السجال السياسي الإسرائيلي بشأن الهبة الفلسطينية   
الخميس 23/1/1437 هـ - الموافق 5/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 20:30 (مكة المكرمة)، 17:30 (غرينتش)
نبيل السهلي


الأمن كأولوية
زخم السجالات
ترسيخ الحقد

مع استمرار الهبة الفلسطينية بصورها المختلفة في الضفة الغربية وقطاع غزة والمناطق المحتلة عام 1948 ارتفعت وتيرة السجالات السياسية في إسرائيل بين الأطياف المختلفة بشأن تداعيات وطرق التعاطي مع تلك الهبة.

وتركزت الهواجس الجامعة حول الانعكاسات المحتملة للهبة الفلسطينية على الساحة الإسرائيلية في كافة مناحي الحياة، وقد عزز المخاوف تخلخل عنصر الأمن الذي يعتبر الركيزة الأهم للاقتصاد والهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة، والاستمرار في بناء جيش قوي لحماية منجزات إسرائيل من جهة، وتحقيق أهدافها الإستراتيجية من جهة أخرى.

الأمن كأولوية
يلحظ المتابعون لتحولات المشهد الإسرائيلي بعد الهبة الفلسطينية اتساع حالة الارتباك والخوف لدى شريحة كبيرة من الإسرائيليين، وهي الحالة التي عبر عنها في الدعوات لمنح تراخيص حمل السلاح لمواجهة عمليات طعن المستوطنين بالسكاكين من قبل الشبان الفلسطينيين، كما عكس ارتفاع هذه الطلبات والدعوات لذلك من قبل قيادات وأحزاب إسرائيلية الهواجس التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي منذ بداية أكتوبر/تشرين الأول، أي منذ اليوم الأول لانطلاق الهبة الفلسطينية.

يلحظ المتابعون لتحولات المشهد الإسرائيلي بعد الهبة الفلسطينية اتساع حالة الارتباك والخوف لدى شريحة كبيرة من الإسرائيليين، وهي الحالة التي عبر عنها في الدعوات لمنح تراخيص حمل السلاح لمواجهة عمليات طعن المستوطنين

وقد أكد محلل الشؤون العسكرية والأمنية في الإذاعة الإسرائيلية إيال عليمة أكثر من مرة أن "الدعوات لحمل السلاح تعكس حالة الرعب التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي".

لكن عليمة شكك في المصادقة بشكل واسع على طلبات ترخيص السلاح رغم تعالي الأصوات التي تدعو لذلك، مستشهدا في ذلك بتحفظ الدوائر الأمنية في الغرف المغلقة على مثل هذا الإجراء، حيث تبدي قلقها من إمكانية أن يفتك السلاح بالنسيج الاجتماعي الداخلي للمجتمع الإسرائيلي ويسهم في تغذية وتنامي العنف والجريمة.

وذهب المحلل السياسي الإسرائيلي عكيفا إلدار إلى أبعد من ذلك "حيث اعتبر الدعوات الرسمية لتسليح المجتمع الإسرائيلي بمثابة تشريع للقتل والضغط على الزناد، ناهيك عن أنها مؤشر على أن نتنياهو مأزوم سياسيا وعاجز عن مواجهة الواقع، ويسعى إلى إدارة الأزمة مع الجانب الفلسطيني دون السعي أو المبادرة لأي تسوية سياسية، حيث انساق وراء معسكر اليمين المتطرف الذي يريد إشعال حرب دينية".

وكنموذج عن الانتقادات القوية التي يتعرض لها الائتلاف الحاكم من اليسار واليمين وصف إسحاق هرتسوغ رئيس المعارضة الإسرائيلية رئيس حزب "المعسكر الصهيوني" حكومة نتنياهو بحكومة الفيسبوك، نظرا لأنها تكتفي بالأقوال والتعليقات ولا تفعل شيئا لتوفير الأمن والاستقرار للمجتمع الإسرائيلي، الأمر الذي يشي بأن عنصر الأمن هو القاسم المشترك الأعظم لكافة الأطياف السياسية في إسرائيل بغض النظر عن مسمياتها وتوصيفها.

زخم السجالات
ارتفعت وتيرة السجالات في الساحة السياسية الإسرائيلية منذ اليوم الأول لانطلاق الهبة الفلسطينية، حيث يسعى كل حزب أو حركة إلى كسب الرأي العام، ولهذا قالت رئيسة حزب ميرتس المعارض زهافا غالؤون في تصريحات إعلامية "إن هدم المنازل والاعتقالات بالجملة خطوة تقليدية غير مجدية، وتكشف ضعف وقلة حيلة الحكومة مقابل الإرهاب".

وتابعت في حديث للقناة العاشرة قبل عدة أيام "هذه الخطوات ليست حربا على الإرهاب، إنها غبية وغير نافعة وليست محقة ولا حكيمة، فهي تؤجج الكراهية وتنتهك القانون الدولي كونها عقابا جماعيا قاسيا هدفها العلاقات العامة".

وقالت غالؤون "إن الحكومة ورئيسها يعرفان أن التهديدات باجتياح الضفة في حملة جدار واق جديدة هي مجرد هراء لأنه لا يستطيع أي شخص أن يجمع الحجارة والسكاكين من الضفة الغربية".
وأكدت أن ما يضمن لإسرائيل الأمن للمدى البعيد هو الذهاب لتسوية سياسية، وهي عملية يرفضها نتنياهو.

وتابعت "ينبغي محاربة الإرهاب ومحاكمة القتلة والمخططين والتفكير بكيفية وقف الموجة المرعبة قبل التورط بتصعيد الأحوال". وأضافت أن "تهديدات نتنياهو تكشف قلة حيلة حكومته مقابل الإرهاب"، وتدلل على أنه غير معني باقتراح أي تسوية حقيقية، مفضلا الاكتفاء بما هو شعبوي طمعا بالمزيد من البقاء في السلطة.

وفي الوقت الذي يواصل فيه الائتلاف الحاكم في إسرائيل اتهام الرئيس عباس وحركة حماس والحركة الإسلامية الشق الشمالي بالتحريض على العنف والكراهية لليهود انضم هرتسوغ إلى المحرضين على القيادات السياسية لفلسطينيي الداخل وأخذ يهاجم النواب العرب، متهما إياهم بالتحريض لمجرد تحقيق مكاسب سياسية، وركز على مهاجمة النائب جمال زحالقة.

وقد بلغت مزايدات هرتسوغ على قادة اليمين إلى حد قوله إنه من أجل منع اندلاع انتفاضة ثالثة فإنه سيكون أكثر تطرفا من نتنياهو. واستفز تصريح هرتسوغ المكرر الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي الذي تساءل قائلا "نتنياهو مسؤول عن قتل أكثر من ألفي فلسطيني في غزة، فهل هذا يعني أن هرتسوغ مستعد لقتل عشرات الآلاف من أجل منع اندلاع الانتفاضة؟".

واللافت أن المزايدات السياسية طالت نتنياهو لتشمل رموز اليمين الإسرائيلي، وفي مقدمتهم رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان، حيث وصف حكومة نتنياهو الرابعة بالضعف والعجز عن اتخاذ قرارات حاسمة إزاء الفلسطينيين، داعيا إياها لتصفية "مملكة الإرهاب" في غزة.

وقال ليبرمان في مقابلات صحفية "إن نتنياهو يستنسخ الشعارات والتصريحات، وإنه لم يغير سوى أوتار الصوت"، كما وصف ليبرمان تصريحات نتنياهو إزاء هبة الفلسطينيين بالتجميلية والعلاقات العامة.

ويسعى ليبرمان من خلال تصريحاته العنصرية والمتشددة ضد العرب إلى زيادة قوة حزبه بعد الضربة الكبيرة التي تلقاها بالانتخابات العامة في مارس/آذار الماضي، والتي أدت إلى تراجع تمثيله في الكنيست من 15 مقعدا إلى ستة مقاعد فقط، ويدعو في ذات الوقت إلى انتخابات مبكرة للانضمام إلى حكومة أكثر قوة، الأمر الذي يؤكد أن تصريحاته حول ضرورة الحزم ضد هبة الشعب الفلسطيني تعتبر رسائل لكسب الرأي العام الإسرائيلي قبل إجراء انتخابات محتملة.

وقد يستفيد ليبرمان من الانزياح الواضح لنسبة كبيرة من المجتمع الإسرائيلي باتجاه اليمين ومزيد من العنصرية والحقد ضد العرب، سواء داخل الخط الأخضر أو في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ترسيخ الحقد
تجمع الدراسات والبحوث بشأن المناهج التعليمية في إسرائيل على أنها تعلم الحقد والكراهية، فقد نشر الباحث الإسرائيلي إيلي بوديا -من جامعة حيفا- دراسة حول كتب مناهج التاريخ في مدارس إسرائيل تحت عنوان "الصراع الإسرائيلي" في كتب التاريخ الدراسية العبرية، حيث استنتج أن هذه المناهج تساهم في استمرار الصراع العربي الإسرائيلي، وفي تعثر صنع معاهدات سلام مع الفلسطينيين، ويصف المناهج بأنها مشوهة بفكر صهيوني متطرف يربي كراهية وحقدا ضد العرب بشكل عام وضد الفلسطينيين بشكل خاص، حيث يجردهم من إنسانيتهم ويصفهم بالتوحش والعنف والإرهاب والتأخر والإجرام والقذارة والحيوانية.

يصف الباحث الإسرائيلي إيلي بوديا المناهج بأنها مشوهة بفكر صهيوني متطرف يربي كراهية وحقدا ضد العرب بشكل عام وضد الفلسطينيين بشكل خاص، حيث يجردهم من إنسانيتهم ويصفهم بالتوحش والعنف والإرهاب والتأخر والإجرام والقذارة والحيوانية



وقد أثنى على هذا الوصف الباحث الصهيوني سيجريد ليحمان بقوله "نحن كإسرائيليين نميل إلى تصور العرب كأغيار، وكأوروبيين نتصورهم كعدو آسيوي لطموحاتنا الوطنية، وكاشتراكيين نتصورهم كأسوأ أنواع التخلف".

ويؤكد الباحثون في مناهج التعليم العبرية أن الطالب اليهودي في إسرائيل يتعلم "أن الله قد حلل قتل الأغيار وتدمير مدنهم، وأن قتل هؤلاء الأغيار هو واجب ديني".

لعل الدارس لطبيعة المجتمع الإسرائيلي يلاحظ تلك الملاءمة والتوافق القوي بين أهداف التربية اليهودية من جهة وأهداف الحركة الصهيونية وحاجات المجتمع الإسرائيلي من جهة أخرى، فقد كانت التربية اليهودية بخلفيتها الدينية والتوراتية التلمودية العنصرية وبفلسفتها المستمدة من تعاليم الصهيونية العدوانية هي الوسيلة الأولى والأهم التي استخدمت لتحقيق أهداف الحركة الصهيونية في إنشاء دولة إسرائيل عام 1948 واستمرارها حتى اللحظة.

ويمثل مشهد التقتيل اليومي للفلسطينيين على امتداد فلسطين التاريخية من قبل الجيش الإسرائيلي والمستوطنين لكسر هبة القدس المتجددة دالة كبرى على أن الصهيونية تعلم الحقد والكراهية ضد العرب الفلسطينيين.

يبقى القول إنه رغم دعوات أطياف السياسية الإسرائيلية لقمع الشعب الفلسطيني وإيقاف هبته ثمة إجماع وهلع إسرائيليان في المستويين السياسي والأمني من عدم قدرة الجيش الإسرائيلي على قمعها رغم توصيف حكومة نتنياهو الهبة الفلسطينية "باعتبارها رد فعل ناتج عن حملة تحريض كاذبة يديرها الرئيس الفلسطيني محمود عباس وحركة حماس والحركة الإسلامية في إسرائيل والمفكر العربي الدكتور عزمي بشارة".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة