دور إيران الشرق أوسطي في الميزان   
الأحد 1429/12/16 هـ - الموافق 14/12/2008 م (آخر تحديث) الساعة 10:00 (مكة المكرمة)، 7:00 (غرينتش)


محجوب الزويري

تزايد الحديث عن الدور (المشروع، النفوذ، التدخل، الاختراق) الإيراني في المنطقة بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، وتزايد هذا الحديث بشكل أكبر بعد قتل زعيم القاعدة في العراق أبو مصعب الزرقاوي صيف 2006.

فقد لعبت إيران دورا ليس جديدا في منطقة الشرق الأوسط منذ القرن الماضي، وقد ساد الاعتقاد آنذاك أن الدور الإيراني أقل تهديدا مما هو عليه الآن وذلك بسبب ارتباط ذلك الدور بالولايات المتحدة الأميركية التي رأت في النظام الملكي العلماني في طهران رأس حربة لمقاومة المد الشيوعي، كما رأت فيه حماية لمصالحها في منطقة الخليج والشرق الأوسط بشكل عام.

"
لعبت العلاقات الإيرانية الإسرائيلية دورا في حماية الدور الإيراني في المنطقة والتقليل من التشكيك فيه ولا سيما من قبل الولايات المتحدة الأميركية، لكن ذلك لم ينف وجود حالة من الريبة والشك من قبل الدول العربية في الدور الذي تلعبه إيران
"
كما ولعبت العلاقات الإيرانية الإسرائيلية دورا في حماية الدور الإيراني في المنطقة والتقليل من التشكيك فيه ولا سيما من قبل الولايات المتحدة الأميركية، لكن ذلك لم ينف وجود حالة من الريبة والشك من قبل الدول العربية في الدور الذي تلعبه إيران، ولا سيما فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي والذي يمثل بالنسبة لهم تهديداً لأمنهم القومي، لذا فقد كان القلق من الدور الإيراني ذا طابع سياسي يتعلق بالتنافس على الأدوار في المنطقة، ومن هنا كان تفاوت التقييمات حول الدور الإيراني كبيراً، وربما كان هذا التفاوت مستمراً حتى الآن وهو الأمر الذي سنتوقف عنده لاحقا.

لقد أدى تغيير نظام الحكم في إيران من ملكي علماني إلى جمهوري ديني إلى تغيير كبير في الصورة التي يظهر فيها الدور أو المشروع الإيراني، فالثورة الإسلامية في إيران عام 1979 أتت بنظام ديني إسلامي شيعي وسط محيط علماني، لكنه في الغالب ذو غالبية سنية، وتلى هذا التغيير حدث كبير تمثل في الحرب العراقية الإيرانية، والتي فسرت على أنها حرب تحرير القدس وتصدير النموذج الثوري كما قدمت إيرانيا، وأنها حرب تهديد البوابة الشرقية للنظام العربي كما قدمها النظام الرسمي العربي.

وما ضاعف من الشعور بخطورة الدور أو المشروع الإيراني النهج الإيراني في بناء علاقات مع الحركات المعارضة للحكومات القائمة في بعض البلدان العربية وكذلك الأقليات الشيعية، فالعلاقات التي حاولت إيران بناءها مع بعض الحركات الإسلامية والتي كانت علاقاتها تمر في أزمة كبيرة مع حكوماتها عززت من شعور القلق من الدور الذي تطمح إيران أن تحصل عليه في الجزء العربي من الشرق الأوسط.

وزادت السنوات الثماني من الحرب بين العراق وإيران في الفجوة الموجودة بين إيران ولاعبين آخرين في المنطقة مثل دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن، كما عزز التفاوت الكبير في المواقف حول سبل حل الصراع العربي الإسرائيلي والموقف من إسرائيل من تلك الفجوة، وهذه المسائل برمتها جذرت من هذه الشكوك حول ماهية المشروع الذي تطمح إيران لتحقيقه كدولة ثورية دينية.

ولم تختف هذه الشكوك حتى مع انتهاء الحرب ومساندة إيران للكويت في مواجهة آثار الاجتياح العراقي لها عام 1990، فالموقف الإيراني الذي ساند القرارات الدولية في ضرورة إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الثاني من أغسطس/آب 1999 يبدو أنه لم يكن كافيا لإزالة هذه الشكوك.

ورغم التقارب الإيراني مع دول الإقليم العربية فإن القلق الأمني بقي قائما عند كلا الطرفين، وبقي تطور العلاقات أشبه بزحف السلحفاة إن لم يكن أبطأ، فالموقف الإيراني الذي انتقد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، جاء ليعيد كرة الشكوك إلى المربع الأول.

فالدول العربية التي رأت أن السلام أصبح خياراً إستراتيجياً وجدت نفسها في موقف الانتقاد، بل والهجوم، من قبل الإعلام الإيراني، فقد أعادت إيران موقفها الرافض إلى الاعتراف بإسرائيل وعدم قبول حقيقة الاحتلال التي تسعى إسرائيل إلى فرضه.

من هنا تعاظمت مشاعر الريبة حول ما تريده إيران من كل هذه المواقف، والتي تلقى إلى حد ما صدى لدى الشارع العربي الذي بدا محبطاً مما آلت إليه الأمور في المنطقة بعد مؤتمر مدريد والذي أفادت منه إسرائيل أكثر من العرب والفلسطينيين.

لقد ظهر واضحا أن المواقف والتصريحات القادمة من طهران بشأن التطورات المتسارعة في المنطقة تلعب دورا في صعود وهبوط مستوى الشكوك حول طبيعة الدور أو المشروع الإيراني، من هنا يمكننا ملاحظة سيطرة حالة من عدم الاستقرار في مستوى هذه الشكوك، ففي الوقت الذي لعبت إيران فيه دوراً أعجب بعض اللاعبين الدوليين والإقليميين فيما يتعلق بمعارضة الاجتياح العراقي للكويت، شاهدنا كيف بدا الموقف من عملية التسوية السياسية الذي أعاد الأمور إلى ما كانت عليه، ومثل هذا التسارع في المواقف خلق حالة من التردد لدى الإقليم في التعاون الكامل مع إيران والبقاء دائما في حالة التحفظ الكامل.

"
بعد الانتخابات الرئاسية السابعة عام 1997 والتي أتت بالرئيس الإصلاحي محمد خاتمي رئيساً لإيران، ساد نوع من التفاؤل الإقليمي والذي شكل انعكاساً للتفاؤل الدولي باحتمالية حصول تغيير في المواقف الإيرانية بما ينسجم والسياسة الدولية "
لقد شهد الدور الإيراني تغيراً مرتبطاً بالتغير الذي شهدته الساحة السياسية الداخلية الإيرانية، فبعد الانتخابات الرئاسية السابعة عام 1997 والتي أتت بالرئيس الإصلاحي محمد خاتمي رئيساً لإيران، ساد نوع من التفاؤل الإقليمي والذي شكل انعكاساً للتفاؤل الدولي باحتمالية حصول تغيير في المواقف الإيرانية بما ينسجم والسياق العام الذي يسير السياسة الدولية فيما يتعلق بهذه المنطقة.

فالخطاب عن وقف التدخل في شؤون الغير، واتباع سياسة إزالة التوترات مع دول الإقليم عبر الحوار المباشر، وكذلك اتخاذ مواقف أكثر اعتدالاً في الصراع العربي الإسرائيلي بحيث لا تبدي إيران على الأقل اعتراضاً على ما يقبله ممثلو الشعب الفلسطيني.

الانفتاح الإيراني على الإقليم بسبب التغير الداخلي في إيران ساعد في جانب التقارب أكثر مع إيران، لكنه في ذات الوقت لم يكن كافيا، لأن الخطاب الإصلاحي كان يمثل بشكل غير مباشر نوعا من الانتقاد للأنظمة الشمولية في المنطقة، وهو الأمر الذي أبقى إلى حد سحابة القلق من دور إيران في ظل لبوس جديد أكثر ليبرالية وتقدما مما كان الأمر في ظل سيطرة الخطاب الديني.

لقد بدا واضحا أن إيران بخطابها الديني التقليدي تبدو متأرجحة بنفس القدر الذي تكون عليه عندما تكون ذات خطاب سياسي براغماتي كما حاولت أن تقدمه خلال الفترة الإصلاحية، لكن هذا لا ينفي أن مستوى الأزمة في علاقة إيران مع جوارها الإقليمي كان قابلاً للإدارة من تلك الدول باعتبار أن إيران انتقلت من حالة الثورة إلى حالة الدولة، وأن مسألة البقاء والاستمرار أصبحت أولية وبالتالي هذا يجعلها أكثر براغماتية مما كانت عليه في السابق.

لم تستمر السياسة البراغماتية التي حاول العهد الإصلاحي أن يقدمها، إذ إن فوز الرئيس محمود أحمدي نجاد في انتخابات رئاسة الجمهورية التاسعة عام 2005 أعاد إيران بالنسبة إلى محيطها الإقليمي إلى المربع الأول، وقد لعبت التصريحات المتتالية المتعلقة بانتقاد مسيرة التسوية السياسية، وكذلك الإصرار على تطوير البرنامج النووي الإيراني، ثم جاءت الحرب على العراق عام 2003 لتعطي إيران الفرصة لتلعب دوراً أكثر تأثيراً في التغيرات الإقليمية، وهو الأمر الذي يدفع إلى وجود حالة من الإجماع للحديث عن مشروع إيراني في المنطقة.

تعد التحالفات التي تقيمها إيران مع حكومات أو لاعبين غير الحكومات أحد أهم القضايا التي يتم من خلالها تحليل أبعاد الدور أو المشروع الإيراني، فإيران استفادت من التناقض بين مكوني حزب البعث السوري والعراقي، وفي الوقت الذي لم تساند فيه سوريا العراق في الحرب على إيران اختارت سوريا إيران، كانت تلك اللحظة مهمة بالنسبة إلى إيران التي رأت أن سوريا على الرغم من أنها علمانية بعثية، فإنها الحليف المناسب في وقت عز فيه الحلفاء على إيران، تزامن ذلك من استغلال إيران التدمير الممنهج الذي قامت فيه إسرائيل لبنية الدولة اللبنانية في مطلع الثمانينيات، وكذلك تراجع شعبية ودور حركة أمل الشيعية في لبنان، لتساعد في تقوية حزب الله كممثل للشيعة في لبنان، وليصبح فيما بعد في نظر الكثيرين أداة من أدوات التحالف الإيراني في المنطقة العربية.

لقد كان واضحا أن إيران نجحت في توصيف التطورات الإقليمية في اتجاه يخرجها من عزلتها التي فرضت عليها أميركياً وغربياً من جانب، ومن جانب آخر نجحت في بناء نوع من التحالفات يخرجها إلى دائرة التأثير الإقليمي على الرغم من سيادة حالة من عدم الرضى من طبيعة النظام السياسي بعد الثورة الإسلامية عام 1979.

"
إيران نجحت في توصيف التطورات الإقليمية في اتجاه يخرجها من عزلتها التي فرضت عليها أميركياً وغربياً من جانب، ومن جانب آخر نجحت في بناء نوع من التحالفات يخرجها إلى دائرة التأثير الإقليمي
"
النوع الأخر من التحالفات الذي أقامته إيران يتعلق بالقضية الفلسطينية، ففي مطلع الثمانينيات أقامت إيران الإسلامية علاقات مع منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تقيم في بيروت، كما أعطتهم حق التمثيل الدبلوماسي لدرجة منحهم المبنى الذي كانت تقيم فيه الممثلية السياسية الإسرائيلية في طهران، فلم تكن إيران تعني بأن يكون ممثلو الشعب الفلسطيني إسلاميين، بل كانت الأولوية عندها بأن تكون الثورة وفيةً لمبادئها وفق الدستور الذي يتحدث بشكل مباشر عن دعم المستضعفين وحركات التحرر ضد قوى الاستكبار العالمي (انظر: المواد 152 و154 من الدستور الإيراني)، هذا التحالف يستدعي قراءة للدور الإيراني في إطار متصل، فالحديث اليوم عن علاقات إيران مع حماس والتركيز على هذه العلاقة فقط لأن حماس حركة إسلامية تفتقد إلى الدقة.

لقد كشفت الحرب على العراق عام 2003، ومن بعدها الضغط الدولي الذي تعرضت له حماس بعد انتخاباها عام 2006، ثم النتائج التي أفرزتها حرب الـ34 يوما بين حزب الله وإسرائيل، استفادة إيران مرة أخرى من التطورات التي تجري حولها لتجذير دورها أو مشروعها في المنطقة، وهذا يستدعي نقاشا حول المحددات التي تواجه إيران في ممارسة دورها لو لم تكن تلك الأحداث.

لقد جاءت الحرب على العراق لتعطي دفعة قوية لأي دور أو مشروع إيراني في المنطقة، فإيران التي رحبت بإزالة نظام البعث من الحكم في العراق، والمجيء بنخبة سياسية شيعية وكردية قريبةً منها، وجدت الفرصة مواتية لتقوية نفوذها على جبهة جديدة في المنطقة، جبهة كانت لسنوات عصية على النفوذ الإيراني.

الدور الإيراني في العراق كان واضحا منذ البدء، وكان فيه قدر من الوضوح يصعب إنكاره، فإيران أيدت مجلس الحكم الانتقالي، والوصاية التي أعطيت لأميركا من قبل مجلس الأمن -حتى وإن لم تعلن ذلك- واعترفت بنتائج جميع الانتخابات التي أجريت في العراق مبررة ذلك بأنه خيار الشعب العراقي، يضاف إلى ذلك كله تعاون اقتصادي وسياسي واجتماعي وديني بلا حدود.

الدور الإيراني في العراق أُخذ على أنه متأثر بالبعد الديني فقط، لكن على ما يبدو أن هذا التقييم بحاجة إلى إعادة تقييم أخرى لأنه إذا ما طبقنا هذا التقييم على الشيعة فكيف نفسر العلاقة مع الأكراد؟

على صعيد متصل بالدور الإيراني -وهو ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني- فالقلق الإقليمي هو امتداد للقلق الدولي الذي يبدأ في واشنطن وتل أبيب ثم ما يلبث أن يتماهي في أنحاء العالم، وهنا يجب تسجيل أن القلق الموجود بشأن البرنامج النووي الإيراني مرتبط بالأساس بطبيعة النظام السياسي الإيراني والتلقي الموجود عنه في العالم، لذلك يبدو من الضروري إعادة تقييم القدرات النووية الإيرانية آخذين بعين الاعتبار كل القرارات الدولية 1696 و1737 و1747 و1803، والتي فرضت عقوبات متتالية على برنامج إيران النووي.

والمسألة الأخرى التي يجب التوقف عندها إقليمياً هي أن المجتمع الدولي لا يبدو قلقلاً من أن تمتلك إيران برنامجاً نووياً لكن بشرط أن يغير النظام من سياساته، فكيف ستواجه المنطقة هذه الفرضية؟

إن التقاطع الكبير الذي يشهده الدور الإيراني في المنطقة مع ما تريده الولايات المتحدة الأميركية، هو الذي أعطي زخماً كبيراً لما تقوم به إيران، فالقلق من الدور الإيراني في لبنان وفي فلسطين وفي العراق مرتبط بمعارضة ذلك الدور الإيراني لما طرحته الولايات المتحدة من رؤى ومشاريع لمنطقة الشرق الأوسط، هذه الرؤى كانت تلقى الدعم من لاعبين إقليميين شاركوا واشنطن القلق في ما تسببه سياسات طهران الإقليمية.

"
القلق من المشروع الإيراني في المنطقة يبدو موضع إجماع من النظام الرسمي العربي ومن بعض المنظرين في ميدان الإسلام السياسي كالشيخ يوسف القرضاوي، وكذلك من تنظيم القاعدة الذي انتقد الرجل الثاني فيه أيمن الظواهري إيران ودورها في العراق
"
إن القلق من المشروع الإيراني في المنطقة يبدو موضع إجماع من النظام الرسمي العربي ومن بعض المنظرين في ميدان الإسلام السياسي كالشيخ يوسف القرضاوي، وكذلك من تنظيم القاعدة الذي انتقد الرجل الثاني فيه أيمن الظواهري إيران ودورها في العراق. هذه الثلاثية لم تكن في الحسبان أن تجمع على موقف كما أجمعت في قلقها من الدور أو المشروع الإيراني في المنطقة.

إن أي قراءة للمشروع الإيراني في المنطقة يجب أن تنظر بعين الأهمية إلى المحددات التي تعترض هذا الدور، ومن أهمها: أن الدور الإيراني لا يمتلك عناصر الجذب سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم ثقافية، صحيح أن هناك إعجابا من قبل البعض بمواقف إيران وحزب الله من إسرائيل، لكن هذه المواقف مرتبطة بحالة المقاومة التي يمكن أن يمثلها حزب الله، وهي حالة من الإعجاب يمكن أن توجد نحو أي مقاومة بغض النظر عن هويتها الدينية والعرقية.

ومن الضروري هنا أن ننظر إلى البعد الثقافي والقوة الاقتصادية التي يمكن أن توفرها إيران مقارنة مع دول غربية على سبيل المثال، ومن العوامل المحددة الأخرى هو قيام الدول القلقة من الدور الإيراني بلعب أدوار مختلفة سواء إقليميا أو على مستوى تحالفاتها مع الولايات المتحدة أو معاملة مواطنيها من الأقليات الدينية. كل هذه قضايا يمكن أن تكون محددة للدور الإيراني في المنطقة.

إن المشروع الإيراني هو استجابة لتطورات إقليمية خدمت إيران وما زالت تخدمها، وإنه بزوال نتائج هذه التطورات فإن الدور الإيراني قد يتعرض لنوع من الانحسار. من هنا يجب التركيز على التطورات الإقليمية في قراءة الدور الإيراني بنفس القدر الذي يتم التركيز فيه على المبادرة الإيرانية نفسها للعب ذلك الدور.
ـــــــــــــ
أكاديمي أردني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة