المسألة المذهبية في الشرق الأوسط   
الأحد 1434/2/10 هـ - الموافق 23/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 11:46 (مكة المكرمة)، 8:46 (غرينتش)
عبد الجليل زيد المرهون

أولاً- حال المسيحيين العرب
ثانياً- التعايش الإسلامي
ثالثاً- صراع سياسي لا احتراب مذهبي
رابعاً- خطر الحرب المذهبية

كيف يبدو النسيج الاجتماعي للشرق الأوسط؟ هل هناك حالة من التعايش الديني والعرقي، أم نحن بصدد مشهد للاحتراب المذهبي؟ وما علاقة الأوضاع في سوريا بالسجال الراهن في الخليج العربي؟ وهل الناس في هذا الخليج منقسمون عمودياً تجاه الملف السوري؟ وأخيراً، هل هذا الشرق مقبل على انفجار مذهبي وطائفي يُتوج بحرب جديدة في المنطقة، أو يكون مقدمة لها؟

أولا- حال المسيحيين العرب
يُعد الشرق الأوسط واحداً من أكثر أقاليم العالم تعددية، على صعيد نسيجه الاجتماعي وبنيته الثقافية. ويعتبر المجتمع العربي مجتمعاً تعددياً، تتجلى تعدديته إثنياً وحضارياً وإيكولوجياً.

ويتكون المجتمع العربي من أغلبية مسلمة وأقليات دينية أخرى، مسيحية بالدرجة الأولى، وهي تتعايش فيما بينها استناداً إلى القواسم القومية المشتركة، ووحدة الإطارين التاريخي والحضاري.
وقد نهضت الحضارة العربية على سواعد المسلمين والمسيحيين معاً. وهذا لا يرتبط بالتاريخ فقط، وإنما بالحاضر أيضاً، بل من بمقدوره تصوّر الآداب والفنون والمعرفة العربية بمنأى عن المسيحيين العرب.

جاء الربيع العربي معتلياً صهوة العدالة الاجتماعية، وهنا لاح بصيص من الأمل للمسيحيين العرب، إلا أن شيئاً لم يتحقق حتى اليوم

وفي الإطار الإسلامي ذاته، ينقسم المسلمون العرب ومسلمو الشرق الأوسط عامة، إلى فرعين رئيسيين هما السنة والشيعة. كما توجد في الوقت ذاته مذاهب إسلامية أخرى. وبالأمس القريب، أسس المسيحيون معظم الأحزاب العربية الكبرى، بل جميعها تقريباً، وساهموا قبل ذلك في تشييد حواضر العرب ومدنهم. 

ورغم ذلك لم يُقدر المسيحيون العرب حق قدرهم، إن على المستويات الوطنية، أو في السياق القومي العام. وكانت هذه إحدى بدايات اضطراب التعايش الأهلي العربي، بل إحدى مقدماته.

وفي عصر ما بعد الحرب الباردة، برز الاهتمام العالمي بحقوق الأقليات العرقية والدينية. وكان يتوقع أن يقود هذا المتغيّر باتجاه مزيد من الانفتاح على المسيحيين العرب، وإعادة الاعتبار إلى حقوقهم المدنية والسياسية التي سحقت في مجملها. 

ورغم ذلك فإن التطوّرات في الساحة العربية سارت -للأسف الشديد- عكس التيار العالمي تماماً، ليعاني معها المسيحيون العرب تهميشاً فوق تهميش. وهنا بدا التعايش الأهلي العربي وقد سقط في الامتحان مرة أخرى.

وأخيراً، جاء الربيع العربي معتلياً صهوة العدالة الاجتماعية، فلاح بصيص من الأمل للمسيحيين العرب، إلا أن شيئاً لم يتحقق حتى اليوم. وكان الأحرى أن ينعكس هذا الربيع إيجاباً على رؤية الإنسان العربي لعلاقته مع شركائه المسيحيين في الوطن والمصير. ولكننا رأينا اعتداءات يندى لها الجبين على أهلنا السريان في العراق، وانتاب مسيحيو مصر مزيداً من الشعور بالتهميش، رغم كونهم شركاء أصليين في ثورة 25 يناير. كما روعت الراهبات والرهبان في عدة أديرة وكنائس بسوريا، وما زال مسيحيو لبنان غير متيقنين بأن قانوناً جديداً للانتخابات سيُولد في ظلال الربيع العربي، ليُعيد لهم توازناً في التمثيل والحقوق.

والخلاصة أن التعايش الأهلي العربي ما زال يشكو خللاً فاضحاً على صعيد العلاقة بين المسلمين والمسيحيين.

ثانيا- التعايش الإسلامي
دعونا نتحدث الآن عن العلاقة بين المسلمين العرب أنفسهم، فمنذ البدء كان واضحاً ومدركاً لدى الجميع أن المسلمين لا خيار أمامهم سوى العيش في إطار القواسم العليا المشتركة والتأكيد عليها والانطلاق منها. ولذا، سعى المخلصون إلى جمع الكلمة ورص صفوف، باعتبار ذلك نوعاً من التقرب إلى الله تعالى.

ورغم ذلك فإن ما سعى إليه المخلصون لم يبلغ مرامه، إذ وجد بين الصفوف من امتهن الفتنة. ولأن الفتنة أشد من القتل، فقد كان وقعها شديداً ومدوياً، وهنا ابتلي العرب بواقع طائفي مذهبي مزدوج: فرقة بين المسلمين والمسيحيين، وأخرى بين السنة والشيعة.

وقد بدت "الطائفية" مصطلحاً مهيمناً على ما سواه، وهو لم يعد يشير إلى حالة غير سوية في العلاقات الإسلامية المسيحية وحسب، بل كذلك الإسلامية بين السنة والشيعة. وإن تعريفاً مبدئياً للطائفية يمكننا صياغته على النحو التالي: هي ميول متضخم أو متطرف نحو طائفة ما، ينطوي بالضرورة على نظرة دونية للطوائف الأخرى.

ونحن هنا أمام ظاهرة تختزل في الأصل بعداً اجتماعياً، وترتبط بحاضر مشدود بقوة إلى ماضيه.
ويعود نمو هذه الظاهرة لدى الأفراد إلى ثقافة الأنا، وهي تجد جذورها الأكثر عمقاً في التنشئة الأولى البعيدة عن حب الآخرين والإصغاء لما يقولون.

كذلك، فإن الفرد المشبع بالعصبية القبلية أو المناطقية يغدو أكثر ميلاً إلى التأثر بالظاهرة الطائفية والالتصاق بها، ولهذا فإن تنشئته في الصغر بعيداً عن التعصب القبلي والمناطقي قد تقيه في الكبر من ظواهر اجتماعية أكثر خطورة، كالتعصب الطائفي.

ورغم صعوبة تعريف الطائفية منهجياً بالظاهرة السياسية، فإن أطرافاً سياسية بعينها قد تمترست اليوم خلف رايات طائفية، دون لبس أو مواربة.

ومع دخول بعض المجموعات والقوى السياسية لعبة الصراع الإقليمي بأجندة وأدوات طائفية، اقتربت المسألة الطائفية من كونها معضلة جيوسياسية. وفي هذا قدر من التحول التاريخي، إذ لم يكن البعد المذهبي بعداً صريحاً ومعلناً حتى في الحروب الكبرى التي شهدها تاريخ هذا الشرق بين إمبراطوريات متنافسة ومتباينة مذهبياً.

شهد العقد الثامن من القرن العشرين واحدة من أعتى موجات المد الطائفي التي تحركت على ضفاف حرب السنوات الثماني بين العراق وإيران، والحرب الأهلية في لبنان

وفي هذا الشرق، شهد العقد الثامن من القرن العشرين واحدة من أعتى موجات المد الطائفي التي تحركت على ضفاف حرب السنوات الثماني بين العراق وإيران والحرب الأهلية في لبنان، معطوفة على التوترات السياسية في عدد من الأقطار والأقاليم العربية. 

الموجة الثانية انطلقت عام 2004 من العراق، لتتخذ على نحو سريع طابعاً إقليمياً وضع المنطقة برمتها على كف عفريت.

وكان المحرك لهذه الموجة الاقتتال الأهلي في بلاد الرافدين الذي بلغ ذروته عامي 2006 و2007، وكاد يدفع باتجاه حرب أهلية شاملة. وقد حدث ذلك تحديداً بعدما تبنت جهة معروفة -جلها من غير العراقيين- أجندة طائفية متطرفة ضد الدولة والمجتمع، وجدت إحدى ترجماتها في تفجير مقام الإمامين العسكريين في سامراء.

هذه الموجة لم تنته بعد، لكن محركها الراهن ليس الوضع في العراق، بل الواقع العربي عامة. والخلاصة، أن حلم التعايش ضمن البيت الإسلامي لا يبدو مكتملاً.

ثالثا- صراع سياسي لا احتراب مذهبي
وفي الآونة الأخيرة، بدت الأحداث في سوريا وقد أثارت قدراً من الهواجس ذات الصلة بالتعايش المسيحي الإسلامي، كما ضمن الإطار الإسلامي ذاته. فقد خشي البعض من هجرة كبيرة للمسيحيين، واقتتال مذهبي بين المسلمين أنفسهم، وهذه بالطبع هواجس مشروعة يقر بها الجميع.

ورغم ذلك ثمة وجه آخر لهذه المقولة يبدو فوضوياً، إن لم نقل انتهازياً بامتياز، فقد سعى البعض لاستغلال الوضع السائد في سوريا، وجعله منصة إطلاق للتصويب على طائفة إسلامية بعينها، محاولاً إثارة ما يُمكن إثارته من غرائز وهيجان طائفي.

لقد حاول هذا البعض تقديم صورة كاذبة للرأي العام مفادها أن سوريا منشطرة طائفياً، وهذا في الحقيقة سفه سياسي، فقد قدم الشعب السوري أجمل صور التعايش المذهبي والطائفي في هذا الشرق على مدى قرون من الزمن.

إن نقاشاً من هذا القبيل حول سوريا قد لا يكون مثاراً في مصر أو السودان أو المغرب العربي، لكنه مثار هنا في الخليج لغاية في نفس يعقوب. في هذا النقاش الفوضوي، ثمة محاولة لتصوير الطائفة الشيعية في الخليج كأنها في خلاف مع الشعب السوري، وإنني أرجو صادقاً وأسأل الله تعالى أن لا تكون المنطقة -على خلفية هذا الأمر- قد بدأت الخطوة الأولى على طريق البركان الذي لن ينجو منه أحد.

وللتذكير فقط، فإن شيعة الخليج ارتبطوا روحياً بسوريا منذ قرون، وأقاموا صلات رحم ومصاهرة على امتداد المدن والمحافظات السورية. وقد حدث نتيجة لذلك تمازج مذهبي كبير عبر الزيجات. ولست أعلم كم هو عدد الفتيان والصبايا الذين يفيقون كل صباح في قرى ومدن الخليج، وكل منهم يسأل عن خاله في إدلب أو حلب أو دمشق أو درعا. وإني لأدرك يقيناً أنه عدد كبير، وكبير جداً. فهل يا ترى يختلف المرء مع ذاته؟

بطبيعة الحال، يوجد بين هؤلاء -كشيعة الخليج عامة- من لديه رؤية تنحو يميناً وأخرى تنحو شمالاً، تجاه الوضع الراهن في سوريا. لكن جميع هؤلاء يقفون مع الشعب السوري وتطلعاته الوطنية، فليتصف الجميع بشيء من المنطق والإنصاف، وكفى مزايدات.

رابعا- خطر الحرب المذهبية
في سياق النقاش الدائر في الساحة الخليجية بشأن سوريا، سعى البعض للخلط بين أمانيه -أو لنقل رؤيته الخاصة- وبين حقيقة البيئة الفكرية والثقافية للشعب السوري، ذات الطابع العريق والمتحضر. وتحديداً، فقد سعى هذا البعض لإسقاط رؤيته التكفيرية الإقصائية على الساحة السورية، عنوة وزورا.

نحن نعلم اليوم أن الصناعة التكفيرية راجت وانتعشت في هذا الخليج، لكن هذه الصناعة -بكل بساطة- غير قابلة للتصدير إلى سوريا، ولا يوجد هناك من يشتريها. وليكن واضحاً للجميع أن مدن سوريا وأريافها لن تكون يوماً حاضنة للفكر التكفيري، وهذا حلم لن يبلغه أصحابه ومريدوه، سواء حكمت بلاد الشام سلطة دينية أو علمانية.  

بالأمس القريب، جرب بعض هؤلاء التكفيريين نفسه في العراق، وذهب إلى الأعظمية يُحرم على الناس شراء الثلج أو بيعه، لكنه رأى كيف كانت عاقبته.

لا بد من التشديد على أن لا أحد له الحق في تصدير الفتن الطائفية إلى سوريا أو غيرها، فذلك منحى خطير لا يستطيع أي شخص تصوّر عواقبه

ولا أظن أن الشام تختلف عن أعظمية النعمان في شيء، وأنا -كاتب هذه السطور- عشت في الأولى كما الثانية، وأزعم أن الناس ما زالوا كما عهدتهم، من إدلب إلى درعا.

ورغم كل ذلك، لا بد من التنبيه إلى خطورة اللعب بالنار في هذه المنطقة، ولا بد من التشديد على أن لا أحد له الحق في تصدير الفتن الطائفية إلى سوريا أو غيرها، فذلك منحى خطير لا يستطيع أي شخص تصوّر عواقبه. ويجب أن لا تغيب عن خلد أحد صورة عراق العام 2006. وعلى الجميع أن يدرك أن تصدير الفكر الطائفي وإعطاءه بُعداً إقليمياً من شأنه أن يحرق هذا الشرق بأكمله.

وخلافاً لتجربة العراق، فإن أي صراع أو توتر طائفي في سوريا سينتقل سريعاً عبر الحدود، دون أن تكون هناك أي قوة قادرة على وقف انسيابه. سيكون لبنان والأردن والعراق وتركيا ضحايا مباشرين لأي انفجار طائفي في سوريا، وسيكون الداخل الخليجي ضحية أخرى له، بل إن الخليج قد يشهد حرباً جديدة على وقعه. 

وحتى لا نصل إلى الساعة التي يحترق فيها هذا الشرق، كما احترق البلقان من قبل، فإن حكماء العرب معنيون بالتصدي الحازم للأطروحات الطائفية والمذهبية. 

إن المطلوب هو بث روح الألفة والمحبة بين الناس، فهم جميعاً شركاء في هذا الشرق، تجمعهم وحدة الحضارة والتاريخ والرابطة القومية. وعلينا كمسلمين ومسيحيين أن نستذكر تاريخنا المضيء، وندرك أن العيش المشترك هو قدرنا، ولا شيء غير ذلك.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة