المثقفون الأميركيون وتجاهل الخلفية السياسية لهجمات سبتمبر   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ ياسر الزعاترة*

في فبراير/شباط الماضي بعث 60 مثقفاً أميركياً رسالة مفتوحة إلى العالم الإسلامي بعنوان "على أي أساس نقاتل؟". وبعد ذلك بشهرين وتحديداً في أيار/مايو الماضي، بعث 153 مثقفاً سعودياً رسالة رد كان عنوانها "على أي أساس نتعايش؟"، وها هم المثقفون الأميركيون يردون على الرد برسالة أخرى حملت خمسة عناوين فرعية: حيث نتفق، حيث نسيء فهم بعضنا بعضاً، حيث نختلف، وثلاثة أسئلة تستحق الإجابة والتوضيح. في هذه السطور محاولة لقراءة الرد الجديد من المثقفين الأميركيين، وما إذا كان قد قرّب الأفكار من بعضها البعض، أم أبقى كل طرف في معسكره لم يغادره كي يسير خطوة باتجاه الآخر.


مبدأ "الاستعمالات العادلة للقوة" هو مدخل الشرور كلها، حين يوضع بأيدي ثلة من المتغطرسين الذين يعتقدون أنهم الأقدر على حكم العالم وتحديد شكل حركته وتحالفاته
في الفقرة الأولى "حيث نتفق" محاولة لإيجاد مساحة من التوافق على أفكار عامة تتصل بموقف الدين الإسلامي من الإنسان وتكريمه وتحريم العدوان عليه بصرف النظر عن دينه، إضافة إلى مبدأ العدالة، ثم التشديد على عالمية معظم القيم الإنسانية النبيلة وليس أميركيتها كما يمكن أن يفهم من رسالة المثقفين الأميركيين الأولى.

"الاستعمالات العادلة للقوة"
على أن العنوان الفرعي الأعلى في هذه الفقرة "حيث نتفق" لم يحل دون بروز خلاف أساسي فيما يتصل بمبدأ اللجوء إلى "لغة القوة"، حيث كان المثقفون السعوديون قد رفضوا هذا المبدأ فيما لم يوافقهم نظراؤهم الأميركان عليه، مستخدمين مصطلح "الاستعمالات العادلة للقوة"، لأن السياسة لا يسعها "التهرب من مسألة القوة"، واعتبرت الرسالة أن "من الأفضل الإقرار بهذا الأمر صراحة بدلاً من افتراض شرط غير متعارف عليه في الممارسة السياسية الفعلية، بل أيضاً في الممارسة الدينية".

هذا الخلاف لا يمكن أن يكون هامشياً، ذلك أن مبدأ "الاستعمالات العادلة للقوة" هو مدخل الشرور كلها، حين يوضع بأيدي ثلة من المتغطرسين الذين يعتقدون أنهم الأقدر على حكم العالم وتحديد شكل حركته وتحالفاته.

هذا المبدأ لا يوضع هنا بين يدي صدِّيقين يستخدمونه في الوقت المناسب من أجل مصلحة البشرية، بل يستخدمونه من أجل مصالح الولايات المتحدة، وأحياناً من أجل مصالح الدولة العبرية أو بعض الشركات الكبيرة أو حتى مصالح شخصية أو حزبية.

لعل المثال الأبرز على ذلك هذه الأيام هو هذه الحرب المعلنة على العراق، إذ إن أحداً في هذا الكون بطوله وعرضه لا يقتنع بحال من الأحوال أن حرب بوش على العراق هي من أجل إفساح المجال للشعب العراقي كي يتمتع بالحرية والديمقراطية والرفاه، فيما يبشره "صقور البنتاغون" بحاكم عسكري آخر. إن رائحة النفط في حرب بوش على العراق ومعها مصلحة الدولة العبرية لا يخطئها إحساس. ومن هنا فإن حكاية "الاستعمالات العادلة للقوة" لا يمكن أن تكون مقنعة، حتى لو قيل إن مجلس الأمن الدولي أو الأمم المتحدة هما المرجع، فقد ثبت أن الولايات المتحدة هي المتحكمة بهما وبمعظم المؤسسات الدولية.

العلمانية المطلوبة
في الفقرة الثانية "حيث نسيء فهم بعضنا البعض" تركيز واضح على مسألة "العلمانية"، حيث رفض المثقفون السعوديون هذا المصطلح. وهنا تفرق الرسالة بين ما هو مرفوض ممثلاً في العقيدة العلمانية المتشددة "العلمانوية" والتي عرفتها بأنها "قائمة على رفض الدين أو العداء للدين"، وبين ما تراه صواباً ويتمثل في "مبدأ الحكومة العلمانية"، والذي يعني "النظام الدستوري الذي لا يمنح رجال الحكم السلطة انطلاقاً من مكانتهم في الهرمية الدينية أو على أساس تعيين السلطات الدينية إياهم في مناصبهم". واعتبرت الرسالة أن "فصل الدين عن الدولة يسمح للدين بأن يكون ديناً عبر نزعه من السلطة القاهرة للحكومة".

إذا كانت "العلمانية" لا تنطوي على عداء للدين، فإن المسلمين لا يجدون فيها ما يناهض تطلعاتهم، وإذا كانت السعودية دولة ذات خصوصية كمهد للإسلام فإن الإسلاميين في العالم العربي والإسلامي لا يجدون مشكلة مع التوصيف الذي حملته الرسالة، فهم لا يبحثون عن حكم رجال دين، وليس في الإسلام رجال دين أصلاً، والحالة الإيرانية هي خصوصية للمذهب الشيعي، أما أهل السنة فلا يمنحون رجال السلطة الحكم انطلاقاً من مكانتهم في الهرمية الدينية بل انطلاقاً من قدرتهم على خدمة الأمة.

ما يجري في تركيا مثلاً هو عداء علماني سافر للدين، والإسلاميون هناك يقبلون تماماً الصيغة الغربية للعلمانية، وكذلك في تونس وفي كل العالم العربي، فهم عندما يرشحون أنفسهم للانتخابات لا يقولون للناس انتخبونا لأننا رجال دين بل لأننا أصحاب برنامج يقوم على استلهام روح الشريعة من أجل تحقيق المصالح العليا لكم وللوطن.

إن القول بتشريعات إسلامية يبشر بها الإسلاميون مثلاً لا يتناقض مع ما قالته الرسالة، فكما يملك الآخرون من يساريين وسواهم برامج تقوم على أفكار أيديولوجية، فإن الإسلاميين يملكون أيضاً برامج تستند إلى المرجعية الإسلامية من دون أن يطلبوا السلطة من منطلق مكانتهم الدينية.

إن الولايات المتحدة هي التي تحول دون تطبيق العلمانية وفق التصور الذي طرحته الرسالة في العالم العربي، من منطلق إدراكها لكون ذلك هو المدخل لصعود الإسلاميين والرافضين إلى سدة القرار، وهو أمر لا تعترف به الرسالة لا من قريب ولا بعيد، مع أن دعم الأنظمة الفاسدة هو جزء لا يتجزأ من سياسات الولايات المتحدة في المنطقة، بل إن نصائح الحرب على المعارضين ووسائل مطاردتهم وتحجيمهم هي جزء من عمل الدبلوماسية الأميركية في بلاد العرب والمسلمين.


إن حكاية "الاستعمالات العادلة للقوة" لا يمكن أن تكون مقنعة حتى لو قيل إن مجلس الأمن الدولي أو الأمم المتحدة هما المرجع، فقد ثبت أن الولايات المتحدة هي المتحكمة بهما وبمعظم المؤسسات الدولية
هجمات سبتمبر.. ومن المسؤول؟

في فقرة "حيث نختلف" تأخذ الرسالة على المثقفين السعوديين تجاهلهم لدور مجتمعهم "في احتضان العنف الجهادي وفي حمايته ونشره"، والمثال الأول على ذلك هو استخدام عبارة "المنفذين المفترضين"، والحال أنه آن الأوان للعرب والمسلمين أن يكفوا عن التشكيك بنسبة الهجمات إلى (القاعدة). وذلك من أجل التركيز على الأسباب الحقيقية التي دفعت نحو حدوثها بدل استمرار الجدل حول الاحتمالات.

ما تحمله الرسالة من تضخيم حول المشاركة السعودية في صياغة العنف الجهادي ليس صحيحاً بحال، فالسعودية لم تدعم العنف ضد الأنظمة العربية ولا ضد الولايات المتحدة، بل دعمت قضايا إسلامية كان أهمها "أفغانستان" في تقاطع معروف مع الولايات المتحدة. أما تحول هذا العنف نحوها، فله صلة بظروف موضوعية أخرى لا تملكها المملكة العربية السعودية، لأن الدولة لا تملك شرطة في عقل الناس لتطارد من يؤمن بذلك العنف ومن يملك الاستعداد لتمويله، لا سيما وأن الظروف المحلية تخدمه على نحو وافر.

أما تشبيه الرسالة لإنكار المثقفين السعوديين مسؤولية أبناء المملكة عن الهجمات بإنكار مفترض من قبل نظرائهم الأميركان لوقوع ظلم على الهنود الحمر أو استرقاق الأفارقة، فهو قياس لا يصح بحال لأنه مقارنة بين ممارسات من أوزان مختلفة إلى حد كبير، فقتل ملايين الهنود الحمر ظلماً وعدواناً والاستيلاء على أرضهم واسترقاق الأفارقة لا يمكن أن يقارن مع عملية قتل فيها ثلاثة آلاف، لا يمكن بحال إنكار ما حرّكها من دوافع مهما اتفق أو اختلف مع كونها مبرراً أم لا.


إن الولايات المتحدة هي التي تحول دون تطبيق العلمانية وفق التصور الذي طرحته الرسالة في العالم العربي من منطلق إدراكها لكون ذلك هو المدخل لصعود الإسلاميين والرافضين إلى سدة القرار
هناك ضمن هذه الفقرة من الرسالة رفض لمبدأ عزلة الولايات المتحدة داخل حدودها وتذكير بأن مجموعات إسلامية تنشط داخل الولايات المتحدة لنشر الإسلام. والحال أنه تشبيه لا يصح كسابقه، ذلك أن ثمة فارقا بين "فرض القيم" و"عرض القيم"، فالولايات المتحدة تفرض قيمها بسطوة القوة من خلال العسكرة والسيطرة على المؤسسات الدولية المالية والسياسية، أما المسلمون فيعرضون قيمهم وهم في حال ضعف. وفي كل الأحوال فإنه لم يسبق أن فرض المسلمون قيمهم على أحد وكان شعار "لا إكراه في الدين" هو حاديهم على الدوام.

في سياق آخر من الفقرة "حيث نختلف"، رفض لمقولة المثقفين السعوديين عن اعتدال الغالبية من الحركات الإسلامية على اعتبار أن الوضع القائم مرفوض لما يشكل من خطر على العالم. وهنا أيضاً ثمة تجاهل للأرضية السياسية التي حركت العنف ضد الولايات المتحدة. هذا الإنكار كان محور هذه الفقرة، حيث ترفض الرسالة ما أسمته "التوجه السائد" في رسالة المثقفين السعوديين، والذي يلقي اللوم في المشاكل التي يواجهها المجتمع على الجميع باستثناء المجتمع نفسه وقادته السياسيين.

الرسالة إذا ترفض الاعتراف بمسؤولية الولايات المتحدة عن الهجمات وتنقلها على المجتمع العربي والإسلامي الذي أفرز "العنف الجهادي". ولعل السؤال الأهم الذي لم يجب عنه الأميركيون هو لماذا الولايات المتحدة؟ ولماذا الآن؟ ألم يوجد "العنف الجهادي" منذ سنوات طويلة؟.


السعودية لم تدعم العنف ضد الأنظمة العربية ولا ضد الولايات المتحدة، بل دعمت قضايا إسلامية كان أهمها "أفغانستان" في تقاطع معروف مع الولايات المتحدة
"العنف الجهادي" لا ينشأ من الأفكار والموقف الأيديولوجي من الآخر، وإلا كان متواصلاً، بل ينشأ بفعل ظروف موضوعية تحفزه وتوفر له الدعم والغطاء الشعبي، وهذا كله قد توفر من خلال عداء الولايات المتحدة للأمة الإسلامية في أكثر من نقطة وعلى أكثر من صعيد، ولعل المثال الإسرائيلي هو الأبرز هنا. بل إن الفلسطينيين الذين يقاتلون الإسرائيليين لم يقولوا إنهم يقاتلون اليهود كيهود، وإنما كقوة محتلة.

إن رفض الرسالة التعامل مع الظرف الموضوعي الذي أفرز هجمات سبتمبر/أيلول هو تجاهل لسؤال "لماذا يكرهوننا؟"، وهو بالتالي انسياق خلف الموجة الصهيونية التي تريد تفسير الموقف من خلال نصوص الإسلام ذاته أو من خلال الحديث عن الفقر والدكتاتورية، مع أن جزءا لا بأس به من ذلك كله قد بات يرد في الوعي الشعبي إلى الولايات المتحدة التي تدعم الدكتاتورية والفساد لتواصل نهبها لثروات الأمة وإبقاء بلادها سوقاً للاستهلاك.

ثلاثة أسئلة
الأسئلة الثلاثة التي ختمت بها الرسالة ليست ذات قيمة إلى حد كبير، بقدر ما تعبر عما أشرنا إليه سابقا من إصرار على تجاهل الدور الأميركي في إنتاج الظرف الذي جعل هجمات سبتمبر/أيلول متوقعة بل ومرحب بها من قبل أوساط عربية وإسلامية شعبية كبيرة. والأسئلة هي:


  • مشاركة السعوديين في هجمات سبتمبر/أيلول لم تكن غير مصادفة أو لعلها المقتضيات الأمنية، لأن ما فعله الشبان القادمون من المملكة يمكن أن يفعله آلاف مؤلفة من دول أخرى لذات الأسباب والدوافع
    أولاً
    :
    هل تعتقدون أن التقوى الإسلامية التي تلتزمونها في المملكة العربية السعودية تتعارض مع ممارسات الحركات المسماة "جهادية"؟.
  • ثانياً: إذا كان جوابكم عن السؤال الأول إيجابا، فكيف تفسرون الدور البارز الذي اضطلع به عدد من السعوديين في اعتداءات 11 سبتمبر/أيلول، كما في التصاعد المستمر للحركات المسماة "جهادية" كظاهرة تهدد العالم أجمع؟
  • وأخيرا: هل ترون أن على القادة الدينيين والمثقفين السعوديين والذين يعتبرون أن ثمة تعارضا بين أحكام الإسلام وممارسات الجماعات الجهادية أن يعملوا فعلا وعلنا على نقض الأفكار والممارسات التي ينتهجها تنظيم "القاعدة" وما شابهه على أنها خاطئة وخطيرة؟.

إن تعارض "الفتوى الإسلامية" مع ممارسات الحركات الجهادية لا يقدم ولا يؤخر مادام الظرف الموضوعي يخدمها، فالدين الإسلامي مثل سائر الأديان لا يملك نصوصاً حدية فيما يصح ولا يصح، بل فيه ما يقبل التأويل، والذين نفذوا هجمات سبتمبر/أيلول وجدوا في عداء الولايات المتحدة لأمتهم واستهدافها لأهلهم وإخوانهم ما يبرر ما فعلوا.


كل قواميس اللغة لن تقنع أحداً بأن الذين يسقطون يومياً بطائرات الـ "إف 16" الأميركية في فلسطين هم أقل قداسة ممن سقطوا في هجمات سبتمبر
أما مشاركة السعوديين في الهجمات فلم تكن غير مصادفة أو لعلها المقتضيات الأمنية، لأن ما فعله الشبان الخمسة عشر القادمون من المملكة يمكن أن يفعله آلاف مؤلفة من دول أخرى لذات الأسباب والدوافع.

أما نقض أفكار هؤلاء من قبل المفكرين والعلماء فلن يكون ممكنا إذا لم تختف الظروف الموضوعية التي أنتجت توجهاتهم وأفعالهم، ذلك أن كل قواميس اللغة لن تقنع أحداً بأن الأطفال والنساء والشيوخ الذين يسقطون يومياً بطائرات الـ "إف 16" الأميركية في فلسطين هم أقل قداسة من الزاوية الدينية والإنسانية ممن سقطوا في هجمات سبتمبر/أيلول.

_______________
*كاتب صحفي فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة