هل يتكرر سيناريو الحويجة?   
الاثنين 1434/7/3 هـ - الموافق 13/5/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:05 (مكة المكرمة)، 11:05 (غرينتش)
نزار السامرائي

لماذا الحويجة أولا؟
هل يتكرر سيناريو الحويجة؟

ربما كان خيار القوة الذي ذهب إليه نوري المالكي في مدينة الحويجة وليد حسابات متسرعة أملتها عوامل ميدانية خاصة بطرفي المعادلة، قوات الحكومة، وتظاهرات المدينة نفسها. ففيما يتعلق بمدينة الحويجة فإنها مدينة عربية ترتبط بمحافظة كركوك (التأميم) التي تعيش فيها أربعة مكونات لا تسمح بإعطائها طابعا عرقيا متغلبا، هناك العرب وهناك التركمان وهناك الأكراد، وقد يكون الواقع الديموغرافي للمحافظة تركمانيا بدرجة أكثر بروزا من بقية المكونات.

ومع ذلك فإن المكونات الثلاثة متقاربة من حيث نسبتها إلى العدد الكلي للسكان رغم إخضاعها لحركة هجرة منسقة من قبل الأكراد منذ اكتشاف النفط فيها عام 1927، طلبا لفرص العمل بعد أن كانت خالية تماما من وجود كردي يعتد به، وأخذت هذه الهجرة بعدا سياسيا استثنائيا منذ دخولها على خط نوايا الاستقلال الذاتي للأكراد أو الفدرالية ضمن الدولة العراقية أو الاستقلال الكامل الناجم عن الانفصال، وتحولت إلى برامج هجرة مدعومة بقوة السلاح الذاتي أو الأميركي، منذ العام 1991 وحتى اليوم، حتى غدت أكثر قضية يمكن أن تهدد السلم الأهلي في العراق باعتبارها من المناطق الموصوفة بالمناطق المتنازع عليها، أما المكون الرابع، وهو مكون صغير جدا، فهو المكون المسيحي.

لماذا الحويجة أولا؟
استند اختيار المالكي للحويجة لتوجيه ضربة عسكرية لها إلى عدة عوامل، منها:
1- أنها مدينة تعاني من انقسام في وجهات نظر الأطراف السياسية العربية ويتوزعون على عدة توجهات سياسية وعشائرية وعرقية، منهم من اختار التحالف مع رئيس الحكومة لمواجهة الأخطار القادمة من الأكراد عموما والبيشمركة خصوصا، التي تسعى لضم محافظة كركوك إلى إقليم كردستان، لأن هؤلاء عانوا من اضطهاد القوى الكردية التي عاشوا على تخومها خاصة بعد العام 2003 وتغوّلت عليهم الحركة الكردية وعاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية، مما ألجأهم اضطرارا إلى الحكومة العربية حتى إذا كانت شيعية لم يجربوا قبلا ما يمكن أن تطبقه عليهم من إجراءات وتدابير.

اختار المالكي الحويجة ظنا منه أن التجربة ستكون بأقل الخسائر البشرية والسياسية, حتى يتمكن من توجيه رسالة لسائر ساحات الاعتصام بأن الدرس قابل للتكرار معها

في المقابل هناك من يرى أن تجربة العامين 2006 و2007 لا تسمح بمد اليد لحكومة نفذت مجازر ضد العرب السنة، إما بموافقتها أو بعلمها من دون أن تتحرك لوقفها، وبالتالي فإن تجربة التسامح التي عاشتها منطقة كردستان توفر إغراء كافيا للاقتراب منها والابتعاد عن حكومة شيعية ذات غلو يهين المعتقدات وينتهك الأعراض.

2- بُعْدُ الحويجة عن مناطق الإسناد المتبادل أي المناطق العربية السنية المشاركة في الاحتجاجات (تبعد عن بغداد بـ360 كيلومترا)، فضلا عن كون ساحة الاعتصام فيها كانت محدودة العدد (5000) متظاهر، مقارنة بعشرات الآلاف التي تشهدها سائر المدن الأخرى، كان نوري المالكي يريد توجيه رسالة لسائر ساحات الاعتصام بأن الدرس قابل للتكرار معها، ولما كان لا يريد تعريض قواته لهزة ثقة في الوسط العربي السني، فقد اختار الحويجة ظنا منه أن التجربة ستكون بأقل الخسائر البشرية والسياسية.

هل يتكرر سيناريو الحويجة؟
ينظر كثير من مراقبي الحراك الشعبي الذي شهدته خمس محافظات سنية بالإضافة إلى بغداد، إلى محافظة الأنبار باعتبارها منطلق الاحتجاجات، وأي فتور في حماستها أو انتهاء الاعتصام فيها سيوجه ضربة معنوية مهمة إلى سائر مدن الحراك الأخرى، ويشاطرهم رئيس الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة النظر إلى الأنبار على هذا الأساس، أي أن الخطوة الثانية يجب أن تتوجه إليها، ولكن ردود الفعل القوية التي حصلت على عملية الحويجة، وما حصل بعدها في سليمان بيك التي احتلها المسلحون ولم يخرجوا منها إلا اتفاقا، أعطيا الدليل على أن وهم القوة التي راهن عليها المالكي لوضعها في مواجهة المحتجين ليست بالكفاءة ولا بنوعية السلاح التي تستطيع مواجهة تحرك على مستوى قطري، فضلا عن أن الدافع السياسي للمقاتلين كان ضعيفا إلى حدود بعيدة مما لا يسمح بالمراهنة عليه لزمن طويل.

سيناريو البحث عن أسلحة في ساحة الاعتصام الذي كان مبررا لمهاجمة الساحة في الحويجة، وكذلك البحث عن قتلة جنود حكوميين سقطوا على مقربة من الساحة، تكرر في الرمادي عندما أُعلن عن مقتل خمسة من جنود الاستخبارات العسكرية التي قيل إنهم كانوا مكلفين بواجب أمني قرب ساحة الاعتصام، وصعّد المالكي من الموقف، فشارك في حالة نادرة في تشييع اثنين من القتلى وهما شيعيان ومنحهما رتبة ملازم لأغراض التقاعد من دون بقية القتلى، هذا أوصل المشهد إلى أعلى درجات الشحن الطائفي بين مناطق العراق المختلفة، في محاولة لتكريس نفسه مدافعا عن مكاسب الشيعة وزعيما لهم وعن مشروعهم السياسي.

فما مدى إمكانية تكرار سيناريو الحويجة في أماكن أخرى؟ وما تأثيرات ما حصل فيها على بقية ساحات الاعتصام؟

هنالك عوامل داخلية وأخرى خارجية ستكون لها تأثيرات على استمرار الاعتصامات أو لتقصير عمرها، وهي:

أولا: العوامل الداخلية
أثرت عملية الحويجة التي ذهب ضحيتها أكثر من ستين قتيلا وأكثر من 200 جريح على مدن الحراك في اتجاهين مختلفين، فمن جهة كان للأفلام التي عرضت عن اقتحام ساحة الاعتصام، تأثير سلبي أو إيجابي في وقت واحد، فمن الناحية الإيجابية وضعت حدا فاصلا لحالة الاسترخاء التي ربما تسللت إلى نفوس المتظاهرين، خاصة أن الحكومة سربت أكثر من مرة توقيتات لشن الهجوم عليها، ثم تراجعت، مما أدى إلى شعور فارغ بالطمأنينة إلى نوايا الحكومة، وبقدر ما كانت مناظر القتل والتمثيل بهم والإجهاز على الجرحى وتدمير الممتلكات، خاصة السيارات العائدة للمتظاهرين، مثيرة للاشمئزاز والقرف بقدر ما ضاعفت من شدة الاستعداد لمواجهة قوات الحكومة وعدم تسليم الأنفس بضاعة مجانية أو رخيصة بيد طرف يتعامل معهم على أنهم أعداء من الصف الأول.

الوحشية التي حدثت في الحويجة كان لها ردود فعل سلبية على المتظاهرين، لأن كل واحد منهم سيضع نفسه في موضع الجريح الذي يركل بلا رحمة ثم تطلق عليه رصاصة الرحمة ويتم التعامل مع جثته باحتقار

ولكن علينا الاعتراف بأن تلك الوحشية التي عرضت على نطاق واسع، كان لها ردود فعل سلبية على المتظاهرين، لأن كل واحد منهم سيضع نفسه في موضع الجريح الذي يركل بلا رحمة ثم تطلق عليه رصاصة الرحمة وليتم التعامل مع جثته باحتقار، ومع ذلك ستكون العوامل التالية مؤثرة على القرار النهائي:

1- مضي وقت طويل نسبيا على بداية الاعتصامات التي انطلقت في 25/12/2012، مما أدى إلى تسرب الملل إلى النفوس، فالعراقيون عموما معروفون بأنهم سريعو السأم ويريدون تحقيق أهدافهم بسرعة.

2- نقص الموارد المالية لتمويل هذه الفعاليات المليونية التي عطلت المصالح والفعاليات الاقتصادية والتجارية للمواطنين، مما أدى إلى نضوب ما لدى شيوخ العشائر وكبار رجال الأعمال والمقاولين من مدخرات، لأنهم أنفقوها ظنا منهم أن الحراك الشعبي سينتهي قريبا وتعود ماكينة الاقتصاد للدوران لتعويض ما أنفقوه أو ما فاتهم من أرباح.

3- الذهاب إلى خيار القوة الذي نفذه المالكي في مدينة الحويجة ترك ردود فعل فورية غاضبة تمثلت باحتلال مدينة سليمان بيك التابعة إداريا لمحافظة صلاح الدين، والقريبة من مدينة الحويجة، إضافة إلى صيحات الحرب التي ترددت عاليا في معظم ساحات الاعتصام في الرمادي والفلوجة وسامراء والموصل، ولم تتمكن القوات الحكومية من دخول مدينة سليمان بيك إلا عبر وساطات دخل على خطها سياسيون وزعماء قبائل، ونجحت لأن الطرفين الحكومي والشعبي أرادا نجاحها ووفرا لها مستلزمات ذلك.

فالقوى التي كانت تحتل المدينة مما أطلق عليهم اسم ثوار العشائر كانوا يعون خطورة المضي بخيار المقاومة بسبب ابتعاد المدينة عن مراكز الإسناد المتبادل واحتمال تعرض ذخيرتهم للنفاد، على العموم يمكن للمراقب أن يلمس تراجعا في فورة الغضب في معظم المدن العراقية على حادثة الحويجة، ربما نستطيع أن نفترض أن عقلانية الخوف سادت لدى لجان التنسيق للخروج بحل مناسب.

4- إصرار نوري المالكي على رفض المطالب الشعبية جملة وتفصيلا، لأنه يعتقد أن خطوة كهذه ستستدعي تنازلات متتابعة منه للمكون السني العربي، وبالتالي يمكن أن ينزع عنه الصفة التي حرص على إلصاقها بنفسه بأنه المدافع الأمين عن المكاسب التي تحققت للشيعة، كل هذا وضع الزعامات التي كان من المؤمل أن يفرزها الحراك الشعبي لقيادة المكون السني في موقف حرج، واستطاعت الزعامات التقليدية التي كان من المنتظر أن تغادر المشهد استعادة بعض الدور المفقود من خلال طرح نفسها منقذا للمتظاهرين الذين كادوا يقعون في فخ زعامات من دون خبرة سياسية، والتقط المالكي هذا الخيط وأعطى تلك الزعامات المستهلكة فرصة للتحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فوضع تحت تصرفهم المال السياسي اللازم.

ثانيا: العوامل الخارجية
1- الموقف العربي المتردد في تقديم أي تأييد سياسي قوي وصريح، بما في ذلك موقف جامعة الدول العربية الذي اتسم بلا مبالاة لافتة، كما أن هذا الحراك لم يحصل على أي من أشكال الدعم العربي لسببين على الأقل:

أ) نتيجة الإحساس بأن الحراك الشعبي في العراق جاء على غير ميعاد، وأن الدول العربية الداعمة للربيع العربي لا تستطيع تشتيت جهودها على ساحتين في وقت واحد، فالانشغال بدعم الثورة السورية لا يعطي هامشا واسعا لتقديم الدعم للحراك الشعبي في العراق، رغم أن الوضع في العراق يؤثر سلبا على أوضاع الخليج العربي وجزيرة العرب بكاملها فيما لو بقي الارتباط القائم بين بغداد وطهران، لكن ذلك لم يسمح للالتفات إلى الساحة العراقية المتاخمة لدول مجلس التعاون الخليجي.

ويذكر مراقبون أن عراقا قويا ومستقلا يمكن أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء ويجعل العراق مرة أخرى مصدر خطر محتمل على المنطقة، لكن وجهات نظر أخرى ترى في سوريا لاعبا أخطر على دول الخليج العربي من خلال تجنيد سوريين مقيمين في المنطقة للعمل لصالح المخابرات السورية والإيرانية، ولأن الثورة السورية قطعت من الطريق أكثر من نصفه للانتصار، على ذلك فإن انجاز الثورة في سوريا لا يتقدم عليه هدف آخر في المرحلة الراهنة.

ب) في المقابل هناك من يربط بين الموقف الخليجي المتردد والموقف الأميركي الذي يريد للتجربة التي أقامتها الولايات المتحدة في العراق النجاح مهما بلغت التضحيات، هذا ما يترك انطباعا بأن الملف العراقي مؤجل حتى حسم الملف السوري سلبا أو إيجابا.

إيران حريصة جهد طاقتها على عدم الانشغال بجبهة جديدة مع الجبهة السورية لأنها ستضيف عليها أعباء فوق طاقتها، مما يمكن اعتباره إشارة للمالكي بأن يعالج أزمته مع شركائه

ج) الموقف الإيراني: كشفت مذكرة خاصة رفعها الدكتور علي أكبر ولايتي المستشار الأعلى لمرشد الثورة الإيرانية للشؤون الخارجية إلى علي خامنئي قبل أكثر من سنة، وتسربت بعض نصوصها، أن إيران حريصة جهد طاقتها على عدم الانشغال بجبهة جديدة مع الجبهة السورية، لأنها ستضيف عليها أعباء فوق طاقتها، مما يمكن اعتباره إشارة للمالكي بأن يعالج الأزمة السياسية التي يواجهها مع شركائه في الحكم منذ نهاية انتخابات عام 2010 وحتى اليوم.

ولكن ما حصل في 25 ديسمبر/كانون الأول الماضي، قلب جدول الأولويات على نحو دراماتيكي، إذ إن إيران وهي في أشد حالات الحرص على التفرغ للمشهد السوري، ليست على استعداد للتضحية بمكاسبها في العراق من أجل الدفاع عن النظام السوري الآيل للسقوط، ثم إن جزءا كبيرا من منظومة الإسناد والإمدادات الإيرانية لنظام الرئيس بشار الأسد، بالمال والرجال والعتاد الحربي يمر عبر الأراضي العراقية، وإيران تعي جيدا أن تحقق أهداف الحراك الشعبي العراقي سيفقد طهران المعابر الحدودية في محافظة الأنبار ومحافظة نينوى، التي تعد أخطر الممرات الإستراتيجية لإيصال تلك الإمدادات لقوات الأسد، وحتى في حال تقديم المالكي تنازلا جزئيا بشأن سلطة الحكومات المحلية، فإن محافظة الأنبار ستلتزم بسد طريق بدرة-النخيب-الرطبة-معبر الوليد الحدودي مع سوريا.

هذه العوامل كلها تؤثر بدرجة وأخرى سلبا أو إيجابا في استمرار الحراك الشعبي حتى تحقيق أهدافه المعلنة أو من دون ذلك، فهل يستجيب التحالف الشيعي الحاكم لاستبدال المالكي بضغوط إيرانية وأميركية للمحافظة على صيغة الحكم الراهنة بآلياتها المعتمدة وكل من زاويته، أم أن المالكي باق في منصبه وربما لولاية ثالثة، حتى إذا أدى ذلك إلى تآكل مكاسب الشيعة التي يقولون إنها تحققت لهم بعد ظلم استمر أكثر من 1400 سنة؟

ذلك يرتبط إلى حد ما بوجود قيادة للحراك تستطيع قراءة المشهد كما هو وليس كما تتمناه، ويتطلب استعدادا شعبيا للمطاولة والتضحية يأخذ العبرة من تضحيات الشعب السوري.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة