموجه ورفده بقوى وإمكانات متميزة وإصدار صحف رسمية أحادية الخطاب ودوريات تشرف عليها قيادة الحزب ومؤسساته.

ففي ظل حالة الطوارئ السارية المفعول منذ عقود كانت الصحافة السورية محكومة في كل لحظة من لحظات حياتها بإرادة السلطات التنفيذية وحقها في التدخل لتقرير كل شيء حتى أدق التفاصيل، ففور إذاعة البلاغ رقم (2) عام 1963 القاضي بإعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية سارعت السلطات السورية الى إصدار الأمر العرفي رقم (4) الذي يقضي بإغلاق جميع الصحف والمجلات ووقف العمل بقانون المطبوعات الذي صدر بعد الاستقلال بالرقم (35) للعام 1946، وبمنع الترخيص لأي صحيفة أو مجلة، ومصادرة جميع أدوات الطباعة وحجز الأموال المنقولة وغير المنقولة لمالكي المطابع ودور النشر.

وبموجب قانون الطوارئ والأحكام العرفية وتبعا للفقرتين (أ) و (ب) من المادة (4) يمكن للحاكم العرفي أو نائبه أن يقرر ما يراه مناسبا من قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والإقامة والتنقل والمرور, كما يملك الحق التام في مراقبة الرسائل والمكالمات الهاتفية أيا كان نوعها، وأيضا مراقبة الصحف والنشرات والمؤلفات والرسوم والمطبوعات والإذاعات وجميع وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها.

وإذ شهدنا في السنوات القليلة المنصرمة سعيا نحو تحجيم حالة الطوارئ والأحكام العرفية والحد من دورها في الحياة العامة، يبدو أن عقلية الماضي تأمن بالأساليب الأمنية القديمة، فابتكرت "آلية ذكية" للحفاظ على حضور جوهر قانون الطوارئ ودوره في الحياة العامة، سماها أحد المحامين وناشط في مجال حقوق الإنسان "بطورأة القوانين"، أي إعادة بناء القوانين العادية وصوغها على صورة الشروط والحيثيات والعقوبات الواردة في قانون الطوارئ نفسه.

من هذه القناة يمكن النظر إلى قانون المطبوعات الذي صدر بالمرسوم التشريعي رقم (50) الذي يعتبر بمثابة "قانون للعقوبات على الصحافة وحرية القلم" كما أشار أحد الصحفيين، أو "أنه كتب في مخفر للشرطة" كما علق آخر.

لقد تم تفصيل قانون المطبوعات والقرارات المكملة له على مقاس النخبة الحاكمة وطموحاتها، خاصة لجهة تكريس الواقع الصحفي البائس حقوقيا وإخضاع النشاط الإعلامي والصحفي قانونيا للاشتراطات العملية نفسها التي تكبل حرية الرأي والتعبير والنشر، وتقيد الكتاب والمبدعين بسلاسل جديدة من الممنوعات والمحظورات.

أولا: استمرار ملكية الدولة لمعظم وسائل الإعلام، ومن ثم فرض رقابة شديدة عبر المادة رقم (129) الفقرة (19) على تنوع الملكية، تمنح رئيس مجلس الوزراء الحق الكامل في قبول أو رفض الترخيص لأي مطبوعة دورية لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة يعود تقديرها إليه ودون إبداء أسباب الرفض أو القبول، ولا يحق لطالب الرخصة الاعتراض أو إقامة دعوى، كما لا يحق له تقديم طلب جديد قبل مضي سنة على الرفض.

وما يلفت الانتباه أيضا أن الترخيص يقتصر على المطبوعات والصحف، ولا تذكر وسائل الإعلام الأخرى من إذاعة وتلفزيون, ما يعني وجود نية قصدية لإبعاد هذه الأخيرة عن حيز العرض والقوننة، واعتبارها من المحرمات التي لا تقبل أي مشاركة.

والنتيجة حزمة من الصحف والمجلات الرسمية المركزية والفرعية للترويج لرأي القيادة وأفكارها وتوجيهاتها، فإلى جانب الصحف الرسمية الثلاث (البعث وتشرين والثورة) والصحف اليومية الخاصة بالمحافظات، ثمة مجلة (الطليعي) لأطفال المرحلة الابتدائية، تليها مجلة (الشبيبة) لطلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية، ثم (جيل الثورة) للمرحلة الجامعية، ثم (كفاح العمال الاشتراكي ونضال الفلاحين والجندي العربي وجيش الشعب والمهندس العربي والمعلم العربي والموقف الرياضي) إلى آخر هذه القائمة من المجلات والجرائد التي تحاول تغطية جميع الفئات والشرائح الاجتماعية والمهنية.

ولا يغير من هذه الحقيقة ما منح أخيرا من تراخيص لإصدار صحف في اختصاصات تبعد تماما عن السياسة، علمية كانت أم إعلانية أم اقتصادية أم اجتماعية (للعلم رفضت الحكومة مؤخرا خمسة طلبات للترخيص لمجلات تهتم بالأطفال) أو لجرائد تدور بصورة أو بأخرى في فلك السياسات الرسمية كصحف أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية ومجلة أبيض وأسود، بعد أن أغلقت جريدة الدومري الساخرة، وسحب ترخيصها لخروجها عن الحدود التي رسمت.


يقتصر الترخيص على المطبوعات والصحف ولا تُذكر وسائل الإعلام الأخرى من إذاعة وتلفزيون, ما يعني وجود نية قصدية لإبعاد هذه الأخيرة عن حيز العرض والقوننة واعتبارها من المحرمات التي لا تقبل أي مشاركة
ثانيا: عقوبات واسعة وقاسية ترتهن لتعبيرات مطاطة وغير واضحة تصوغ ما يسمى بممنوعات أساسية أو خطوط حمر، تبدأ برفع سقف مدة السجن إلى ثلاث سنوات بعدما كانت سنة واحدة, ورفع سقف الغرامات المالية إلى مليون ليرة سورية بعدما كانت ألف ليرة, وعقاب على نشر دورية غير مرخصة بالحبس لثلاثة أشهر, والحظر على الدوريات غير السياسية نشر مقالات سياسية تحت طائلة السجن.
وتم بناء نظام رقابة صارم وشديد ألزم الصحف بتسليم نسخ عن المطبوعات قبل نشرها.

ويضع القانون قيودا كبيرة على حركة الصحفيين وحرية معالجة موضوعاتهم بمواد يمكن شدها وتبديل قياسها مثل المادة رقم (29) الفقرة (5) التي تحظر نشر المقالات والأخبار التي تمس الأمن الوطني ووحدة المجتمع. وكذلك المادة (50) والمادة (51) التي تفرض عقوبات شديدة على من يتعرض للأخلاق العامة، أو يقلق الراحة، أو يعكر العلاقات الدولية.

وربما قصدت السلطات التهرب من التحديدات الدقيقة والواضحة ولجأت إلى مثل هذه العبارات العامة والمبهمة، أخبار غير صحيحة، أو أخبار تمس الأمن الوطني، أو أخبار تلحق الضرر بالاقتصاد وسلامة النقد، أو النيل من هيبة الدولة ومس كرامتها، أو مس الوحدة الوطنية...الخ، لتستطيع تأويلها كما ترغب واستخدامها سيفا مصلتا على رقاب الصحفيين يهددهم بالسجن وبغرامات كبيرة.

وتدرج في هذا السياق المادة رقم (44) الفقرة (د) التي تمنع المطبوعة غير السياسية من نشر موضوعات سياسية تحت طائلة العقوبة، إذ من المعلوم استحالة فصل الموضوعات السياسية عن الاقتصادية أو الفكرية أو الدينية أو غيرها، فمهما كان تخصص المطبوعة ومهما كانت موضوعاتها وموادها يمكن للسلطات أن تفسر ما ينشر بأنه موضوع سياسي خارج اختصاصها وبالتالي تدان وتغلق.

وأيضا قضت المادة رقم (22) الفقرة (3) بإغلاق الصحيفة إذا ثبت أنها تقاضت أموالا من جهات أجنبية أو شركات لقاء الدعاية لها أو لمشروعاتها، أو إذا صدر بحقها حكمان جزائيان، دون أن تحدد أسباب هذه الأحكام الجزائية.

والمفارقة أن القانون القديم رقم (35) للعام 1946 كان ينص على توفر خمسة أحكام جزائية قبل الإغلاق ورغم ذلك تعرض في حينه وقبل 50 عاما للنقد والاحتجاج.

وقد دعا البعض الى رفض إغلاق أي صحيفة مادامت تنفذ الأحكام الواقعة عليها وتتحمل أوزارها، وقال آخرون بزيادة عدد الأحكام الجزائية المهددة بالإغلاق وحصرها بالأحكام الكبيرة التي تمس بأمن الدولة مثلا أو تكون أسبابها نوعية وكافية لتبرير الحكم وبالتالي الإغلاق وليست أسبابا واهية تتعلق بأحكام جزائية تقنية وعارضة.

وأيضا تهدد المطابع ودور النشر بالإغلاق أو بالإيقاف لمدد طويلة، حيث أباح القانون الجديد للسلطات الإدارية الرقابة التامة على أعمال المطابع والمكتبات ومؤسسات النشر وألزمهم بإبراز الدفاتر والوثائق الموجودة لديهم دون أي قرار أو إذن قضائي، ومحاسبتهم على كل ما يعتقد أنه أخل بشروط حركة الإعلام والنشر، أو تجاوز السياسات المرسومة مركزيا.

ثالثا: أبقى القانون شروط منح بطاقة عمل لمراسلي الصحف العربية والأجنبية ووكالات الأنباء ومندوبيها مبهمة أيضا ودون مسوغات قانونية واضحة، ترتبط بموافقة شخص واحد هو وزير الإعلام دون أي إمكانية للاعتراض، كما أخضعت كل ما ينقله هؤلاء المرسلون لضوابط صارمة، خصوصا في الوصول إلى المعلومة والخبر الصحيح.

فنشر أي خبر لا يرضي السلطات هو خلل نوعي يستدعى التوقيف والسجن، ومن ثم الإحالة إلى محكمة استثنائية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى إن لجهة أسباب ودوافع تشكلها أو لجهة الهامش الواسع لحركتها خارج الأنظمة والقوانين التي توجه القضاء العادي، كما حصل مع مراسل جريدة الحياة الذي لا يزال تحت سيف محكمة أمن الدولة العليا حتى يومنا هذا.

وأيضا في مواجهة تقليد معروف بألا يسأل الصحفي عن مصادر معلوماته سواء أكانت من مصدر مسؤول أم غير مسؤول ولا يعاقب بأي عقوبة إذا امتنع عن الكشف عنها، وقد نصت المادة (28) من قانون المطبوعات على حق وزير الإعلام بمعرفة مصادر معلومات أي مراسل صحفي عندما يسندها إلى مصدر مسؤول، أو سحب بطاقته الصحفية في حال امتناعه عن التعريف بهذا المصدر، مما حقق هدفا مزدوجا: إثارة حذر المسؤولين الراغبين في الإدلاء بتصريح ما وخوفهم من نتائج سلبية، وإلقاء أعباء إضافية ومزيد من التوجس والقلق على كاهل المراسل الصحفي في سعيه وراء المعلومة.

رابعا: لم يتوقف الأمر عند بنود قانون المطبوعات، حيث سارع وزير الإعلام إلى إصدار القرار رقم (297) للعام 2001 متضمنا التعليمات التنفيذية لقانون المطبوعات أو لنقل الاجتهادات الخاصة في تأويله، وجاءت التعليمات المذكورة لتضيف قيودا أخرى على إصدار الصحف.


ما نحتاجه هو رسم صورة لمستقبل تسود فيه لغة الحوار ويتشبع بروح قبول الآخر وبشرعية وجود صحافة حرة تعبر عن تنوع فئات المجتمع وطبقاته
فبالإضافة إلى الاستمارات الواجب تقديمها للوزارة وعدد النسخ لتوزيعها على الجهات الأمنية, حددت التعليمات المذكورة شروط إصدار الصحف السياسية بأن تكون من 8 صفحات من القياس الكبير أو 16 صفحة من القياس الصغير وأن تعين للعمل بها خمسة محررين وخمسة مراسلين بالإضافة لإلزامهم بالاشتراك لدى الوكالة الوطنية للأنباء ووكالة أنباء عربية ووكالة أنباء أجنبية وأن تصدر خمس مرات أسبوعيا على الأقل.

هذا الأمر شكل عبئا اقتصاديا إضافيا يتطلب امتلاك رأس مال كبير للتقدم نحو أي مشروع لإصدار صحيفة سياسية لا يمكن تعويضه بالدعايات الإعلانية، خصوصا أن التعليمات تلزم المطبوعات كافة بألا يزيد حجم الإعلان فيها على ثلث المادة المنشورة في ظل سيطرة الحكومة على منافذ الإعلان وحصر المنح والعطاءات بيدها.

أخيرا يمكن القول إن الحرية الصحفية في سوريا قضية سياسية بامتياز، وهي ترتبط بداهة بمنظومة الحقوق والحريات الأساسية الغائبة في المجتمع، وبالتالي حين نخص قانون المطبوعات وحال الصحافة السورية بالنقد لا يعني ذلك إغماض العين عن سلسلة مترابطة من الشروط والقوانين تحتاج جميعها إلى تغيير أو تعديل على طريق إصلاح شامل يزيل حالة الاحتكار لساحة النشاط السياسي والإعلامي، ويرسي قواعد التعددية والعمل الديمقراطي في علاقة السلطة مع الدولة والمجتمع.

إن ما نحتاجه اليوم وبصورة ملحة في ظل الأوضاع الحرجة والعصيبة التي تمر بها البلاد هو إرادة واضحة نحو التغيير الديمقراطي وخصوصا لجهة المبادرة إلى رفع حالة الطوارئ والأحكام العرفية وإعادة النظر بقانون المطبوعات وغيره من القوانين التي تحد من حرية الإعلام والعمل الصحفي، بما يعيد بناء عتبة من الثقة ويعزز الأمل في النفوس ويساعد الناس على تجاوز حالة الخوف والسلبية ويحفز دورهم في التصدي لمهام البناء والتنمية ومواجهة ما يعترض الوطن من تحديات.

ما نحتاجه هو رسم صورة لمستقبل تسود فيه لغة الحوار ويتشبع بروح قبول الآخر وبشرعية وجود صحافة حرة تعبر عن تنوع فئات المجتمع وطبقاته، وبالتالي تعدد تياراته السياسية والفكرية وتكون عينا ساهرة على أداء من هم في موقع المسؤولية السياسية أو الإدارية، وتسهم بدورها في محاربة الفساد والاضطهاد وفي تحسين أساليب الدولة والنهوض بالمجتمع إلى مستويات منافسة.
ــــــــــــــــــ
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة