المانيفست الأميركي.. كولن باول والديمقراطية   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم: إلياس حنا*

- العالم والقدر الأميركي
- العرب وتبدلات ما بعد 11 سبتمبر/ أيلول
- موقع مبادرة كولن باول الديمقراطية

العالم والقدر الأميركي

كتب الصحافي الأميركي جون.ل. أوسوليفان في العام 1839، أهم مقال في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية تحت عنوان الـManifest Destiny2. والمقصود بالمانيفست هو القدر الذي رسم للولايات المتحدة كي تتوسع وتستمر بالتوسع. وقد أتى في هذا المقال ما معناه "...كتب على أمتنا أن تنفصم عن الماضي.. وقدرها أن تكون أمة عظيمة للمستقبل.. فخرنا أنه ليس لدينا بقايا من الماضي الأليم.. هدفنا الدفاع عن الإنسانية والأمم المضطهدة.. ولا يمكن لقوى الطغيان أن تنتصر علينا.. عصر العظمة الأميركية سوف يكون دون حدود.. نحن أمة مؤلفة من عدة أمم، قدرها أن تظهر للبشرية أهمية المبادئ السماوية.. اختيرت أميركا لتسدد ضربة قاتلة للملوك وحكم القلة، ولتحمل رسالة السلام.. ومن يشك إذن بأن قدر بلادنا هي أن تكون الأمة العظمى في المستقبل؟".


كان الثابت في سياسات الإدارات الأميركية المتعاقبة الشعارات التي تتعلق بالحرية والديمقراطية، وكان الثابت أيضا في مسخ صورة الآخر لتبرير السياسات العنفية المعتمدة، فكان هتلر الطاغية وكانت إمبراطورية الشر مع ريغان، وأخيرا وليس آخرا كان العالم منقسما مع بوش الابن بين خير وشر، وكان محور الشر أيضا
أدى تطبيق هذا القدر الأميركي إلى توسع وتمدد الإمبراطورية الأميركية، لكن على حساب شعوب أخرى تم القضاء عليها تقريبا. اعتبر الرئيس الأميركي الراحل تيودور روزفلت أن للاستعمار مهمة سامية، تقوم على تثقيف ورفع مستوى المستعمر، فهو اعتبر أن الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي أفضل منه دون هذا الاستعمار. وهو اعتبر أن الهند استفادت من الاستعمار الإنجليزي كثيرا. اعتبر روزفلت أيضا أن كلا من ألمانيا واليابان وروسيا يشكلون خطرا على السلام العالمي. كذلك اعتقد أن القرن العشرين هو قرن الرجل الذي ينطق باللغة الإنجليزية، إضافة إلى ذلك أراد الرئيس الأميركي ماكنلي الذي كان يؤمن بالداروينية استعمار الفلبين فوقع مئات آلاف القتلى نتيجة لذلك.

إذن وانطلاقا من المهمة السامية التي ذكرناها آنفا نلاحظ أن الثابت في سياسات الإدارات الأميركية المتعاقبة، كان في الشعارات التي تتعلق بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وكان الثابت أيضا في مسخ صورة الآخر لتبرير السياسات العنفية المعتمدة، فكان هتلر الطاغية وكانت إمبراطورية الشر مع الرئيس رونالد ريغان، وأخيرا وليس آخرا كان العالم منقسما مع الرئيس بوش الابن بين خير وشر وكان محور الشر أيضا.

عندما بدأت أميركا بالتوسع كانت تحتل الأرض لتؤمن مصالحها، فكانت الفلبين وألمانيا واليابان وفيتنام ولا تزال كوريا مثالا واضحا حتى الآن، لكنه ومع التبدل في التركيبة العالمية ومع انتقال العالم للاعتماد على نوع جديد من الاقتصاد والذي راح يعتمد على نوع مبتكر من مصادر الثروة المتمثل بثورة المعلومات، بدا احتلال الأرض مكلفا كثيرا وأصبحت إمكانية السيطرة على الآخر ممكنة عن بعد، تمثلت ذروة هذه المرحلة بالسقوط الذريع للاتحاد السوفياتي.

بعد سقوط الدب الروسي، راحت أميركا تركز كثيرا على الاقتصاد والانفتاح، وتراجعت اهتماماتها الأمنية إلى المصاف الثاني، حتى يمكننا القول إنها أهملتها تماما، إذ تقدم الاقتصاد وتراجع الجيوبوليتيك.

العرب وتبدلات ما بعد 11 سبتمبر

بعد 11 سبتمبر/ أيلول تراجع الحديث عن الاقتصاد واسترجع الجيوبوليتيك مكانته السابقة، فلم نعد نسمع كما في السابق خلال القمم الكبرى بين الجبابرة سوى الحديث عن الاهتمامات الأمنية، بعد 11 سبتمبر/ أيلول بدا أن احتلال الأرض هو الوسيلة الناجعة لتحقيق الأهداف وتأمين المصالح الأميركية.

فبعد الخروج العسكري الأميركي من الفلبين وباكستان وأفغانستان ها هي تعود وبقوة عسكرية من نوع جديد، حتى إنها وجدت حديثا في أماكن جديدة لم تكن فيها سابقا، كاليمن وجورجيا وجيبوتي وكينيا وغيرها.


بعد 11 سبتمبر/ أيلول اعتبرت أميركا أن المنطقة العربية هي مصدر الخطر الأساسي عليها، فهي المنطقة التي تمول وترعى وتدرب الإرهاب، وفيها يجد الإرهابيون ملاذهم بعيدا عن البطش الأميركي، وهي المنطقة التي تسعى كل دولها لحيازة أسلحة الدمار الشامل، وفيها الطغاة وفيها الأصولية
اعتبرت أميركا أن العرب طعنوها بالظهر من خلال حادثة 11 سبتمبر/ أيلول، فهي التي ساعدت مصر عام 1956 إبان العدوان الثلاثي عليها، وهي التي أنقذت مصر وسوريا من الهزيمة الكاملة عام 1973. وهي التي كانت تمول المجاهدين الأفغان ضد العدو السوفياتي، وهي التي حررت الكويت من جاره العراق، وهي التي عقدت مؤتمر مدريد لإيجاد حل للقضية الفلسطينية، وهي التي دخلت وسيطا بين إسرائيل وأبو عمار، رغم أن هذا الأخير كان قد وقّع اتفاق أوسلو دون علمها، وهي أيضا التي ساعدت المسلمين في كوسوفو.

بعد 11 سبتمبر/ أيلول اعتبرت أميركا أن المنطقة العربية هي مصدر الخطر الأساسي عليها، فهي المنطقة التي تمول وترعى وتدرب الإرهاب. وفيها يجد الإرهابيون ملاذهم بعيدا عن البطش الأميركي، وهي المنطقة التي تسعى كل دولها لحيازة أسلحة الدمار الشامل، وفيها الطغاة وفيها الأصولية وهي نقطة انطلاق المخططات الإرهابية ضد العالم الغربي خاصة الولايات المتحدة، لكنها أيضا مركز الثقل النفطي في العالم، فيها 64% من احتياطي نفط العالم، ولا يمكن لأميركا التخلي عنها كمصدر للطاقة حتى بعد عقدين من الزمن، من هنا كانت مصدر الهواجس لأميركا لكنها أيضا العامود الفقري الذي يقوم عليه الاقتصاد الغربي، لذلك هي شر لا بد منه.

موقع مبادرة كولن باول الديمقراطية

لا تشذ مبادرة كولن باول (بموافقة بوش طبعا) عن غيرها من المبادرات، فهي ضمن نمط معروف مسبقا للسلوك السياسي الأميركي، وهي جزء من الشعارات الأميركية الكثيرة والمعدة للاستهلاكين الداخلي والخارجي، وهي واجهة لكثير من الأمور المخفية.

لكنها (أي المبادرة) بالتأكيد جزء من كل ونقطة واحدة من مسيرة طويلة، وهي مبادرة ديمقراطية من نوع جديد، إنها إلزامية لا خيار فيها، إذا قبلت كان خيرا وإذا رفضت أتت العصا الأميركية لتؤدب رافضها، إنها السعادة بالإكراه، إنها استمرار لنمط جديد في السلوك الأميركي، فالتغيير بالقوة وفرض الديمقراطية كان قد حصل في كوسوفو وأفغانستان، وهو مقترح للعراق وللسلطة الفلسطينية وللعالم العربي ككل، إنها إحدى النقاط الأساسية لدفتر الشروط الأميركي لمن يرغب بالانضمام إلى أصدقاء العم سام، والعكس قد يعني موقفا معاديا.

باختصار هي جزء بسيط من عملية مأسسة السيطرة بعد الانتهاء من العراق، لكنها مقترحة من قبل رجل متهم بأنه كذب على رؤسائه (إيران-كونترا) وغطى المجازر في فيتنام واستعمل حوالي 177 مليون باوند من المتفجرات ضد العراق، وهي المقترحة من قبل إدارة تعاني من مشاكل عرقية، بعد أن صرح أحد المرشحين لقيادة الأغلبية (ترنت لوت) في مجلس الشيوخ بأمور تعيد أميركا إلى ذكريات الحرب الأهلية التي وقعت عام 1861.


لا تشذ مبادرة كولن باول (بموافقة بوش طبعا) عن غيرها من المبادرات، فهي ضمن نمط معروف مسبقا للسلوك السياسي الأميركي، وهي جزء من الشعارات الأميركية الكثيرة والمعدة للاستهلاكين الداخلي والخارجي، وهي واجهة لكثير من الأمور المخفية
علام تقوم المبادرة؟
سميت المبادرة بـUS-Middle East Partnership Initiative، أو مبادرة الشراكة، وهي تظهر قلق الوزير كولن باول العميق على مستقبل الأمة العربية التي تخطاها قطار العصر التكنولوجي. وهو شدد في مبادرته على الإصلاحات الضرورية في المجالات السياسية والاقتصادية والتعليمية وكل ما يتعلق بالمرأة وحقوقها.

اعتمد كولن باول في مبادرته على إحصاءات كانت قد وردت في تقرير للأمم المتحدة صدر عام 2002 حول النمو البشري في الشرق الأوسط، فالعالم العربي مثلا يترجم حوالي 330 كتابا أجنبيا سنويا، أي ما يعادل خُمس ما تترجمه اليونان. وهناك حوالي 50 مليون عربي سوف يدخلون سوق العمل في العقد القادم، وعشرة ملايين طفل في سن دخول المدارس لا تتوفر لهم هذه المدارس، وهناك حوالي 65 مليونا لا يحسنون الكتابة والقراءة.

إنها بالفعل إحصائيات مذهلة ومبكية في الوقت نفسه، ومن الضروري أن تؤخذ بعين الاعتبار، لكن من قبل الأنظمة العربية المعنية بالأمر، ولا يجب علينا أن ننتقد كولن باول لطرحها على الملأ، لكن المريب فيها هو توقيتها، فهي أتت بعد 11 سبتمبر/ أيلول وقبيل الحرب على العراق، ونتساءل وطالما مبادرة كولن باول لمصلحة العرب فلماذا لم تأت قبل 11 سبتمبر/ أيلول.

خلفيات المبادرة
تبدو الصورة في العالم الإسلامي العربي بعد 11 سبتمبر/ أيلول على الشكل التالي:

  • قسمت أميركا العالم الإسلامي إلى قسمين، الأول يمتد من الفلبين وحتى الهند، والثاني من باكستان وحتى تركيا، وهي موجودة عسكريا في القسمين في باكستان وأفغانستان وبعض دول آسيا الوسطى.
  • وهي تستكمل تطويق العالم العربي من خلال وجودها العسكري الكثيف في العدد وفي النوعية، إنها موجودة في الكويت والسعودية وعمان واليمن وكينيا وجيبوتي والأردن وأخيرا إسرائيل، إنه طوق بالفعل حول العالم العربي، وهو عسكري بامتياز.
  • في الوقت نفسه تعد أميركا العدة لضرب العراق، وهي تستكمل خلق البدائل عبر محاولة الوجود على أطراف العالم العربي بدل الحضور في القلب، وكانت الاتفاقية الإستراتيجية بين قطر وأميركا التي وقعت مؤخرا إحدى هذه المؤشرات.

بعد السيطرة العسكرية على العالم العربي تأتي مبادرة كولن باول تحت غطاء نشر الديمقراطية لترتيب أوضاع الأنظمة في العالم العربي. فيوضع التوصيف الوظيفي لهذه الأنظمة وعليه يتم اختيار القيادات السياسية، بعدها يتم خلق المؤسسات الديمقراطية لاستكمال الصورة المطلوبة حتى ولو كانت سطحية بامتياز، بعد ترتيب وضع الأنظمة وتنصيب المسؤولين عنها وهو الترتيب الأفقي تبدأ عملية الترتيب العامودي على الشكل التالي:

  • خلق الأجهزة العسكرية وتنصيب المسؤولين الموالين لأميركا على رأس مهمة هذه الأجهزة ضبط الداخل والتعاون مع القوات الأميركية المتواجدة في المنطقة إذا دعت الحاجة وكلفت بمهمات معينة. إنها قوات ملحقة بالقوات الأميركية على غرار قوات الدول التي انتسبت مؤخرا إلى حلف الناتو.
  • خلق وتنصيب الأجهزة الأمنية وكل ما يتعلق بها. مهمتها تأمين المصالح الأمنية الأميركية التي تقوم على جمع المعلومات عن كل الخلايا الإرهابية وضربها إذا استلزم الأمر، وقد تكلف هذه الأجهزة بمهمات مشتركة مع القوات الأميركية، وتأتى أهمية هذه الأجهزة لأميركا في أنها سوف تعوض النقص في الاستعلام البشري عن الإرهاب، وهو الاستعلام الذي أهملته أميركا قبل 11 سبتمبر/ أيلول، سوف تساعد هذه الأجهزة على وقف تمويل القاعدة والمنظمات الإرهابية الأخرى. وقد نرى عناصر من مكتب الإف.بي.آي. الأميركي يجولون الشوارع العربية بحثا عن مطلوبين بناء لاستنابات قضائية صادرة عن المدعي العالم الأميركي، باختصار مهمة هذه القوى هي في حرمان القاعدة من الملاذ Sanctuary.
  • محاولة التأثير على الشقين الاجتماعي والثقافي، الاجتماعي عبر مراقبة كل نشاط ممكن والعمل على توجيه هذه النشاطات بشكل يخدم المصالح الأميركية، أما الثقافي فقد يشهد أهم عملية تغيير وتأثير، فقد تتدخل أميركا في المناهج الدراسية لمنع التحريض ضدها وتعليم النشء الجديد ما تطلق عليه أميركا الحقد تحت شعار التعليم الديني، باختصار تريد أميركا تغيير البيئة الثقافية العربية الحالية لتناسب أهدافها، وتغيير البيئة كما ترغب أميركا قد يجعل البلدان العربية أكثر انفتاحا على العالم وعلى المحيط خاصة إسرائيل.

إذا كانت هذه هي المخططات الأميركية التي ترسم للمنطقة فإن هذا الأمر ليس بالسهولة المتوقعة، فأمام أميركا الكثير من العقبات، ماذا عن الأنظمة الحالية الصديقة لأميركا وهي تدعي الديمقراطيّة؟ كيف سيتم تغييرها والتأثير عليها؟ كيف يمكن لأميركا أن تؤثر على شعوب المنطقة، كي تحبها هذه الشعوب وتغير موقفها العدائي منها؟ وهل يمكن لهذه الشعوب أن تحب أميركا حتى ولو غيرت أميركا ممارساتها تجاه العرب، وذلك بعد نصف قرن من الوقوف إلى جانب إسرائيل؟ هل ستقبل الشعوب العربية برؤساء منصبين عليهم قسرا من قبل أميركا كيف سيقتنع العرب بمبدأ الديمقراطية المقترح من قبل كولن باول؟ وهل سيكون على شاكلة الديمقراطية الإسرائيلية الدموية والتي تقوم على المبدأ الكولنباولي عبر احتلال الأرض وطرد الشعب؟ وقد يسأل العرب عن سبب عدم البدء بإيجاد حل للقضية الفلسطينية قبل طرح موضوع الديمقراطية عليهم.

إذا رفضت الشعوب العربية المبادرة الديمقراطية الأميركية فهل ستفرض عليهم بالقوة؟ وإذا فرضت بالقوة أفلا نعود إلى عالم عربي غير ديمقراطي على شاكلة العالم العربي الحالي؟ كيف ستوفق أميركا بين المبادئ الديمقراطية، وما تقول به الشريعة الإسلامية وهل العالم العربي مهيأ حاليا لمبادئ غريبة عن حضارته وثقافته؟ ويبقى السؤال الأهم عن وسائل تطبيق هذه المبادرة، في شقيها البشري والمادي والتي ستعتمد عليها أميركا، خاصة بعد أن أعلنت أنها خصصت مبلغا وقدره 29 مليون دولار.

في الختام، ولو سلمنا جدلا بأن العالم العربي انصاع للمبادرة الأميركية وطبق المبادئ الديمقراطية برمتها، وجرت الانتخابات في كل الدول العربية وفاز الإسلاميون بها كلها. وبعد هذا الفوز، قام الإسلاميون بتوحيد العالم العربي تحت راية حكم واحد موحد، وطالبوا بخروج كل الغرباء من المنطقة العربية-الإسلامية. فماذا سيكون عليه الموقف الأميركي فهل ستلغى الانتخابات على غرار ما حصل في الجزائر؟ أم أن التطويق العسكري الأميركي لعالمنا سوف يتحول إلى احتلال فعلي، فتعلن الحرب جهارة علينا، بعد أن كانت مستترة وراء شعارات كاذبة كشعار كولن باول الأخير.

_______________
*كاتب وباحث، أستاذ محاضر في جامعة سيّدة اللويزة-لبنان، عميد ركن متقاعد

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة