صورة بن لادن في وثائق "إبت آباد"   
الخميس 1433/6/19 هـ - الموافق 10/5/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:53 (مكة المكرمة)، 11:53 (غرينتش)
ياسر الزعاترة

 

بعد الفراغ من قراءة مجموعة الوثائق التي أفرجت عنها دوائر مكافحة الإرهاب الأميركية، والتي قيل إنها جزء من الأرشيف الذي وُجد داخل بيت "إبت آباد" الذي اغتيل فيه أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة، وقفت أتساءل عن السبب الكامن خلف الإفراج عنها، وهل تم ذلك بناءً على تصور انتقائي، أم أن ما نشر هو الجزء الذي تمت ترجمته ودراسته، وإذا كانت العملية انتقائية، فأي هدف أراد المعنيون تحقيقه من عملية النشر؟!

من الطبيعي أن يختلف الناس حول تلك الوثائق وما إن كانت مزورة، وأقله محورة، أو أنها صحيحة بالكامل، بما في ذلك أخطاؤها المطبعية، وربما اللغوية أحيانا، فالثقة في الأجهزة الأميركية لا تبدو واردة.

التنظيم الذي أعلنت عليه الحرب بعد هجمات الحادي عشر من أيلول كان فرعا واحدا (مركزي القيادة) إلى حد كبير، بينما أصبح بعد ذلك بسنوات تنظيما متعدد الفروع أشبه بشبكة "ماكدونالدز"!

في هذه السطور، سنميل إلى صحة الوثائق، ليس فقط من باب الافتراض، ولكن أيضا لأن الكثير منها يبدو منسجما إلى حد كبير مع الصورة المعروفة لأسامة بن لادن، والتي تحدث عنها الكثير ممن عرفوه منذ البدايات، إلى جانب الحقائق الموضوعية المتعلقة بوضع القاعدة خلال السنوات الأخيرة.

سيكون من المتعذر علينا الاستشهاد بالكثير من النصوص مكتفين بالقراءة العامة للوثائق، وبالطبع حتى لا يطول المقال على نحو لا يحتمله الموقع، لا سيما أننا إزاء 17 وثيقة تصل صفحاتها إلى 175 باللغة العربية، وإن تفاوتت أعداد الكلمات في الصفحة بين وثيقة وأخرى.

تتوزع الوثائق على أنواع مختلفة، فمنها ما هو موجه من أسامة بن لادن إلى جهات أخرى داخل التنظيم (توقع أحيانا باسم "أبو عبد الله"، وأحيانا باسم "زامراي"، وثالثة بدون توقيع يمكن استنتاج نسبتها إليه من السياق، وهي سبعة تقريبا، بينما تتوزع الأخرى على أنواع شتى من الوثائق، بعضها رسائل من الشيخ "عطية الله"، "أبو يحيى الليبي"، آدم داغان (عزام الأميركي)، أيمن الظواهري (نص رسالة بثت على الإنترنت)، سؤال لجيش الإسلام وجواب من الشيخ عطية الله، رسالة من "محب سعودي".

يمكن للأجهزة الأميركية بطبيعة الحال أن تستنتج من الوثائق ما تشاء بخصوص قوة القاعدة كتنظيم بعد الضربات التي تلقاها في عدد من الدول، ولكن ما لا يمكن لتلك الأجهزة أن تتجاهله هو أن التنظيم الذي أعلنت عليه الحرب بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول كان فرعا واحدا (مركزي القيادة) إلى حد كبير، بينما أصبح بعد ذلك بسنوات تنظيما متعدد الفروع أشبه بشبكة "ماكدونالدز"، بحسب تعبير مسؤول أمني أميركي سابق، والتي يُترك فيها للفروع حرية التحكم بطبيعة المنتجات التي تقدمها للزبائن.

ليس هذا فحسب، بل إن ما تنساه تلك الأجهزة التي تبيع الانتصار على التنظيم للشعب الأميركي، ومن ورائها أوباما الذي يحتفل بالذكرى الثانية لانتصاره بقتل بن لادن (لعله السبب الرئيس خلف نشر الوثائق، أعني التذكير بالانتصار التاريخي!!)، ما تنساه هو أن الرجل لم يكن قائد إمبراطورية تواجه إمبراطوريتهم (الأكبر في التاريخ البشري)، وإنما كان مجرد رجل يقود عددا محدودا من الرجال عندما بدأ معركته التي انتهت وفق السيناريو الذي كان يدركه جيدا، فيما انتهت أيضا وفق السيناريو الذي رسمه لخصمه أيضا ممثلا في التورط في عدد من المستنقعات، التي تؤدي إلى خسارته الكثير من سطوته ونفوذه على نحو يخدم الأمة الإسلامية التي تضررت من سيطرته على العالم منذ مطلع التسعينيات بعد هزيمة الاتحاد السوفياتي.

كل ذلك ربما لا يعني أوباما الذي أراد أن يقول للشعب الأميركي عشية الانتخابات إن بوش ومن ورائه الجمهوريون هم الذين ورطوا أميركا في تلك المعركة العبثية، وإنه هو الذي يخلصهم منها، ليس بقتل بن لادن فقط، وإنما بالخروج من العراق، والتخطيط للخروج من أفغانستان أيضا (هذا ما يفسر الزيارة السرية له لأفغانستان عشية الذكرى الثانية لاغتيال بن لادن وبعدها نشر الوثائق التي نحن بصددها).

لا تبدو الوثائق مفاجئة في طبيعة الصورة المعروفة التي تعكسها عن علاقة أسامة بن لادن بعناصر وفروع التنظيم منذ فراره من تورا بورا بعد احتلال أفغانستان نهاية 2001، وهي علاقة عمادها المراسلات الشخصية مع عدد من المساعدين (قتل واعتقل الكثير منهم، بل أهمهم خلال السنوات التالية وفي مقدمتهم عطية الله)، لا سيما أن كثيرا من الفروع الجديدة لم تكن ذات صلة به شخصيا، وبالتالي فإن الاستنتاج بأن الرجل لم يكن يسيطر على فروع التنظيم لا يأت بجديد، لأن هذا ما استقر عليه الحال منذ سنوات.

أما التعامل مع الوثائق في سياق إثبات وضع التنظيم وقوته، فلا يبدو منطقيا، لأن قوة التنظيمات لا تقرأ من خلال الوثائق الداخلية والمراسلات البينية بين القادة، وإنما من خلال فعلها العملي على الأرض، من دون أن ينفي ذلك تراجع تنظيم القاعدة في فرعه الرئيس (أفغانستان)، فضلا عن العراق الذي لا يزال قادرا على التأثير رغم فقدانه لجزء كبير من الحاضنة الشعبية بسبب مسلسل الأخطاء التي ارتكبها، مع تقدم ما لفرع الصومال (المنتمي حديثا للتنظيم)، وكذلك الحال لفرع اليمن رغم الأفق المسدود لتحركاته، ومراوحة الفروع الأخرى، الأمر الذي يبدو ذا صلة أيضا بالربيع العربي، مع ضرورة التأكيد بأن بعض الفروع قد تجاوزت الفكرة التي أسس عليها بن لادن مشروعه، وهي ضرب الولايات المتحدة (العدو البعيد)، الذي يستهدف المسلمين ويدعم الأنظمة الفاسدة.
التعامل مع الوثائق في سياق إثبات وضع التنظيم وقوته، لا يبدو منطقيا، لأن قوة التنظيمات لا تقرأ من خلال الوثائق الداخلية والمراسلات البينية بين القادة، وإنما من خلال فعلها العملي على الأرض

في روحية الوثائق نعثر على صورة متميزة لأسامة بن لادن، تختلف كثيرا عن صورة "الإرهابي" المدمن على العنف الأعمى التي حاول الإعلام الأميركي رسمها له خلال سنوات طويلة، فالرجل يرفض الكثير من العمليات التي نسبت لتنظيمه، والتي نفذتها بعض الفروع، وهو يطالب بالتدقيق في الأهداف، بل وفي مآلات العمليات والأفعال وفق نظرية "المصالح والمفاسد" التي تتردد كثيرا في النصوص، بل يوجه نقدا شديدا لسائر العمليات التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين عبر التوسع في مسألة "التترس" التي شاع العمل بها في العراق وسواه.

حضور التنظيم في وعي جماهير الأمة يبدو هاجسا كبيرا عند أسامة بن لادن، وتراه يركز عليه في سائر النصوص، معتبرا أن الأمة "هي مدد وغطاء المجاهدين"، ويبلغ به الأمر حد التحفظ على العمليات داخل الدول الإسلامية، ليس ضد "الأعداء المحليين" فقط كما يصفهم، ولكن ضد الأميركان أيضا إذا كانت ستضر بالمسلمين، أو ترتب استهدافا لأنصار التنظيم، مع الحث على ضرورة التدقيق في الأهداف بحيث لا يقع ضحايا بين المسلمين. ويصل به الحال حد مطالبة المخطئين بالاعتذار وتحمل مسؤولية ما جرى.

في الوثيقة الأهم بين الوثائق التي كتبها بن لادن (45 صفحة، مؤرخة في مايو/أيار 2010) يرد ذلك كله. وفيها يشير إلى نيته إخراج بيان يتحدث فيه عن بداية مرحلة جديدة تصحح بعض ما بدر من التنظيم، الأمر الذي لم يحدث على ما يبدو، ربما لأن الربيع العربي قد فاجأ الجميع فانشغل به كما انشغل الآخرون.

موقفه من الثورات العربية المذكور يظهر في رسالة خاصة موجهة منه إلى الشيخ عطية الله مؤرخة في 26 أبريل/نيسان 2011، وفيها يعتبر تلك الثورات "حدثا هائلا وعظيما جدا"، بل يراها "أهم الأحداث منذ قرون"، ويرى أنها تنسجم مع أهداف التنظيم، بل يقر قناعة بالغة الأهمية مفادها أن "التحركات الشعبية الشاملة تغير الأوضاع لا محالة"، خلافا للتحركات التنظيمية غير الناضجة (يشير في هذا السياق إلى صدام الإخوان السوريين مع حافظ الأسد مطلع الثمانينيات وما ترتب عليه في حماة).

هكذا يبدو أسامة بن لادن في الوثائق ثائرا ضد العدو الأكبر للمسلمين، بل يبدو ثائرا مبدئيا أيضا، إذ تحضر فلسطين في نصوصه كعنوان دائم، ويرى عدم صرف الأنظار عن قضيتها بأي حال (يشير إلى حصار غزة ويرفض توجيه النقد الحاد لحركة حماس وقيادتها)، ويظهر البعد المبدئي في مواقفه حين يرفض قول فيصل شاهزاد (أحد معتقلي القاعدة في أميركا) أمام المحكمة إن قسمه عند الحصول على الجنسية بعدم الإضرار بالولايات المتحدة كان كذبا، ويعتبر ذلك نوعا من "الغدر" الذي لا يجوز. وحين يطالب بعمليات داخل الولايات المتحدة يشترط أن لا يكون المنفذ ممن أدوا ذلك القسم.

من المهم الإشارة في سياق قراءة الوثائق إلى أن النقد الموجه لعمليات التنظيم التي تطال المدنيين المسلمين لم يتوقف عند أسامة بن لادن (رفض في رسالة له استهداف جموع المكتتبين للجيش والشرطة في العراق، خلافا لمن يواجهون المجاهدين مباشرة أو مع الاحتلال)، بل شمل "أبو يحيى الليبي" أيضا الذي انتقد بشدة في رسالة لحكيم محسود استهداف طالبان باكستان الناس في المساجد بحجة قتل المرتدين.

كما شمل أيضا الناطق باسم القاعدة (الأميركي الجنسية) آدم داغان (عزام الأميركي) الذي يوجه نقدا هو الأكثر حدة لعمليات التنظيم العشوائية التي تصيب المسلمين (يعدد حشدا منها)، بخاصة في العراق، بل رفض حتى استهداف المسيحيين ووجه نقدا شديدا لعملية الاختطاف في كنيسة بغداد عام 2010، وشن هجوما لاذعا على فرع القاعدة في العراق وبالذات فكرة دولة العراق الإسلامية التي قال عنها "دولتهم الوهمية"، بل شنّ حملة أيضا على المنتديات الجهادية التي قال عنها إنها "منفرة لأكثر المسلمين"، و"مشوهة نوعا ما لصورة القاعدة". مع ضرورة الإشارة إلى أن نسبة هذه الرسالة للرجل المشار إليه تفهم من السياق، لأن الاسم لا يرد فيها مكتوبا.

نشر الوثائق يصبُّ من الناحية العملية في خدمة الصورة الإيجابية لأسامة بن لادن، والتي كان يحرص عليها، أما الاعتراف بالأخطاء ونقدها فهو جانب إيجابي يذكر له لا عليه

في سياق التواصل مع الآخرين، تشير الوثائق إلى تواصل الشيخ والقاعدة مع عدد من المشايخ والعلماء في المملكة العربية السعودية (ذكروا بالأسماء)، ومن بينها رسالة موجهة لبن لادن (مؤرخة في 14 سبتمبر/أيلول 2006) قيل إنها من محب يعرف الشيخ والشيخ يعرفه، وفيها نصيحة بتجنب العمل داخل الدول العربية والإسلامية والاكتفاء بمواجهة الأميركان في مناطق الاحتلال المباشر مثل العراق وأفغانستان.

موضوع اليمن كان حاضرا في الوثائق، وكانت نصيحة بن لادن للتنظيم هناك هي عدم التصعيد والحصول على هدنة لعدم إمكانية إقامة دولة في الوقت الراهن، معتبرا أن "إقامة الدول قبل استكمال مقومات نجاحها إجهاض للعمل". ويبدو أن مسلسل الأحداث يؤكد رؤيته لجهة العزلة التي يعيشها التنظيم رغم قوته الميدانية، وبالطبع بسبب استهدافه للجنود اليمنيين.

بعض الدوائر الأميركية أشارت في سياق النقد إلى حديث بن لادن عن أبنائه وأسرته بما يشي بالحرص عليهم مقابل التضحية بالآخرين، وهو قول لا يبدو مقنعا لأن السياق كان يتعلق بعموم المفرج عنهم من إيران وضرورة حملهم إلى مناطق آمنة.

خلاصة القول هي أن نشر الوثائق كان يصبُّ من الناحية العملية في خدمة الصورة الإيجابية لأسامة بن لادن، والتي كان يحرص عليها، أعني صورته كثائر ضد الغطرسة الأميركية ومدافع عن قضية فلسطين وعموم قضايا المسلمين، أما الاعتراف بالأخطاء ونقدها فهو جانب إيجابي يذكر له لا عليه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة