تبادل أراض أم ترانسفير جغرافي؟   
الثلاثاء 5/10/1428 هـ - الموافق 16/10/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:16 (مكة المكرمة)، 13:16 (غرينتش)


عبد الله الحسن

- ترانسفير بالاتفاق
بداية الفكرة والمشاريع

- مشاريع إضافية
- المشاريع ولقاء الخريف
- أراض أخرى برسم المقايضة

لم يتوقف الفكر السياسي الصهيوني عن اجتراح التصورات والرؤى والمشاريع القائمة على تغييب الشعب الفلسطيني، أو على الأقل تهميشه، بدلالة "الترانسفير" باعتباره المبدأ الأساسي أو الثابت الإستراتيجي غير القابل للمس بتبدل الأحوال نظراً لقداسته، ومكانته كمصدر لخصوصية وتفرد الصهيونية.

ومع ارتفاع وتيرة الحديث عن قضايا الحل النهائي كالحدود واللاجئين والقدس والمستوطنات، أضاف الفكر السياسي الصهيوني بعداًَ جديداً أو صيغة أخرى للترانسفير هي "الترانسفير الجغرافي" الذي يقوم على تغييب فلسطين كوطن واستحضارها كأرض أو عقار، كما يبدو من الأفكار المطروحة الداعية إلى تبادل الأراضي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.

يستمد هذا النمط من الترانسفير نفسه ومثاله من الخطط النازية في إعادة رسم خريطة شرق أوروبا، من أجل تجميع العرق الألماني في نطاق جغرافي متلامس ومتماسك، وهو ما يشي به تصريح أفيغدور ليبرمان الوزير الحالي وزعيم حركة "إسرائيل بيتنا" أمام مؤتمر هرتسليا الرابع العام 2003، في معرض تبريره التخلي عن القرى العربية في المثلث لـ "الدولة الفلسطينية".

إذ قال ليبرمان إنه لا يعرض خطة سلام بل خطة أمن، ولا يبحث عن شريط لإقامة الدولة الفلسطينية "وإنما عن شريك لحل قضية عرب إسرائيل" لأن إسرائيل تريد، كي تحافظ على تعريفها لذاتها كدولة يهودية، أن تسقط احتمال الدولة ثنائية القومية الذي أخذ في البروز في أعقاب "موت حل الدولتين" وإحدى الوسائل لتحقيق ذلك تبادل الأراضي.

"
إسرائيل تميل إلى توظيف السلطة الفلسطينية في تحقيق الترانسفير الجغرافي لتكسبه صفة ترانسفير بالاتفاق، وهو الذي يجري حين تتوصل دولتان فيما بينهما إلى اتفاق يقضي بنقل سكان مدنيين إلى مكان آخر من أجل السلام
"
ترانسفير بالاتفاق

تميل إسرائيل إلى توظيف السلطة الفلسطينية في تحقيق الترانسفير الجغرافي حتى تكسبه صفة "الترانسفير بالاتفاق" الذي تعرفه الوثيقة الصادرة عن حركة موليدت الصهيونية نهاية مارس/ آذار 2002 وفق الآتي "هو الترانسفير الذي يجري حين تتوصل دولتان فيما بينهما إلى اتفاق يقضي بنقل سكان مدنيين إلى مكان آخر من أجل السلام أو نقلهم مع الأراضي التي يقيمون عليها، في حالتنا "الترانسفير الجغرافي".

ويبدو أن قابلية السلطة الفلسطينية لتأدية هذه الوظيفة متوفرة ما دامت من الأساس تؤدي وظيفة إسرائيلية، إذ هي تلعب دور واجهة تخفي الاحتلال الإسرائيلي الحقيقي وأداة لمساعدة الإسرائيليين في تنظيم سياستهم الاحتلالية.

فالسلطة الفلسطينية تؤدي وظيفة "صخرة تاربي" في المثل الروماني القديم التي يقذف منها المحكوم عليهم بالإعدام نحو الهاوية، وهي لم تكن بعيدة عن "الكابيتول" رمز ممارسة السلطة، لكن المحكوم عليه في الحالة الفلسطينية هو القضية: الإنسان والوطن.

يتميز الترانسفير الجغرافي بوجود قاسم مشترك ينظم العلاقة بين كل مبادرات وخطط تبادل الأراضي، وهو التخلص من مدينة أم الفحم وبعض جوارها لأسباب عدة أبرزها: أنها تجاور الضفة الغربية من الجهة الشمالية، وأرضها خصبة بما فيه الكفاية لإقناع الطرف الفلسطيني بمفهوم التساوي في قسمة الأراضي المتبادلة وانتقالها.

بالنسبة للفلسطينيين لن يؤدي تحول سكاني يهودي إلى مشكلة في الدولة الفلسطينية فضلاً عن أنها أحد أهم معاقل ما يعرف بالجناح الشمالي للحركة الإسلامية التي يتزعمها الشيخ رائد صلاح، وتضم 200 ألف فلسطيني من عرب 1948.

وبتحويلهم إلى الدولة الفلسطينية تضمن إسرائيل تحقيق ثلاثة أهداف:
1- التخلص إلى حد كبير من عبء حركة دينية مسيسة هي الأكثر تشدداً في رفض "الدولة اليهودية" والدعوة إلى مقاطعة "مؤسساتها السياسية"، وفي الدفاع عن المسجد الأقصى، ودعم فلسطينيي الضفة والقطاع في نضالهم ضد الاحتلال.

2- المساهمة في خفض خطر الهاجس الديمغرافي الفلسطيني 1948، بتحقيق ترانسفير سلمي ومقبول فلسطينياً وعربياً ودولياً لـ200 ألف فلسطيني إلى خارج ما يسمى الخط الأخضر.

3- تكسب إسرائيل مقابلها أرض المستوطنات في الضفة الغربية التي تتميز بوقوعها على مصادر المياه الجوفية الفلسطينية في الضفة، والتربة الخصبة علاوة على أنها تشكل مواقع إشراف عسكرية ممتازة، وتؤدي وظيفة تقطيع أوصال"الكيان الفلسطيني" وتحقق غاية ابتلاع القدس.

بداية الفكرة والمشاريع
يعود بروز فكرة تبادل الأراضي إلى محادثات كامب ديفد الثانية في يوليو/تموز 2000 بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، حين تقدم الوفد الإسرائيلي باقتراح يقضي بالتخلي عن إحدى منطقتين: أم الفحم وبعض جوارها أو منطقة "حالوتسا" المحاذية لقطاع غزة، مقابل الاحتفاظ بالمستوطنات الكبرى في الضفة الغربية.

العرض الخاص بمنطقة حالوتسا انطوى على إغراء المفاوض الفلسطيني بقبول منطقة أم الفحم باعتبار حالوتسا منطقة جرداء لا زرع فيها ولا ماء.

وقد وافق الوفد الفلسطيني على مبدأ التداول، وهو ما أشار إليه وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك شلومو بن عامي في حديث لصحيفة هآرتس (14-9-2001) قال فيه إنه أتيحت له في كامب ديفد فرصة رؤية خريطة فلسطينية احتوت على تنازل بأقل من 2.8% من مساحة الضفة مقابل تبادل أراض بنسبة 1 إلى 1.5%. وقد طلبوا أن تكون الأراضي متاخمة للضفة الغربية.

الطرف الأميركي في المفاوضات أبدى إعجابه بفكرة تبادل الأراضي، فعرض على الطرفين رؤيته الخاصة، وقد تضمنت النسب التالية: إعادة ما بين 96 و97% من مساحة الضفة زائد 1% من أراضي 1948 للسلطة أو 94% من مساحة الضفة زائد 3% من أراضي 1948.

وفي مؤتمر هرتسليا الثاني عام 2001 تم تبني اقتراح يقضي بتبادل السكان والأرض في حال تجدد المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، وينص أحد بنود الاقتراح على تسليم البلدات والقرى العربية المتاخمة للخط الأخضر مثل أم الفحم للدولة الفلسطينية.

"
إسرائيل قررت حدودها في الضفة من اللحظة التي أقامت فيها الجدار الفاصل مما يعني أن ما بين 3 و8% من أراضي الضفة سيلحق بإسرائيل، وفي المقابل يجري تعويض الفلسطينيين عن الأراضي التي سيفقدونها في الضفة بمساحة مماثلة داخل الخط الأخضر
"
مشاريع إضافية
في أبريل/نيسان 2005 قدمت لجنة قاديش توصيات لإدخال إصلاحات في عمل دائرة "أراضي إسرائيل" تضمنت إحداها تبادل الأراضي بين الصندوق القومي اليهودي "الكيرين كيميت" وإسرائيل، يتم بموجبه نقل الأراضي المملوكة للصندوق والواقعة في مركز إسرائيل إلى ملكية الدولة، على أن يتسلم الصندوق مقابلها أراضي أخرى تعادلها قيمة في الجليل والنقب.

وهذا معناه أن الفلسطينيين في تلك المناطق لن يستطيعوا امتلاك أي حقوق في هذه الأراضي، وإن امتلكوها فيتم تجريدهم منها، ولعل ما أصاب قرية طويل أبو جروال في النقب يوم 27-7-2007 ليس سوى بداية الترجمة الفعلية لمعنى هذا التبادل.

وفي مقالته المنشورة في صحيفة نيوريفوبليك الأميركية الصادرة يوم 14-11-2005، يقترح عوزي أراد المستشار السياسي لرئيس الوزراء الأسبق بنيامين نتنياهو خطة وصفها بالبعيدة المدى للتخلص من أم الفحم ووادي عارة والطيبة والطيرة وكفر قاسم وغيرها من المدن والقرى العربية المتاخمة للخط الأخضر، عبر مبادلتها بمستوطنات يهودية في الضفة الغربية من بينها أرئيل وغوش عتصيون ومعاليم أدوميم.

ويقترح أراد في خطته دفع تعويضات للمواطنين العرب الذين ستشملهم الخطة، علاوة على احتفاظهم بكل الحقوق الاجتماعية التي راكموها في إسرائيل.

المشاريع ولقاء الخريف
ما إن أطلق الرئيس الأميركي جورج بوش الابن دعوته إلى المؤتمر الإقليمي للسلام، مؤتمر الخريف المقرر عقده منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، حتى عادت المشاريع والأفكار الإسرائيلية الداعية إلى تبادل الأراضي مع السلطة الفلسطينية تنثال من جديد.

أبرزها خطة الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز في يوليو/تموز الماضي التي نصت على قيام الدولة الفلسطينية على الأراضي التي احتلت عام 1967، ولكن مع تبادل مساحات من تلك الأراضي.

وتكون مساحة التبادل 5% من مساحة الضفة وشرقي القدس مما يعني احتفاظ إسرائيل بالمستوطنات المقامة على أراضي الضفة وشرقي القدس، على أن يعوض على الفلسطينيين بأرض بنفس القيمة بما في ذلك ضم أراضي من إسرائيل نفسها يسكنها عرب 1948 إذا وافقوا على ذلك.

بعد ذلك جاءت وثيقة المبادئ الخاصة بحاييم رامون نائب رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالية مطلع سبتمبر/ أيلول، وقد جاء في نصها "إن إسرائيل قد قررت حدودها في الضفة من اللحظة التي أقامت فيها الجدار الفاصل". وهذا يعني أن ما بين 3 و8% من أراضي الضفة سيلحق بإسرائيل، وفي المقابل يجري تعويض الفلسطينيين عن الأراضي التي سيفقدونها في الضفة بمساحة مماثلة داخل الخط الأخضر.

وهو بذلك يضرب عصفورين بحجر واحد: من جهة يضم الكتل الاستيطانية في الضفة، ومن جهة ثانية يتخلص من عشرات آلاف الفلسطينيين من 1948.

أما ثالثة الأثافي فهي النقاط الثماني التي تجري بلورتها لـ "إعلان المبادئ" بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، لتكون أساس الاتفاق في مؤتمر الخريف. وتنص النقطة الثانية من الإعلان على الآتي "تقام دولة فلسطينية غير مسلحة، وتكون حدودها كما تحددها خرائط سنة 1967، ويجري الاتفاق على حدودها بدقة بناء على الاحتياجات الأمنية والتطورات الديموغرافية والمستلزمات الإنسانية، مما سيفتح الباب أمام تبادل للأراضي بنسبة 1:1 مع الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية بيد إسرائيل".

"
تغييب فلسطين الوطن والإنسان هما شرط استمرار الوجود الصهيوني على أرض فلسطين، وليس للفكر السياسي الصهيوني من وظيفة سوى اجتراح الصيغ والرؤى التي تحقق هذا الشرط
"
أراض أخرى برسم المقايضة
نقصد بأراض أخرى غير فلسطينية أراضي سورية وأردنية ومصرية تدرجها إسرائيل في خانة التبادل والمقايضة.

وفي هذا الصدد برز مشروعان:
الأول طرحه عوزي أراد أواخر 2004 يهدف إلى حل الصراع مع سوريا، وقد نص على تبادل ثلاثي للأراضي بين سوريا والأردن وإسرائيل.

وهو يبقي بين أيدي إسرائيل ما مساحته بين 220 و280 كلم مربع تشمل أراضي المستوطنات الإسرائيلية في الجولان إضافة إلى مصادر المياه ومنفذ إلى جبل الشيخ، ومقابل تخلي سوريا عن ذلك يقترح أراد حصولها على مساحة مشابهة من الأردن على الحدود السورية الأردنية وذلك في المناطق التي تم الاتفاق عليها بين سوريا والأردن في التسوية الحدودية التي تمت بين البلدين والتي اتفق فيها على تعويض سوريا للأردن على أراض مأهولة بمواطنين سوريين.

وبالمقابل تنقل إسرائيل للسيادة الأردنية مساحة شبيهة -أو حتى أكبر- على الحدود بين إسرائيل والأردن في المنطقة الواقعة جنوب البحر الميت، أو أن تعوض إسرائيل الأردن بممر عبر أراضيها أو بتعويضات اقتصادية.

الثاني طرحه مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق الجنرال غيورا أيلاند في يونيو/حزيران 2006، وينص على مقايضة ما مساحته 600 كلم مربع من الأراضي الزراعية تؤخذ من الأردن وبالتحديد من منطقة الأغوار (سلة غذاء الأردن) ومن مصر (شمال سيناء) لتوطين اللاجئين الفلسطينيين، مقابل نقل أجزاء من النقب الغربي إلى قطاع غزة و100 كلم مربع من جنوب البحر الميت إلى الأردن.

لا شك أن المعاني والدلالات الكامنة في خلفية المشاريع الصهيونية تتلخص في تحقيق الهدف الصهيوني "أرض أكثر عرب أقل". أما الحديث عن تبادل النسب من الأراضي فهو حديث خادع، لأن عملية التهويد ابتلعت نسبة كبيرة من أراضي الضفة الغربية.

ونشير في هذا الصدد إلى خارطة الضفة التي نشرها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية والتي يفضح فيها حقيقة أن نظام المستوطنات الإسرائيلية والبنى التحتية المحمية، تسببت في حظر 40% من الضفة على الفلسطينيين.

وهكذا فإن تغييب فلسطين الوطن والإنسان هما شرط استمرار الوجود الصهيوني على أرض فلسطين، وليس للفكر السياسي الصهيوني من وظيفة سوى اجتراح الصيغ والرؤى التي تحقق هذا الشرط.
__________________
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة