حرب الخليج الرابعة   
الثلاثاء 1434/5/22 هـ - الموافق 2/4/2013 م (آخر تحديث) الساعة 7:58 (مكة المكرمة)، 4:58 (غرينتش)
خالد المعيني

الملف السوري والحرب المؤجلة
مشاهد الحرب المحدودة القادمة
نشوب الحرب الباردة من جديد

اتسمت الحروب المعاصرة التي اجتاحت منطقة الشرق الأوسط وتحديدا تلك التي ولدت من رحم الخليج العربي (حرب الخليج الأولى 1980، والثانية 1991، والثالثة 2003) بأنها لا تدور بعيدا عن فلك المصالح الأميركية الثابتة في المنطقة المتعلقة بالهيمنة على عصب الطاقة العالمي والتحكم بممراته إضافة إلى ضمان أمن إسرائيل.

لذا نشاهد أن نتائج هذه الحروب ودوافعها الحقيقة -وليست أسبابها المباشرة- ليست في واقع الحال سوى ثمرات وبراءات اختراع نوعية وناجحة لدوائر التخطيط الإستراتيجية وبيوت الخبرة الأميركية التي تتوزع على أكثر من 17 مركز دراسات تجاوز عمر بعضها المائة عام تمرسا وخبرة في إدارة وتخطيط وتصميم الصراعات الدولية والإقليمية والمحلية والتحكم بمساراتها المستقبلية ومن خلال منظور ورؤية استباقية في معظم الأحيان، تسعى جميعها وتتنافس في تقديم أفضل الرؤى لضمان المصالح الأميركية ولا سيما في المناطق الحساسة التي تشكل مفصلا حيويا في منظومة الأمن القومي الأميركي، وهي -أي المصالح- غير القابلة للمساومة أو المشاركة مع أحد.

ومن خلال دراسة وتحليل دوافع حروب الخليج الثلاث والنتائج التي آلت إليها والتي صبت جميعها في النتيجة والمحصلة النهائية اقتصاديا وعسكريا في صالح الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، حيث دفع أبناء المنطقة في كافة هذه الحروب –مسبقة الصنع-  فاتورة باهظة من دمائهم وثرواتهم.

اليوم وعلى ضوء ما يتجمع من غيوم قاتمة في سماء منطقة الشرق الأوسط وتحديدا الخليج العربي ومن خلال قراءة خارطة التوتر وتصاعد وتيرة الأحداث والتهديدات، هل نحن أمام سيناريو جديد لحرب خليج رابعة يجري الإعداد لها على قدم وساق، وما هي مشاهدها وتداعياتها المحتملة؟

الحرب الجارية في سوريا حرب ممرات على الطريق وليست حرب ثروات، فسوريا حاليا بمثابة عقبة وخانق (جيو- إستراتيجي) يسعى الجميع إلى عبوره وقد حسن من شروط تفاوضه

الملف السوري والحرب المؤجلة
يكاد الصراع المحتدم في سوريا حاليا يبدو وكأنه بؤرة تتداخل فيها الأبعاد المحلية مع التنافسات الإقليمية والدولية ، ولكن في الحقيقة فإن هذا التركيز الشديد غير المسبوق على حسم الصراع في سوريا ليس سوى انعكاس لشعور واعي وعميق لدى الجميع دون استثناء سواء بصورة خفية تحت الطاولة أو بصورة معلنة فوق الطاولة، إن هذا الصراع ليس سوى محطة وسطية (Sub-station) ولكنها رئيسية لتدشين نمط صراع مؤجل آخر.

فالحرب الجارية في سوريا حرب ممرات على الطريق وليست حرب ثروات، سوريا حاليا بمثابة عقبة وخانق (جيو- إستراتيجي) يسعى الجميع إلى عبوره وقد حسن من شروط تفاوضه أو كسب مزيدا من الأوراق على طريق فرز الخنادق استعدادا للصراع الجديد طويل الأجل الذي سيشكل ملامح الصراع الدولي الجديد بالنسبة، ويمكن الاستدلال بما لا يقبل الشك على ذلك من خلال حجم المال والسلاح والإعلام الذي يتم زجه وضخه في المعركة على مدار الساعات والأيام منذ أكثر من سنتين، وهي أسلحة تعد هذه الأيام أشد فتكا من أسلحة الدمار الشامل، علما أن مقدرات هذه الحرب تخطيطا وتمويلا واستخباراتيا أصبحت لعبة كبار بامتياز وأن آخر من يتحكم بها هم السوريون أنفسهم أو حتى العرب المنخرطون بشكل أو بآخر في هذا الصراع.

في فن الإستراتيجية قد يجري لفت الأنظار وخوض معركة في زاوية من الجبهة ولكن يبقى الهدف الرئيسي في مكان آخر بمعنى أن من يكسب الحرب في سوريا يكون قد كسب جولة تمهيدية مهمة وحاسمة، ولكن ليس بالضرورة سيكون قد كسب نتيجة الصراع المعد للمنطقة على صورة أكثر شمولية وأكثر مطاولة بالوقت ومناورة بالجهد والإمكانيات

مشاهد الحرب المحدودة القادمة
من خلال قراءة خارطة التوتر في المنطقة ومسارح العمليات التي باتت مكتظة باستعراض الفرقاطات الروسية والمناورات المشتركة وتزايد وتيرة التسليح والاستعدادات الإسرائيلية والإيرانية على حد سواء أضافة إلى نصب الناتو لبطاريات باتريوت، ودعوات تسليح المعارضة السورية عربيا وأوروبيا، يمكن للجميع أن يسمع بوضوح أصوات قرع طبول الحرب الوشيكة في المنطقة والتي لا يعرف أحد بعد وبدقة مسرحها الرئيسي، أو كيف ستكون عملية إخراجها ومن هم أطرافها، أو توقيتها وحجم العمليات الحربية فيها؟

أميركا لغاية اليوم ليست راغبة ومتحمسة بنفس القدر الإسرائيلي بتوجيه ضربة عسكرية متسرعة لإيران وذلك بناء على حسابات إستراتيجية تتعلق بقلقها من غياب "العدو" في حال ضرب إيران، الأمر الذي طالما برعت في صناعته السياسة الخارجية الأميركية لأغراض جلب مزيد من الأموال سواء من حلفائها الخليجيين أو ابتزاز شركائها الأوربيين.

من جانب آخر هناك عوامل أخرى تقيد من حرية حركة الأميركيين في المرحلة الحالية وهي تراكمات وتركة مغامراتها السابقة والفاشلة في العراق وأفغانستان. لكن هذه الحرب بالنسبة لأميركا واقعة لا محال (فكما يقال لكل رئيس أميركي حربه)، هناك فقط خلاف على توقيتها وكيفية إخراجها ومن سيمولها لأن من شأن مثل هذه الحرب أن تحرك عجلة الاقتصاد الأميركي المترنح وتبعث الروح في العروق المتيبسة لمحور شركات الصناعات العسكرية-النفطية.

من مشاهد الحرب القادمة توجيه ضربة إسرائيلية محتملة لمنشآت وقدرات إيران النووية العسكرية، ولا سيما مع تصاعد وتيرة التهديدات الإيرانية بالرد على هذا الهجوم

لذا قد تشهد المنطقة لغرض تحريك الجبهة التي تبدو شبه متكافئة على الجبهة السورية واستمرار توازن الرعب على الجبهة اللبنانية بعد أن توفر لإسرائيل هامش من حرية الحركة بسبب اختلال الضغط لصالحها على الجبهة السورية، وتزايد الضغوط الاقتصادية على إيران، وبقصد تحييد الموقف الروسي-الصيني الصلب في سوريا إلى (حرب محدودة) في المدى القريب وعلى النحو التالي:

أولا: حرب محدودة على تخوم الخليج العربي تفقد بموجبها السعودية أو إحدى دول الخليج أجزاء مهمة من أراضيها من خلال استدراج الإيرانيين إلى تكرار نفس نموذج الفخ العراقي عام 1990 أو توريطهم جراء مفاقمة وتوسيع الجيب الطائفي البحريني.

ثانيا: حرب محدودة بالنيابة على الساحة العراقية بين إيران من جهة والمحور (التركي – السعودي – القطري) من جهة أخرى، ولكن على الساحة العراقية، ولا سيما أن العراق هو الساحة النهائية التي يجري التهيؤ لها بعد سوريا وهو الذي سيكون خط الجبهة الفاصل بين محاور الاستقطاب الطائفي الذي سيدور حول الصراع يشجع على ذلك وقائع ديمغرافية وجغرافية وخضوعه إلى عمليات تسخين طائفي منذ عشر سنوات بدأت نتائجها وملامحها تظهر مؤخرا على خلفية تصاعد الاحتكاكات الطائفية في العراق وتصاعد وتيرة الاحتجاجات والتظاهرات في المناطق الغربية والوسطى والشمالية.

ثالثا: توجيه ضربة إسرائيلية محتملة لمنشآت وقدرات إيران النووية العسكرية، ولا سيما مع تصاعد وتيرة التهديدات الإيرانية بالرد على هذا الهجوم وما قد يتبع ذلك من رد أميركي في حال نفذت إيران تهديداتها بغلق مضيق هرمز.
                 
نشوب الحرب الباردة من جديد
كثيرا ما تلجأ الدول العظمى والكبرى في إدارة صراعاتها عبر ما يسمى الحروب بالوكالة أو بالنيابة وذلك لتفادي مخاطر المواجهة المباشرة التي تعد انتحارا متبادلا وكارثة مؤكدة في ظل الترسانة النووية والجرثومية الهائلة التي تمتلكها هذه الدول والتي تكفي لتدمير الأرض برمتها ولعدة مرات، الحروب بالنيابة التي تجاوزت أكثر من 65 حربا خلال حقبة الحرب الباردة تمتاز بمحدوديتها وقدرة الدول العظمى على التحكم بآثارها ونتائجها.

والهدف من وراء مثل هذه الحروب عادة هو تحريك الأوضاع الجامدة وإحداث تغيير جزئي في موازين القوة في المناطق الحيوية والساخنة تمهيدا لتدشين مرحلة جديدة وطويلة ذات طبيعة معقدة ومركبة من تنازع الإرادات وفق خرائط وآليات وشعارات جديدة.

سيبقى الاستحواذ على مزيد من القوة هو القانون الأساسي في العلاقات بين الدول، المتغير الوحيد في هذه الفكرة هي الأدوات التي ستكون مزيجا من أسلحة الدمار الشامل المبتكرة

لذا من المتوقع في ظل الأحداث المتسارعة الحالية أن تكون منطقة الشرق الأوسط وتحديدا الخليج العربي بمثابة الرحم الذي ستولد منه ملامح النظام الدولي الجديد، حيث تشكل هذه المنطقة بؤرة ومركز الصراع الدولي والمنطقة الأكثر سخونة في العالم حيث يتسابق كل طرف لإيجاد موطئ قدم فيها، وذلك من خلال تحشيد وزج كافة إمكانياته لتثبيت مواقعه على خارطة القوة الجديدة وانتزاع إقرار مبكر من بقية الأطراف اللاعبة الرئيسية والثانوية استعدادا لخوض الحرب الباردة التي ستكون المنطقة خطها الفاصل ومحورها الرئيسي. 

سيبقى الاستحواذ على مزيد من القوة هو القانون الأساسي في العلاقات بين الدول، المتغير الوحيد في هذه الفكرة هي الأدوات التي ستكون مزيجا من أسلحة الدمار الشامل المبتكرة وهي خليط من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مخلوطة بعنصري المال والسلاح.

عقائديا سيحل الصراع الطائفي بدلا من الصراع الأيديولوجي الذي كان سمة الحرب الباردة، وهو ما تبرع به بيوت الخبرة الأميركية ولا سيما أن حكومات وشعوب المنطقة لا تزال في مرحلة التخلف وتعيش تحت أوهام أساطير ومثقلة بأطنان من الخرافات والتخندق في أعماق الماضي بعيدا عن قوانين العصر، سواء من حيث منظومة القيم السائدة أو نمط السلطة والحكومات، وهو وسط مؤات لمثل مخططات الغرب في استمرار الاستحواذ على ثروات وخيرات المنطقة على حساب آمال ومستقبل ورفاه أبنائها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة