توازنات القوة الجديدة في العراق   
الأربعاء 1429/6/21 هـ - الموافق 25/6/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:12 (مكة المكرمة)، 12:12 (غرينتش)
طلعت مسلم


- القوات العراقية والملف الأمني
- هل انهارت القاعدة؟
- القوات الأميركية أكثر أمنا

مثلت العمليات الأخيرة في البصرة والموصل ومدينة الصدر بعض التقدم في قدرات الحكومة العراقية وإن كان ذلك يرجع لأسباب تتعلق بعلاقات العناصر الداخلية بعضها ببعض، وتحول بعضها إلى صراع مع عناصر القاعدة، بعد أن كانت تتعامل معها باعتبارها عناصر مقاومة.

ويبدو ذلك بصفة خاصة متعلقا بعلاقة المقاومة البعثية وبعض العناصر السنية والعشائرية بتنظيم القاعدة.

"
يعترف جميع القادة الأميركيين بلا استثناء بأن التقدم الذي أحرز حتى الآن "ما زال هشا"، وأن المقاومة يمكن أن تعود إلى النشاط في أي وقت
"
القوات العراقية والملف الأمني

تتضارب بيانات القوات الأميركية وبيانات المقاومة بشدة، ولكن من المؤكد أن قوات الحكومة العراقية قامت بعمليات في كل من البصرة والصدر والموصل، وأن هذه العمليات حققت بعض النجاح سواء بالقبض على من اعتبرتهم مسلحين أو قتل آخرين، وغالبا إصابة البعض أيضا.

بل إن تصريحات بعض الأميركيين تتناقض فيما بينها، ففي حين يصرح السفير الأميركي في العراق كروكر بأن القاعدة لم تكن في وقت من الأوقات قريبة من الهزيمة مثل ما هي الآن، نجد الجنرال بتراوس يقول يوم 22 مايو/أيار بالرغم من أن العراق وقوات التآلف حققت مكاسب أمنية خلال 15 شهرا الماضية، فإن القاعدة هي أعلى أولويات التهديد لكثير من الدول في المنطقة بالإضافة إلى تهديدها للولايات المتحدة وكثير من حلفائنا في العالم.

كما يعترف جميع القادة الأميركيين بلا استثناء بأن التقدم الذي أحرز حتى الآن "ما زال هشا"، وأن المقاومة يمكن أن تعود إلى النشاط، ولكن بتراوس قال للجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ إن حوادث الأمن هذا الأسبوع هي الأقل في العراق منذ أكثر من أربع سنوات، وإن العمليات في البصرة والموصل ومدينة الصدر قد أثبتت تدريب القوات العراقية والمرونة والتصميم اللذين تتمتع بهما.

أما المقاومة العراقية فهي عادة ما تنشر أرقاما عن خسائر القوات الأميركية والعراقية أكثر بكثير مما تعلنه القوات الأميركية والحكومة العراقية، وربما كان خبر قتل وإصابة 34 جنديا أميركيا وعراقيا يوم 23 مايو/أيار 2008 مثالا على ذلك، حين تحدثت عن إصابة ستة جنود أميركيين وثمانية وعشرين من الشرطة والجيش الحكوميين، وإن لم تنكر ذلك القوات الأميركية.

كما اعترفت الشرطة العراقية بالعثور على خمس جثث لجنود عراقيين قتلوا برصاص المقاومة خلال الاشتباكات في الموصل.

وقد نشرت تقارير المقاومة العراقية نبأ مقتل ثلاثة أميركيين وشرطي عراقي في انفجار سيارة ملغومة يوم 26 مايو/أيار، وكذا انفجار قنبلة قرب مدينة الصدر ومقتل جندي أميركي في صلاح الدين في نفس اليوم، وهجوم بقنبلة في الموصل في نفس اليوم جرح سبعة في موكب اللواء مارد عبد الحسين.

أما في مدينة الصدر فقد تعرضت القوات الأميركية لهجمات عدة مرات بالأسلحة الخفيفة، وكان مقتدى الصدر رأس التيار الصدري قد أعلن هدنة مع القوات العراقية بحجة التركيز على القوات الأميركية، إلا أن أعمال القوات العراقية المدعومة أميركيا استمرت.

كما أنه من الواضح أن جيش المهدي الذي يمثل الذراع العسكري للتيار الصدري لم يلتزم هو الآخر بإيقاف النيران.

"
هناك احتمال بتحول الجيش إلى التسييس الذي نسف قوة الشرطة من قبل، وإلى تحوله عاملا طائفيا إضافيا يمكن أن يدفع بالعراق إلى حرب أهلية، وبذلك تتحول خطط الولايات المتحدة لتحقيق سيطرة أكبر على العراق وقواته إلى أيدي المليشيات وفرق الموت
"
هل انهارت القاعدة؟
من المؤكد أن ما يبدو من سيطرة القوات الحكومية على الموصل مظهر زائف، إذ لم تكن الموصل في أي وقت من الأوقات تحت سيطرة القاعدة، لكنها كانت قادرة فيها على القيام بأعمال مؤثرة على القوات الحكومية العراقية المدعومة أميركيا.

لذا فإنه من المتوقع أن تستأنف عناصر القاعدة، وعناصر المقاومة العراقية الباقية -التي تتخذ من الموصل مقرا لها ومنطلقا لأعمالها القتالية- نشاطها بعد أن تعود قوات الحملة إلى قواعدها كما سبق أن جرى ذلك في المعارك السابقة في الفلوجة وغيرها.

من الواضح أن أعمال المقاومة الأخيرة تؤكد أن قوى المقاومة ما زالت قائمة، كما أنها تقوم بأعمال ضد كل من القوات الأميركية والقوات العراقية.

وليس من المتصور أن تحاول قوات المقاومة أن تجاري قدرات القوات العراقية سواء من حيث الحجم أو التسليح أو أساليب القتال، وإلا فقدت أهم مميزاتها.

لكن قوى المقاومة -بعيدا عن القاعدة وجيش المهدي- تستخدم أساليب تعتمد على الاختفاء والإعداد الجيد ثم العمل المفاجئ السريع، وهذا كله لا يناسب التصدي لهجوم القوات الأميركية أو العراقية أو كليهما.

تشتمل القوات العراقية على قدرات عالية من حيث العدد والمعدات، لكن هذه القدرات مرتبطة بمدى كفاءة استخدامها وقيادتها.

فوفقا لبيانات المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية بلندن تشتمل قوات الأمن العراقية على نحو ثلاثمائة وستين ألفا ومائة جندي، ويشتمل الجيش العراقي على مائة وثلاثة وستين ألفا وخمسمائة جندي مسلحين بنحو 77 دبابة و352 ناقلة جنود مدرعة.

ويشتمل الجيش على عشر فرق مشاة وفرقة ميكانيكية (منهم فرقتان 50% أكراد) وينتظر أن تتحول فرقة ثانية إلى ميكانيكية وأخرى مدرعة وتشتمل كل فرقة على 3-5 ألوية و2-5 كتائب مشاة خفيفة.

ويحصل جنود الجيش العراقي على تدريب أساسي لمدة ثمانية أسابيع قبل إرسالهم للخدمة الفعلية، ويحصل الجندي على مرتب شهري قدره 460 دولارا مقارنة بما كان يحصل عليه المجندون في الجيش العراقي قبل الغزو بما يعادل دولارين فقط شهريا، وفي ظل بطالة تتراوح بين 25% و40%، وهو ما يفسر استمرار التطوع في الجيش العراقي رغم المخاطر.

يعاني الجيش العراقي من الطائفية إذ إن 60% إلى 75% من جنوده من الشيعة وثلاثة قادة فرق من الأكراد، وأربعة من الشيعة وأربعة من السنة، كما يعاني من نقص في الاستكمال بالأفراد 60% إلى 70%، ومن نقص في الإمداد ونقص في القادة المؤهلين، ومن اختراق المليشيات مما يرجح أنه بعيد سنين عن أن يكون قوة فاعلة بدون دعم قوات التحالف.

كذلك فقد عانى الجيش مؤخرا من استغلال مكتب القائد العام الذي أنشأه نوري المالكي لنفسه، ومستشاري رئيس الوزراء من استغلال سلطته لتحريك القوات حول ميدان القتال باستخدام الهواتف الجوالة للاتصال مباشرة بالضباط وانتهاك سلسلة القيادة، كما أتلفت التوافق الإداري لوزارة الدفاع وسلطة وزير الدفاع.

وتشتمل قوات وزارة الداخلية على ثلاثة وثلاثين ألف جندي بينما تشتمل قوات البوليس العراقي على 135 ألفا بما فيها دوريات الطرق السريعة.

هناك شكوك حول إمكان أن يتحول الجيش إلى التسييس الذي أدى إلى نسف قوة الشرطة، وإلى عامل طائفي إضافي يمكن أن يدفع بالعراق إلى حرب أهلية، وهكذا تتحول خطط الولايات المتحدة الأميركية لتحقيق سيطرة أكبر على العراق وقواته إلى أيدي المليشيات وفرق الموت.

ويمكن إسناد قوات الأمن والشرطة بأسراب استطلاع بواقع سرب في البصرة وآخر في كركوك تشتمل على هليكوبترات منها هليكوبترات معاونة (مسلحة) وطائرات استطلاع.

وتشير تقارير مرفوعة إلى الكونغرس إلى أن أكثر من عشر مناطق من أصل ثماني عشرة أصبحت تعمل تحت سيطرة إقليمية عراقية.

"
لم يعد هناك ما يمكن تسميته توازنات القوة الجديدة في العراق، إذ لم تعد هناك قوى في العراق، بل أصبحت هناك توازنات ضعف
"
القوات الأميركية أكثر أمنا

يبدو أن الخطر على القوات الأميركية قد انخفض بحيث يمكن أن يبرر عودة جزئية للقوات الأميركية، وكان الجنرال بتراوس قد أفاد بأن وفيات المدنيين انخفضت بنسبة 45%، لكن هذه القوات ما زالت بعيدة عن المأمن من الخطر، بل إن بعض ما جرى يقصد منه أن تتفرغ عناصر المقاومة لمواجهة القوات الأميركية بدلا من أن يواجهوا كلا من القوات الأميركية والقوات العراقية معا.

لكن هذا الاتجاه يواجه إصرار ما يسميه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بسط سلطة الدولة، وأن تلقي العناصر المسلحة بأسلحتها وخاصة الأسلحة الثقيلة، وهو ما يبدو أنه غير قابل للتحقيق.

وجيش المهدي الذي اعتبرته وزارة الدفاع الأميركية المصدر الأكبر خطرا على الأمن في العراق، وقالت إنه قادر على أن يحل مكان تنظيم القاعدة باعتباره إحدى أكثر المجموعات قدرة على إشعال العنف الطائفي.

وقد وصل جيش المهدي إلى ما يزيد عن ستين ألفا حسب "مجموعة العراق الإحصائية" إلا أن بعض التقديرات ترفع عدده إلى مئات الآلاف، وقد تم تجنيد كثير من الأفراد تحت شعارات تدعو إلى الدفاع عن الشيعة والعراق ضد الاحتلال.

وهناك قلق لدى كل من القوات الأميركية والعراقية من نشاط جيش المهدي في صفوف قوات وزارة الداخلية العراقية والجيش العراقي، خاصة أن له وجودا في مختلف الإدارات الحكومية.

ومن الواضح أن كلا من تنظيم القاعدة وجيش المهدي لديهم أسلحة خفيفة، وأنهم يعتمدون بدرجة كبيرة على زرع العبوات الناسفة على جوانب الطرق في الغالب، ومهاجمة دوريات ومناطق تمركز الشرطة العراقية والجيش الأميركي، كما تستخدم الهجمات الانتحارية في مهاجمة هذه الأغراض.

لكن مقتدى الصدر -رجل الدين الشيعي الذي يقود التيار الصدري- يتردد بين القتال والمقاومة والهدنة، فقد سبق أن أعلن عن هدنة لمدة ستة أشهر ووقف الهجمات على الأميركيين والأطراف الأخرى، ثم عاد فاستأنف القتال بعد انتهاء المهلة، إلا أنه عاد مرة أخرى ووافق على وقف إطلاق النيران من أجل إنهاء القتال الدائر في مدينة الصدر بين القوات الحكومية -التي تساندها القوات الأميركية- ومسلحي جيش المهدي.

إلا أن الاشتباكات اندلعت في مساء نفس يوم توقيع الاتفاق، مما أثار أسئلة حول مدى سيطرة مقتدى الصدر على الآلاف من المسلحين الذين يعلنون انضواءهم تحت لوائه.

وفي الخلاصة لم يعد هناك ما يمكن تسميته توازنات القوة الجديدة في العراق، إذ لم تعد هناك قوى في العراق، بل أصبحت هناك توازنات ضعف، وأصبح الأغلب أن القوات الأميركية ستسلم العراق إلى المليشيات وفرق الموت التي لا يمكن اعتبارها قوى يمكن أن تشكل مستقبل العراق.

وستضطر القوات الأميركية إلى الانسحاب الجزئي والتدريجي، والانكماش إلى قواعد منعزلة بعيدا عن المناطق المأهولة بالسكان، وتترك للعراقيين أن يدبروا أمورهم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة