مكافحة الإرهاب في السعودية وحقوق الإنسان ..تناغم أم تنافر؟/ملغى اعيد ارسال نسخة معدلة/   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ عبدالرحمن بن محمد اللاحم

قد تكون الأزمات هي الوقت الملائم لتفحص مدى فاعلية الوثائق القانونية في أداء وظيفتها الحيوية في المجتمع، وعلى وجه الخصوص إذا كانت تتعلق بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، حيث أن أوقات الأزمات، خصوصا الأمنية منها، تكون مظنة للتجاوزات والتعديات على الحريات المدنية للمواطنين الأمر الذي يستدعي استحضار تلك الوثائق والاستصراخ بها لرفع التعدي ودفع تلك الانتهاكات، وبالتالي إذا لم تكن تلك الوثائق بالفاعلية المناسبة لم تجد تلك الصرخات أية صدى أو استجابة.

وما سبق ينطبق تماما على ما نعيشه في السعودية في هذه المرحلة التاريخية الحرجة، حيث بدأت خلايا الإرهاب بمحاولة لضرب المقدرات الوطنية وتهديد السلم والأمن الاجتماعي مما استتبع قيام حملة أمنية وطنية لاستئصال شأفة هذه الخلايا وبطبيعة الحال فإن أوضاع حقوق الإنسان في الأجواء الأمنية القلقة غالبا ما تتعرض للانتهاكات المتكررة نتيجة لتلك الأوضاع غير الطبيعية مما يستوجب من المهتمين والمعنيين في الجانب الحقوقي المراقبة الدؤوبة لتلك التجاوزات وعدم السماح لاستغلال الحرب على الإرهاب لشرعنة تلك الانتهاكات وترسيخها واقعا على الأرض.

فالجميع متفقون وبشكل قاطع على نبذ العنف بشقيه الفكري والمسلح لكن هذا لا يستتبع بالضرورة القبول بمصادرة الحقوق المكتسبة والتعدي على الحريات العامة وعلى وجه الخصوص في بلد لا زال يحبو في ميدان حقوق الإنسان ولا زالت الثقافة الحقوقية بقيمها وأدبيتها غريبة عن نسيجه التشريعي والاجتماعي مما يجعل كل مكتسب حقوقي هو بمثابة (ثروة وطنية) لا يجوز التنازل أو التساهل فيه.

لقد كان تشريع نظام الإجراءات الجنائية وبقية الأنظمة العدلية قفزة تشريعية في المملكة العربية السعودية حيث رسخ (تشريعيا) الكثير من القواعد الحمائية للمتهم، وقيد سلطات رجال الضبط، وقنن القواعد الخاصة بالقبض والتفتيش والتحقيق والمحاكمة بما لا يدع مجالا للتجاوزات على الحريات العامة تحت أي ظرف، وقيد مدة احتجاز المتهم بمدة محددة لا يجوز تجاوزها دون توجيه تهمة له تبرر الاستمرار في تقييد حريته وتقديمة بناء عليها للمحاكمة أو إخلاء سبيله وإعطاءه حريته.

ومن الناحية القانونية الصرفة فإن نظام الإجراءات الجنائية ينطبق بشكل صريح على المتهمين بقضايا أمنية وبالتالي فإن من أبسط المسلمات القانونية التي اتفقت عليها كافة الشرائع السماوية والأرضية هي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.

وإدانته لا تكون إلا من خلال محاكمة عادلة تتفق والنظام القانوني للبلد وما عدا ذلك فهو تعدي على الحقوق الأساسية للمواطن والتي من أهمها الحق في الحرية التي لا يجوز سلبها منه إلا وفق القواعد القانونية السارية لا سيما وأن المتهمين في قضايا العنف المسلح يبقون في النهاية مواطنون لهم حق المواطنة الكاملة والتي من أبسطها حقه في محاكمة عادلة والتعامل معه وفق للقانون دون التعدي على حقوقه وحرياته.

لذا فإن هؤلاء الموقوفين على ذمة قضايا تتعلق بالعمليات الإرهابية مخاطبون بنظام الإجراءات الجنائية ومشمولون به وحرمانهم من التمتع بالحصانات والحقوق الواردة فيه لا يجد له مايبرره لا في القواعد الشرعية ولا القانونية وسيساهم بشكل أساسي في التعدي على المكتسبات ( المتواضعة) التي تحققت في ملف حقوق الإنسان في السعودية ويعيدنا إلى نقطة البداية.

لقد نص النظام الأساسي للحكم (والذي يعد الدستور المكتوب للدولة) على أن الدولة تحمي حقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية (المادة السادسة والعشرون) كذلك نص على أن الدولة توفر "...الأمن لجميع مواطنيها والمقيمين على إقليمها ولا يجوز تقييد تصرفات أحد أو توقيفه أو حبسه إلا بموجب أحكام النظَام" (المادة السادسة والثلاثون).

وبالتالي فإنه لا يجوز استثناء أي إنسان يعيش تحت سيادة الدولة من انطباق القانون عليه ولا يملك صلاحية الاستثناء إلا الجهة التشريعية التي أصدرته وبالأداة القانونية ذاتها وما عدا ذلك فإنه يعد تجاوزا للأنظمة.

نأمل وفي ظل العفو الملكي للمطلوبين أن تؤكد القيادة السياسية على معاملة الموقوفين على ذمة قضايا العنف المسلح وفق الأنظمة الجنائية وإعطاء الصلاحية الكاملة لهيئة التحقيق والادعاء العام لممارسة صلاحيتها في التحقيق والتفتيش على السجون والتأكد من سلامة الإجراءات القانونية المتبعة مع الموقوفين وعدم تجاوزهم للمدد النظامية حتى نؤكد للجميع بأن الإنسان في هذا البلد بكرامته وحريته وحقوقه هو الركيزة الأساسية وهو المحور الأساسي لأي تنمية منشودة وأن الحرب على الإرهاب ليست مبررا لمصادرة تلك الحقوق والحريات (المدنية).

كما أن أوضاع الموقوفين ستكون محكا حقيقيا للجمعية الوطنية للحقوق الإنسان والتي يفترض أن تكون أول المتحركين لحل عادل وقانوني لهذا الملف. فإذا كانت الجمعية أصدرت بيانا قبل عدة أيام تطالب فيه المطلوبين بتسليم أنفسهم واستغلال العفو الملكي فإننا نأمل أن تصدر الجمعية بيانا مشابها تؤكد فيه ضرورة تمتع أولئك الموقوفين بكافة الحصانات والضمانات وتهيئة محاكمة عادلة لهم لاسيما وقد شمل العفو مشائخهم وكبرائهم فلا أقل أن يعامل هؤلاء وفق النصوص القانونية السارية.
ــــــــــــــــــ
كاتب سعودي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة