ظاهرة الإضراب عن الطعام في تونس   
السبت 21/3/1426 هـ - الموافق 30/4/2005 م (آخر تحديث) الساعة 11:48 (مكة المكرمة)، 8:48 (غرينتش)

 

راشد الغنوشي


لا يكاد يعرف بلد في العالم ينافس تونس في ظاهرة تواتر وتناسل حوادث الإضراب عن الطعام داخل السجون وخارجها، وذلك بالقياس إلى عدد ومدد الإضرابات سواء أكانت داخل السجون أم خارجها بدءا بإضراب الصحفي اليساري ابن بريك وانتهاء بإضراب الصحفي الإسلامي عبد الله الزواري مرورا بإضراب الرمز الإسلامي الدكتور صالح كركر فرج الله عنه وعجل بشفائه، وإضراب المناضلة الحقوقية المحامية راضية النصراوي، والقيادي الطلابي د. عبد اللطيف المكي..

 

"
ليس السجين من كان في السجن سجينا إنما السجين من كان في البلاد سجينا
"

وهذه هي الإضرابات التي اشتهرت لما حظيت به من أضواء لوقوعها خارج أودية الجحيم في السجون المظلمة حيث بلغت أهوالها حد إصابة الآلاف بشتى الإعاقات وأفضت بعشرات منهم إلى الرحيل في ريعان الشباب وحملت معظمهم على المخاطرة بما تبقى لديهم من مضغة حياة لشن إضرابات عن الطعام أملا في لفت نظر إدارة صماء صممت على وأدهم أحياء أو إسماع صوتهم من فوق أسوار الجحيم العالية إلى سادة العالم علهم يمارسون قدرا من الضغط على أصدقائهم المستأمنين على البلاد فيمزجون ثناءهم العطر المتواتر -إشادة بإنجازاتهم البالغة حد الإعجاز- ومساعداتهم الكريمة المتهاطلة، بكلمة تلفت نظرهم إلى أكوام المظالم المقترفة ضد شعوبهم، دون حاجة للتلويح بالعصا الغليظة مثل التهديد بقطع المساعدات وإصدار القرارات العقابية.

 

غير أن شيئا من ذلك لم يحصل، فلم يجد ضحايا القمع، وقد سدت كل الابواب في وجوههم، غير المخاطرة بما تبقى من رمق حياة لديهم من خلال الانخراط في سلسلة من الإضرابات عن الطعام التي تنامت مع تراكم المظالم وصمت العالم، وازدادت توحشا ومأسوية في غفلة من القريب والبعيد حتى أفضى الأمر ببعضهم إلى الإعاقات الدائمة أو فيضان الروح جوعى محسورين دون أن يحققوا من مطالبهم البسيطة شيئا، منهم المناضل الإسلامي الاخ عبد الوهاب بوصاع رحمه الله.

 

ولم تكن مطالبهم ذات علاقة بالمطالب التي أفضت بهم إلى هذا الجحيم الأرضي.. بل هي تذكرني بما كان قد حكى لي عنه الصديق اليمني المفكر إبراهيم الوزير.

 

فقد ذكر لي أنه كان قد سجن في العهد الإمامي الذي سبق العهد الجمهوري، حيث تعرض لقدر من التضييقات، تذكرها للمقارنة بعد خروجه من سجون الإمام التي أسقطتها الثورة، غير أنه لمّا انتقل إلى مصر وكان من أنصار ثورتها تعرض هناك أيضا للسجن لمعارضته  لبعض ممارساتها، فكانت له فرصة للمقارنة انتهت به إلى هذه النتيجة "كنا في سجون الإمام نحتج مطالبين بحرية القول (من كتب وأدوات كتابة ومراسلة) واليوم ها نحن في سجون الثورة نحتج مطالبين بحرية "البول" أي الذهاب إلى دورات المياه التي لا يسمح بها إلا ضمن نظام يحدده السجان.

 

مطالب المضربين عن الطعام في السجون وخارجها لا تتجاوز كثيرا دائرة مثل هذه الحاجات الحيوية الأولية للإنسان من دواء وغذاء وهواء وتعبد أو الحق في العمل لإعالة النفس والأهل حتى لا يضطر إلى عرضهم للبيع في سوق المعز كما حصل مع الأخ علي بن سالم الصغير أو حق التنقل بالحصول على جواز سفر لابتغاء الرزق في أرض الله الواسعة، كما حصل الأسبوع الماضي مع المناضل الحقوقي السيد خميس الشماري الذي ظلوا يماطلونه في تجديد جواز سفره ليفوّتوا عليه فرصة حضور ملتقى حقوقي دولي كبير خشية أن يفيد منه في إلقاء ضوء على وادي الظلمات في بلده.

 

ولولا ما يتمتع به من دعم اللوبي الحقوقي الدولي العتيد ما سعد باستعادة حقه في السفر على غرار آلاف من المحرومين ولو كانوا ممثلين لمنظمات حقوقية معتبرة مثل السيدين محمد النوري رئيس الجمعية الدولية للدفاع عن المساجين والقاضي السيد مختار اليحياوي رئيس جمعية الدفاع عن القضاء والمحاماة.

 

أما السيد عبد الله الزواري فقد استقطبت مظلمته أو قل فقد نجح في استقطاب الأضواء إلى مظلمة تونس بعد أن التفت حول مظلمته منظمات حقوقية وقوى سياسية وإعلامية تحررية داخل البلاد وخارجها لما يرمز له من مصداقية نضالية عالية ولما عرف به في كل المواجهات مع الطغيان من قامة مديدة وبأس شديد في الصمود أمام هوج العواصف.

 

"
جاءت مغامرة الزواري في سجنه الكبير ليلفت نظر من بقي له نظر من قوى الداخل والخارج إلى حالته وأمثاله في السجن الكبير والمضيق على حد سواء بل إلى حالة تونس جملة
"

وقد غدت مظلمته صارخة وكأنها علم في رأسه نار بعد أن شهدت لنبلها وتعاطفت معه مختلف التيارات داخل البلاد وخارجها حتى غدت قرية "الخريبة" الواقعة على مشارف الصحراء في أقصى الجنوب التونسي على بعد أزيد من 500 كلم محجة لكبريات المنظمات الحقوقية والصحفية تشد إليها الرحال حتى من وراء المحيط فضلا عن مختلف أرجاء البلاد من منظمات حقوقية وساسة ومتعاطفين، فكان حظ هذه القرية المجهولة وفرصتها التاريخية أن تخرج من ظلمة العدم لتدخل التاريخ من بابه الواسع.

 

ولا تخرج عن السياق المطلبي البسيط مظلمة عبد الله التي يطالب برفعها ومغامرته بالإضراب عن الطعام منذ أكثر من ثلاثة أسابيع مخاطرا بفضلة الحياة المتبقية لديه بعد زهاء ربع قرن أمضاه في سلسلة محن ومعتقلات ومنافي متلاحقة منذ جمعنا غولاق برج الرومي الشهير سنة1981 وحتى يومنا هذا، مع فواصل قصيرة سرعان ما تغلق ليعود الخط العام لعلاقة السلطة بالحركة الإسلامية، ولك أن تقول لعلاقتها بمطالب التغيير الديمقراطي إلى طبيعتها الثابتة القمع بهدف الاستئصال أو الاحتواء.

 

وفي المواجهات الكبرى الثلاث 1981 و1987 و1991 كان الزواري في قمة المستهدفين فتفاقم الطلب عليه بعد ما استبانت بكل جلاء شخصيته القيادية ذات الجاذبية الهائلة المتميزة: ثبات في وجه الأعاصير، واتزان أمام المواقف الصعبة، ورجاحة عقل وعمق نظر وسداد في التقدير، وسعة اطلاع ونهم في طلب العلم وبالخصوص في مجال استراتيجيات اللاعنف، وحسن إصابة وتوفيق في طرح القضايا والتعامل مع الإعلام، تجلى ذلك بالخصوص في دوره الريادي في دورية الفجر وفي داخل السجون.

 

من هنا جاء التصميم الظلوم على مواصلة إبعاده عن الساحة حتى بعد مغادرته السجن فكان قرار نفيه إلى أقصى نقطة عن الفعل في الجغرافيا التونسية نوعا من استمرار فرض حالة السجن عليه وتحييده حتى وإن اقتضى ذلك استمرار تمزيق شمله بالحؤول بينه وبين أسرته المقيمة في العاصمة حيث يتعلم أولاده بحجة أنه أصوله من هذه القرية في أقصى الجنوب- وحتى هذا غير صحيح- بينما كان اعتقاله أول مرة من العاصمة حيث تقيم أسرته، شأن قطاع واسع من النخب التونسية المنحدرين من الأرياف.

 

ولو حكم عليهم بالعودة إلى مواطن آبائهم لانخرم نظام البلاد وهو ما جعل نضالات عبد الله- التي قادته أكثر من مرة إلى السجن بعد استنفاد محكوميته الأولى -12سنة- شأنه في ذلك شأن إخوانه المخنوقين في أودية الجحيم الدنيوي- لا تتجاوز المطالبة بالحقوق الأولية لإنسان مثل الحق في الدواء والهواء والغذاء المناسب وحرية الصلاة والصحف والكتاب وبالخصوص الكتاب الدراسي وتقريبهم من أسرهم لتيسير الزيارة وذلك في مواجهة سياسة رسمية فرضت عليهم، لم تعرفها تونس حتى في أشد الأزمنة الاستعمارية التي مرت بها هي عبارة عن تدمير ممنهج بدنيا وعقليا وروحيا من خلال المنع جملة أو التقتير بكل مقومات الحياة.

 

فكانت إضراباتهم المتكررة من أجل المطالب الحقوقية الأولية التحسينية، يستوي في تلك المطالب من كان نصيبهم الإقامة ضيوفا في أودية الجحيم وراء أسوار السجون الضيقة، بمن استكملوا فيها نصيبهم لتستقبلهم - وهم آلاف- أودية الجحيم في السجن الموسع: البلاد على امتدادها، حيث يقيم السجين هنا "على حسابه الخاص" حسب تعبير الأديبة المناضلة أم زياد.

 

يمضي شطرا من يومه جائلا بين مراكز الأمن، تلبية لمقتضيات المراقبة الإدارية، بما يضع عقبة أخرى كؤودا تضاف إلى غيرها للحكم عليه بالبطالة الدائمة، فيعجز عن إعالة أهله طالما انتظروا مغادرته السجن لينهض بواجباته راعيا لأسرته، وإذا بهم -بمجرد انقشاع فرحة الاستقبال- يكتشفون أن دار لقمان على حالها.

 

"
المجتمع التونسي بحكم طبيعته الجغرافية السهلية وطبيعته الاجتماعية المدنية غلب على ردود فعله على مظالم الأنظمة التي تداولت عليه الأسلوب المدني السلمي
"

وكل ما في الأمر أنه قد أضيف إلى عبء الزوجة أو الأم المسكينة بعد أن باءت بالفشل كل مساعي المسكين بحثا عن ثغرة في جدار السجن الكبير المحكم الانسداد ليقنع نفسه وأسرته أنه قد غادر السجن فعلا، فيرضى بأي شغل شريف.

 

قضاة مثل صالح ابن عبد الله وأطباء مثل الدكتور ابن نجمة والدكتور محجوب، وجامعيون عالميون مثل البروفسور ابن سالم.. أسعدهم حظا من نجح في الإفلات من عين الرقيب فأمكنه عرض بضاعة بسيطة يطرحها على الأرض في الأسواق.

 

وإذا هو اتجه إلى استئناف الدراسة لاستكمال جزء يسير مما قطعه السجن عنه وحيل بينه وبين المواصلة من هناك وانتظر فرصة خروجه، ألفى الأبواب موصدة دون تأهّله ليكون طبيبا.

 

فلم يكن عجبا أن يشن الدكتور المناضل عبد اللطيف المكي رئيس أكبر منظمة طلابية عرفتها الجامعة التونسية "الاتحاد العام التونسي للطلبة" إضراب الخمسين يوما من أجل استعادة حقه في الدراسة معلنا العفو عن جلاديه، وكاد يهلك في طريق ذلك المطلب البسيط.

 

وهذا هو ما جلى أمامه هذه الحقيقة المرة في صياغتها العجيبة "ليس السجين من كان في السجن سجينا إنما السجين من كان في البلاد سجينا".

 

مطالب هؤلاء وأولئك لم تتعلق اليوم بالحريات العامة التي من أجلها تعرضوا لهذه الأهوال ولا المطالبة بمحاكمة جلاديهم والاعتذار لهم عما حاق بهم وأسرهم من أهوال وتعويض ما يمكن تعويضه.. مطالبهم في السجن الصغير والكبير أهون من ذلك، فهي تقتصر على الحصول على الغذاء والدواء والعلم والقرب من الأهل..

 

وهي كلها كما ترى من صنوف الحقوق الأولية والتحسينات البسيطة التي لا تكلّف السجان شيئا، ولكنه مع ذلك –وربما بسببه- يصر على حرمان ضحيته منها تشفيا وتفريغا لأحقاد لم يكف عقد ونصف من الانتقام لتفريغ النفوس منها، أو من أجل صرف الضحية عن مطالبه الأصلية في رفع حالة السجن عن البلاد كلها بالدفع صوب تحول ديمقراطي على غرار بقية خلق الله.

 

الحاصل أن مطالب الضحايا في أودية الجحيم المضيقة أو الموسعة لم تتجاوز الحصول على عدد محدود من التحسينات الأولية ولأنهم حرموا منها فقد خاطروا بما تبقى لديهم من لعاعة حياة من أجل ذلك.

 

وفي هذا الصدد جاءت مغامرة الزواري في سجنه الكبير ليلفت نظر من بقي له نظر من قوى الداخل والخارج إلى حالته وأمثاله في السجن الكبير والمضيق على حد سواء بل إلى حالة تونس جملة.

 

تلك بعض دلالات إضرابه، إلى جانب دلالات أخرى مناسب لفت النظر إليها مزيد توضيح  لتناسل هذه الظاهرة -في بلد تفرد بين العرب والمسلمين والعالم الثالث- بضعف النسل، مع أن بلادنا وإن عدت في الدرجات الأولى في قوائم البلاد المنتهكة للحقوق والحريات إلا أنها لم تتفرد بذلك فلها أشباه ونظائر، فكيف يفسر تفردها بتناسل ظاهرة الإضرابات عن الطعام؟.

 

1- لكل شعب أسلوبه الخاص في التصدي للظلم عندما يتجاوز حدودا معينة لاسيما عندما يبلغ السكين العظم ويمس أوسع شرائح المجتمع ويتعمق الشعور لدى الأغلبية بتهلهل العقد بينها وبين الحكم القائم بسبب تخليه عن النهوض بواجبات منتظرة منه وكان قائما بها سابقا.

 

يبدأ التململ حتى إذا وصل إلى حد الشعور لدى أوسع الشرائح المتضررة أنهم لم يعد لديهم ما يخسرونه إذا هم انتفضوا وتمردوا جماعيا في شكل من أشكال التمرد مدنيا سلميا كان أو عنيفا ثار البركان وحصل التغيير.



 

"
أسلوب الإضراب عن الطعام شكل نضالي يتماشى مع تراث مدني لشعبنا ويعبر بتكاثره وما يجده من تعاطف لدى قطاعات واسعة من النخبة عن تصاعد إرهاصات التململ في شعبنا
"

أما بالنسبة للمجتمع التونسي فإنه بحكم طبيعته الجغرافية السهلية وطبيعته الاجتماعية المدنية فقد غلب على ردود فعله على مظالم الأنظمة التي تداولت عليه، الأسلوب المدني السلمي الذي تبدأ تجلياته باحتجاجات نخبوية سلمية، كثيرا ما شكلت إرهاصات لما قد تمهد له بوعي أو بدونه من اندلاع الطوفان من خلال انفجار الشارع الذي يصنع في وجه الدولة جبلا، يحدث توازنا جديدا، يفرض عليها التراجع والتغيير.

 

وبهذا الصدد فإن أسلوب الإضراب عن الطعام شكل نضالي يتماشى مع تراث مدني لشعبنا ويعبر بتكاثره وما يجده من تعاطف لدى قطاعات واسعة من النخبة (كما حصل في حالة ابن بريك ونصراوي والمكي وهذه الحالة..) عن تصاعد إرهاصات التململ في شعبنا معززة بإرهاصات كثيرة أخرى أجلى صورة وأبرز دلالة على ما نقول، سواء أكان ذلك من خلال ما يندلع في الملاعب من عنف في مواجهة البوليس وشعارات مناكفة للدولة، أو من خلال ما اندلع من صحوة دينية عارمة في كل الأوساط وبالخصوص بين الشباب (صلاة ولحى وحجابا..)

 

هي بحق انتفاضة عارمة هادئة.. لها دلالاتها الاجتماعية السياسية إلى جانب دلالاتها الدينية.. وكلها تعبر عن ذكاء وخبرة شعب يتنامى لديه الوعي بالحيف ومرارة الشعور بحركة السكين التي تقترب من العظم، اقتراب الموت من مضرب عن الطعام أخذ يستشرف شهره الأول.. ومع ذلك هو مصر على الاستمرار رافعا مطالب أولية تبدو معزولة وكلها عند التثبت هي جزء من مطالب شعب، ولذلك تجد هذه المطالب ويجد صاحبها لدى الشعب التعاطف والتضامن لدرجة التماهي مع الضحية بما يضفي عليه مزيدا من الرمزية الشعبية. فهل يفقه ذلك القابضون على زمام الأمر في البلاد؟.

 

هل يفقهون أن حالة الانسداد السياسي التي تعيشها البلاد والتي لم تبلغها في سابق الأزمان ومن مظاهرها هذه الإضرابات.. وهذه الانتفاضة الدينية الهادئة.. التي قد تتطور، منذرة  بخطر شديد وعواصف قد تأكل الأخضر واليابس لا سمح الله.

 

ولا سبيل لتجنب الكارثة القادمة إلا بالتحلي بالشجاعة السياسية والاستجابة لمطالب التغيير المتصاعدة من الداخل والخارج، تصالحا مع مجتمع  بكل مكوناته يتصاعد تململه.

 

2- لئن عرف المسلمون الصوم تقربا لله سبحانه فإنهم لم يعرفوا هذا النوع من الصوم الاحتجاجي الذي طورته إستراتيجيات المقاومات اللاعنيفة.

 

ولأن الحركة الإسلامية عموما وبالخصوص التونسية قد انتهت إلى التفاعل الإيجابي مع مكاسب الحداثة فلم يكن عجبا أن يتم اللقاء الموضوعي على أكثر من صعيد بين العلمانية وبين القوى الإسلامية باعتبار الجامع الوطني والتكوين الحداثي، وذلك على أكثر من صعيد سواء تعلق الأمر بمطالب كبرى تتمحور حول نموذج الدولة الديمقراطية الحديثة وحقوق الإنسان، أو تعلقت بأساليب ومفردات التغيير السلمي مثل المسيرات السلمية والإضرابات النقابية ومنها الأشكال الفردية والجماعية للإضراب الاحتجاجي عن الطعام سبيلا للفت النظر إلى مطلب أو الاحتجاج على ممارسة.

 

وكل من عرف عبد الله الزواري يعلم ولعه بالتعمق في دراسة إستراتيجيات اللاعنف حتى أنه اقترح علينا في السجن عددا من أعمال أدباء أميركا اللاتينية في هذا الصدد بل قام بترجمة كتاب جون ماري مولر "إستراتيجية العمل اللاعنيف" من الفرنسية إلى العربية، وكان حرصه شديدا على تعلم الإنجليزية للإفادة مما كتب فيها في هذا الشأن.

 

والخلاصة أن ما أقدم عليه عبد الله الزواري من تعريض ما تبقى من بدنه لخطر الهلاك رسالة بليغة متعددة الاتجاهات، يخص بعضها القوى الخارجية وبالخصوص الأوروبية.

 

عبد الله يرسل رسالة إلى هؤلاء بأنه كفى نفاقا وتكسبا بدم المسيح. نحن أيضا شعب له حق في الحرية والديمقراطية التي طالما علمتمونا أنكم نبعها الأول.

 

كما أن إضراب عبد الله رسالة واضحة للنخبة التونسية العلمانية والإسلامية أن حقوق الإنسان كالحرية كالهواء إما أن تكون للجميع أو لا تكون لأحد.

 

فلقد انتهى شعار ديمقراطية بلا إسلاميين إلى ديمقراطية بلا معارضة تواصلا مع عهد الحزب الواحد.

 

"
إضراب الزواري رسالة واضحة للنخبة التونسية العلمانية والإسلامية أن حقوق الإنسان كالحرية كالهواء إما أن تكون للجميع أو لا تكون لأحد
"

غير أن التعاطف الذي وجده عبد الله من قبل القطاع الأوسع من القوى الحديثة بما في ذلك المنظمات المدافعة عن المجتمع المدني برموزها مثل السيدة سهير بلحسن وسهام ابن سدرين وعمر المستيري وخميس الشماري وممثلي كل أحزاب المعارضة الذين أجمعوا –وهي من المرات النادرة- على عريضة التضامن مع عبد الله.

 

هو رسالة للسلطة في الاتجاه الآخر، أن حبات الرمل في ساعة اللعب على التناقض بين صفوف المعارضة الوطنية إسلامية وعلمانية آخذة في النفاد.

 

ورسالة أخيرة إلى إخوانه الإسلاميين أن يلتفوا أكثر حول مطالب حركتهم وشعبهم ويرسخوا أواصر التعاون والعمل المشترك مع كل القوى في المجتمع المدني والسياسي والثقافي من أجل تونس تضم في عدل ورحمة كل أبنائها ضمن حياة ديمقراطية حقيقية بلا قمع ولا زيف ولا إقصاء.

 

ليس لها من سبيل غير تكاتف كل القوى وتعبئتها من أجل إخراج تونس الحبيبة من وهدة السجن التي تردت فيها مهما تعددت وتنوعت وتموهت أشكالها, انطلاقا من التمحور حول نقطة الانطلاق التي اجتمعت عليها رموز المجتمع المدني والسياسي خلال اللقاء الهام الذي دعا إليه الحزب الديمقراطي التقدمي، مطلب العفو التشريعي العام، ولماذا يستحق الجزائريون والمغاربة والليبيون مثل هذا المطلب ولا يستحقه التونسيون؟

__________________
كاتب تونسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة